خطبة حول معنى قوله تعالى ( هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ )
أغسطس 1, 2026الخطبة الأولى (مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (57): (61) المؤمنون.
إخوة الإسلام
إِنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ لَيْسَتْ دَعْوَى بِاللِّسَانِ، يُرَدِّدُهَا الْمَرْءُ كَيْفَمَا شَاءَ، وَلَا أَمَانِيَّ زَائِفَةً، يَتَسَلَّى بِهَا كُلُّ مَنْ قَصَّرَ فِي الْعَمَلِ، بَلْ هُوَ يَقِينٌ صَادِقٌ، وَعَقِيدَةٌ رَاسِخَةٌ فِي الْجَنَانِ، تُصَدِّقُهَا الْأَعْمَالُ الْجَارِحَةُ، وَتَتَجَلَّى فِي السُّلُوكِ وَالْوِجْدَانِ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ مِنْ (سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ)، يَرْسَمُ لَنَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ لَوْحَةً مَهِيبَةً، لِبعض صِفَاتِ عِبَادِ اللهِ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُبَيِّنُ لَنَا مَعَالِمَ مَنَازِلِهِمْ، فِي السَّيْرِ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لِتَكُونَ لَنَا مِيزَانًا نَزِنُ بِهِ أَنْفُسَنَا، وَنَقِيسُ بِهِ مَدَى قُرْبِنَا مِنْ خَالِقِنَا.
وَأَوَّلُ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ، وَتلك الْمَنَازِلِ الشَّرِيفَةِ هُوَ: خَشْيَةُ اللهِ تَعَالَى، وَالْإِشْفَاقُ مِنْ مَقَامِهِ؛ حَيْثُ يَقُولُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾.
وَالْخَشْيَةُ -عِبَادَ اللهِ- لَيْسَتْ خَوْفًا عَادِيًّا مَذْعُورًا، كَخَوْفِ الْإِنْسَانِ مِنْ سَبُعٍ ضَارٍ، بَلْ هِيَ خَوْفٌ مَقْرُونٌ بِالْمَعْرِفَةِ التَّامَّةِ، وَالتَّعْظِيمِ لِلْمَخُوفِ؛ فَمَنْ عَرَفَ اللهَ بِجَلَالِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، مَلَأَ الْإِشْفَاقُ حَنَايَا قَلْبِهِ.
وَتَتَجَلَّى مَظَاهِرُ هَذِهِ الْخَشْيَةِ، فِي كَبْحِ جِمَاحِ النَّفْسِ عَنِ الْمَحَارِمِ فِي الْخَلَوَاتِ، حَيْثُ لَا يَرَاكَ إِلَّا اللهُ، وَتَجِدُ صُورَتَهَا فِي تِلْكَ الدَّمَعَاتِ، الَّتِي تَسِيلُ عَلَى الْخُدُودِ وَجَلًا، عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ.
أَمَّا أَسْبَابُهَا: فَتَبْدَأُ مِنْ غَذَاءِ الْقَلْبِ بِتَدَبُّرِ أَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى، كَالْقَاهِرِ، وَالْجَبَّارِ، وَالْعَلِيمِ، وَتَذَكُّرِ حَتْمِيَّةِ الْمَوْتِ، وَأَهْوَالِ الْقَبْرِ وَالسُّؤَالِ.
وَمَا أَعْظَمَ ثِمَارِ هَذِهِ الْخَشْيَةِ فِي الدُّنْيَا!: فَهِيَ مِفْتَاحُ طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ، وَصِمَامُ الْأَمَانِ، مِنَ الْوُقُوعِ فِي شِبَاكِ الْفِتَنِ وَالْمَعَاصِي.
وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ: فَإِنَّ جَزَاءَ مَنْ دَثَّرَهُ هَذَا الْخُلُقُ، هُوَ الْأَمَانُ التَّامُّ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَالظِّلُّ الْمَمْدُودُ تَحْتَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ، كَمَا وَعَدَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ البينة:8.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ثُمَّ يَنْتَقِلُ السِّيَاقُ الْقُرْآنِيُّ إِلَى الصِّفَةِ الثَّانِيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. فَإِنَّ هَذَا الْإِيمَانَ بِالْآيَاتِ، لَيْسَ مُجَرَّدَ إِقْرَارٍ صَامِتٍ بِتَنْزِيلِهَا، بَلْ هُوَ حَرَكَةٌ عَمَلِيَّةٌ مُتَكَامِلَةٌ، تَبْدَأُ بِـتِلَاوَةِ الْآيَاتِ بِيَقِينٍ ثَابِتٍ، ثُمَّ تَرْتَقِي إِلَى تَدَبُّرِ الْمَعَانِي وَمُقَاصِدِهَا؛ بِأَنْ يَقِفَ الْعَبْدُ عِنْدَ كُلِّ وَعْدٍ وَوَعِيدٍ، يَتَفَكَّرُ فِي مَوَاعِظِهَا وَعِبَرِهَا، لِيَحْيَا بِهَا قَلْبُهُ.
ثُمَّ تَأْتِي الْغَايَةُ الْعُظْمَى: وَهِيَ الْعَمَلُ بِمَا جَاءَ فِيهَا، تَنْفِيذًا وَتَطْبِيقًا؛ بِأَنْ يُحِلَّ الْعَبْدُ حَلَالَهَا، وَيُحَرِّمَ حَرَامَهَا، وَيَجْعَلَ هَدْيَ الْقُرْآنِ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا لَهُ، فِي كُلِّ شُؤُونِهِ الْأُسْرِيَّةِ، وَالْمَالِيَّةِ، وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، حَتَّى يَصِيرَ تَرْجَمَةً عَمَلِيَّةً لِلْوَحْيِ، كَمَا كَانَ حَالُ نَبِيِّ الْأُمَّةِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الَّذِي كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ. ففي مسند أحمد: (عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ سَأَلَتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ أَخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنُ).
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
ثُمَّ تَأْتِي الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ، الَّتِي هِيَ الْأَسَاسُ وَالرَّكِيزَةُ لِقَبُولِ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾. فلَقَدْ حَمَى هَؤُلَاءِ الصَّالِحُونَ جَنَابَ التَّوْحِيدِ النَّقِيِّ، فَلَمْ يُدَنِّسُوا صَفْحَتَهُمْ بِشِرْكٍ مَعَ اللهِ؛ فَلَمْ يَسْجُدُوا لِغَيْرِهِ، وَلَمْ يَذْبَحُوا لِقَبْرٍ، وَلَمْ يَطْلُبُوا عَوْنًا مِنْ كَاهِنٍ أَوْ دَجَّالٍ.
ففي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ »
ولَكِنَّ هَذَا لَيْسَ كُلَّ شَيْءٍ؛ بَلْ هُمْ أَيْضًا قَدْ حَارَبُوا أَنْفُسَهُمْ، لِكَبْحِ جِمَاحِ الشِّرْكِ الْخَفِيِّ، أَلَا وَهُوَ الرِّيَاءُ، وَطَلَبُ السُّمْعَةِ، وَالْمَحْمَدَةِ بَيْنَ النَّاسِ. ففي سنن ابن ماجه: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ).
إِنَّ الشِّرْكَ الْخَفِيَّ يَتَسَلَّلُ إِلَى الْقَلْبِ، تَسَلُّلَ دَبِيبِ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ؛ فَيَقُومُ الرَّجُلُ يُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ، لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ إِلَيْهِ. وفي مسند أحمد: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ». قَالُوا وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الرِّيَاءُ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً».
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾. أمَّا صَحَابَةُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فَقَدْ طَهَّرُوا مَقَاصِدَهُمْ، لِيَكُونَ عَمَلُهُمْ دُونَ شَائِبَةٍ، لَا يَبْتَغُونَ بِهِ إِلَّا وَجْهَ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ، حَذَرًا مِنْ تِلْكَ الْخَيْبَةِ الْعُظْمَى، حِينَ يَقُولُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» رواه مسلم.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا الْآنَ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ الْعَجِيبَةِ، الَّتِي تَبْعَثُ الرَّجْفَةَ وَالْهَيْبَةَ فِي نُفُوسِ الْعَارِفِينَ، حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾.
لَقَدْ أَشْكَلَ فَهْمُ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى بَعْضِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ غَايَةَ الْفَهْمِ لِلْقُرْآنِ؛ فَصَوَّرَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ الصِّدِّيقَةُ عَائِشَةُ (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) هَذَا التَّسَاؤُلَ، حِينَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )، فَفي سنن الترمذي: (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ هَذِهِ الآيَةِ (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) قَالَتْ عَائِشَةُ أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ قَالَ «لاَ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لاَ يُقْبَلَ مِنْهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ».
يَا لَهُ مِنْ مَشْهَدٍ مَهِيبٍ!، إِنَّهُمْ لَيْسُوا أَصْحَابَ مَعَاصٍ وَمُوبِقَاتٍ، بَلْ هُمْ قَائِمُونَ بِاللَّيْلِ، صَائِمُونَ بِالنَّهَارِ، كَثِيرُو الْبَذْلِ وَالْإِنْفَاقِ لِأَمْوَالِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ.
وَمَعَ كُلِّ هَذَا الرَّصِيدِ الضَّخْمِ مِنَ الصَّالِحَاتِ، لَا تَرَى فِي قُلُوبِهِمْ كِبْرًا، وَلَا غُرُورًا، بَلْ تَرْتَجِفُ قُلُوبُهُمْ وَجَلًا، وَخَوْفًا؛ يَخْشَوْنَ أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُهُمْ مَرُدُودَةً، لِعِلَّةٍ لَمْ يَنْتَبِهُوا لَهَا، وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ، عِنْدَ رُجُوعِهِمْ إِلَى رَبِّهِمْ.
إِنَّهُمْ يَعِيشُونَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بَيْنَ جَنَاحَيِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ؛ فَالْخَوْفُ يَزْجُرُهُمْ عَنِ الْغَفْلَةِ، وَالْمَعَاصِي، كَيْ لَا يَهْلِكُوا، وَالرَّجَاءُ يَحْدُو بِهِمْ إِلَى حُسْنِ الْعَمَلِ، كَيْ لَا يَيْأَسُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ. فَالْمُؤْمِنُ جَمَعَ إِحْسَانًا وَمَخَافَةً، وَالْمُنَافِقُ جَمَعَ إِسَاءَةً وَأَمْنًا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ هَذَا الْوَجَلَ الْمَحْمُودَ فِي قُلُوبِهِمْ، لَمْ يُقْعِدْهُمْ عَنِ الْعَمَلِ، وَلَمْ يُورِثْهُمْ خُمُولًا أَوْ كَسَلًا، بَلْ كَانَ الْوَقُودَ الْمُسْتَعِرَ، الَّذِي دَفَعَهُمْ إِلَى غَايَةِ الْجِدِّ وَالْمُبَادَرَةِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ ثَمَرَةِ كُلِّ هَذِهِ الصِّفَاتِ: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾.
فَالْمُؤْمِنُ لَا يَقُولُ “سَأَتُوبُ غَدًا”، وَلَا يُسَوِّفُ فِي دَفْعِ صَدَقَتِهِ، وَلَا يَتَكاسَلُ عَنْ بَابِ بِرٍّ دُعِيَ إِلَيْهِ. إِنَّهُمْ يَبْتَدِرُونَ الطَّاعَاتِ كَمَنْ يَفِرُّ مِنْ خَطَرٍ مُحْدِقٍ.
وَتَتَجَلَّى صُوَرُ هَذِهِ الْمُسَارَعَةِ فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ: فِي التَّبْكِيرِ إِلَى الصَّلَوَاتِ، وَالْمُبَادَرَةِ بِقَضَاءِ حَوَائِجِ الْأَرَامِلِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَالْمُبَادَرَةِ بِالصَّفْحِ، وَالْعَفْوِ، عِنْدَ
الْخِصَامِ، قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ.
وَإِنَّ جَزَاءَ هَؤُلَاءِ الْمُسَارِعِينَ لَيْسَ فَقَطْ نَجَاةً، بَلْ هُوَ السَّبْقُ فِي الدُّنْيَا إِلَى الْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، وَالسَّبْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجِنَانِ وَالْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى، حَيْثُ يُنَادُونَ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ
فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ الرعد:24.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَعَرِّضُوا نُفُوسَكُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ الْخَمْسِ؛ لِتَرَوْا أَيْنَ أَنْتُمْ مِنْهَا. اجْعَلُوا خَشْيَةَ اللهِ شِعَارَكُمْ، وَالْعَمَلَ بِآيَاتِهِ دَلِيلَكُمْ، وَإِخْلَاصَ الْعَمَلِ دَأْبَكُمْ، وَالْوَجَلَ مِنْ عَدَمِ الْقَبُولِ مِيزَانَكُمْ، وَالْمُسَارَعَةَ إِلَى مَرْضَاتِهِ حَيَاتَكُمْ؛ لِتَكُونُوا حَقًّا مِنْ أَهْلِ الْفَلاحِ، الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ المؤمنون (10) ،(11).
الدُّعَاءُ
