خطبة عن شكر النعم ( فهيا نتذاكر نعم الله علينا ،ونشكر المنعم جل وعلا)
أغسطس 22, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (صِفَةُ الرَسُولِ فِي التَّوْرَاةِ الْقُرْآنِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى البخاري في صحيحه: (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ- رضي الله عنهما- قُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم – فِي التَّوْرَاةِ. قَالَ أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ،وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلاَ غَلِيظٍ وَلاَ سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا).
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى في محكم آياته: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (81)، (82) آل عمران،
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف:157).
فإِنَّ المتدبر لهذه الآيات المباركات، يتبين له أن النَّظَرَ فِي دَلاَئِلِ النُّبُوَّةِ، وَالتَّأَمُّلَ فِي شَوَاهِدِ الصِّدْقِ النَّبَوِيِّ، لَيْسَ المَقْصُودُ مِنْهُ الاِسْتِغْرَاقَ فِي المَبَاحِثِ النَّظَرِيَّةِ، أَوْ الاِكْتِفَاءَ بِالسَّجَلِ المَعْرِفِيِّ، بَلْ هُوَ شُهُودٌ يَقِينِيٌّ، لِلْعَهْدِ الأَزَلِيِّ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَالأُمَمِ ،لِلإِيمَانِ بِخَاتَمِ المُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ، فلَقَدْ كَانَتْ صِفَاتُ هَذَا النَّبِيِّ مَكْتُوبَةً فِي الكُتُبِ السَّالِفَةِ، وَمُسَجَّلَةً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ بِدِقَّةٍ حَاسِمَةٍ، لاَ تَدَعُ مَجَالاً لِلشَّكِّ أَوْ الرَّيْبِ؛ فَقَدْ نَعَتَهُ اللَّهُ لِلأُمَمِ القَبْلِيَّةِ، قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الوُجُودِ، وَسَمَّاهُ بِأَسْمَائِهِ، وَوَصَفَهُ بِأَخْلاَقِهِ، وَبَيَّنَ طَبِيعَةَ رِسَالَتِهِ.
وَإِنَّ اسْتِحْضَارَ هَذِهِ الصِّفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ، يَفْتَحُ لِلْمُؤْمِنِ بَصِيرَةً عَمِيقَةً، يُدْرِكُ مِنْ خِلاَلِهَا: أَنَّ هَذَا الدِّينَ هُوَ حَقِيقَةُ الوُجُودِ، وَأَنَّ هَذَا الرَّسُولَ-ﷺ- كَانَ مُنْتَظَرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، فَتَزْدَادُ القُلُوبُ طُمَأْنِينَةً، وَتَرْسُخُ الأَقْدَامُ ثَبَاتاً عَلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، وكَيْفَ لاَ تَهْتَزُّ القُلُوبُ إِجْلاَلاً لِنَبِيٍّ بَشَّرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَأَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرُنَّهُ؟.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفي هذا الحديث المتقدم الذي رواه البخاري في صحيحه: (وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا» وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ ،أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا»،
فهَذَا الحَدِيثَ النَّبَوِيَّ العَظِيمَ، يُمَثِّلُ وَثِيقَةً إِيمَانِيَّةً وَتَارِيخِيَّةً صَارِمَةً، تَكْشِفُ عَنْ كَمَالِ هَذَا النَّبِيِّ ﷺ، وَتَطَابُقِ نَعْتِهِ فِي التَّوْرَاةِ المُنَزَّلَةِ، مَعَ صِفَاتِهِ فِي القُرْآنِ المَجِيدِ،
وَإِنَّ مدارسة هَذِهِ الصِّفَاتِ الوَارِدَةِ فِي الحَدِيثِ، يَجْعَلُنَا نَقِفُ عَلَى المَعَانِي العَمِيقَةِ، الَّتِي تُقَابِلُهَا فِي آيَاتِ الذِّكْرِ الحَكِيمِ: أَوَّلاً: صِفَتُهُ «شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا»؛ فَهِيَ عَيْنُ الصِّفَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ حَيْثُ قَالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (الأحزاب: 45-46). ثَانِياً: صِفَتُهُ «وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ»؛ أَيْ حِصْناً حَصِيناً، وَأَمَاناً لِلْعَرَبِ الأُمِّيِّينَ، الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ كِتَابٌ، فَرَفَعَ اللَّهُ بِهِ ذِكْرَهُمْ، وَحَمَاهُمْ مِنَ الضَّلاَلِ، وَهُوَ المَعْنَى المَذكور فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة:2) ثَالِثاً: صِفَتُهُ «أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ»؛ فَالأُلُوهِيَّةُ لِلَّهِ، وَدَعْوَةُ الرَّسُولِ تَقُومُ عَلَى شَرَفِ العُبُودِيَّةِ، وَالاِعْتِمَادِ التَّامِّ عَلَى اللَّهِ فِي كُلِّ الأَحْوَالِ، وَهُوَ مَا قَابَلَهُ فِي القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ (الفرقان: 58) ، رَابِعاً: صِفَتُهُ «لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ»؛ فَالْفَظَاظَةُ هِيَ قَسْوَةُ الخُلُقِ، وَالْغِلَظُ هُوَ جَفَاءُ الطَّبْعِ، وَالْصَّخَبُ هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي المَحَافِلِ وَالأَسْوَاقِ بِالْخُصُومَةِ وَالْلَّغْوِ، وَقَدْ بَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْ هَذِهِ الأَخْلاَقِ السيئة، وَقَابَلَهَا فِي القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران:159)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:4). خَامِساً: صِفَتُهُ «وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ»؛ وَهِيَ ذِرْوَةُ سَّنام الأَخْلاَقِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ المَخْلُوقِينَ، إِذْ لاَ يَقَابِلُ الإِسَاءَةَ بِمِثْلِهَا، بَلْ بِالإِحْسَانِ وَالصَّفْحِ، وَهُوَ ما طَابَقَ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي القُرْآنِ: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت:34)، وَقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف:199). سَادِساً: صِفَتُهُ «وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ… وَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا»؛ فَالمِلَّةُ العَوْجَاءُ هِيَ التَّغْيِيرُ الَّذِي طَرَأَ عَلَى حَنِيفِيَّةِ إِبْرَاهِيمَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بِالشِّرْكِ، فَأَقَامَهَا اللَّهُ بِنبيه مُحَمَّدٍ ﷺ، وَفَتَحَ بِهِ القُلُوبَ المَغْلقَةَ، وَالأَسْمَاعَ المَسْدُودَةَ، وَهُوَ المَعْنَى المَقْبُوضُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة:33)، وفي الحديث: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (رواه مسلم).
أيها المسلمون
وإذا تدبرنا صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وردت في هذا الحديث: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ)، فالله تعالى أرسل رسوله (شَاهِدًا): فهو شاهد لمن آمن به من أمته بالتصديق، وشاهد على مَن كفَر منهم بالتكذيب، وهو أيضا شاهد للرسل قبله بالبلاغ. قال الله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) (41) النساء،
والله تعالى أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم: (مُبَشِّرًا): للمطيعين بالفوز العظيم، بجنات النعيم، قال الله تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا) الاحزاب (47)، والله تعالى أرسل رسوله: (نَذِيرًا): فهو نذير للعاصين بنار الجحيم، والعذاب الأليم، قال الله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) (46) سبأ، وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ فَالنَّجَاءَ. فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا، فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ، فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي، فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ »،
والله تعالى أرسل رسوله: (حِرْزًا للأُميِّين): فهو صلى الله عليه وسلم (حرز) والحِرْز: هو الموضِع الحصين، والكهف المنيع، فالمؤمنون يتحصَّنون برسول الله صلى الله عليه وسلم مِن الشَّيطانِ الرجيم، ويَتحصَّنونَ به من غوائل الدهر، ومن سَطْوة العَجَم، ومن عذاب الله في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) (33) الانفال؛ وفي صحيح مسلم: (قَالَ صلى الله عليه وسلم :«النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ». فهو صلى الله عليه وسلم: (حِرْزًا للأُميِّين) أي للعرب، وإنما خصَّ العرب بالذِّكر؛ لشرفهم، ولإرساله بين أظهرهم، وإنما دعوته صلى الله عليه وسلم عامةٌ، ورسالته إلى الناس كافة.
ثم ذكر الحديث بعضا من صفات رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم كما جاءت في الكتب المقدسة، ومنها:
(أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلاَ غَلِيظٍ، وَلاَ سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ): فهو صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله، ففي صحيح البخاري: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعَ عُمَرَ – رضي الله عنه – يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ «لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»،
وقد سماه الله تعالى المتوكل: (سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ)، لأنه -صلى الله عليه وسلم- حقق التوكل بكل معناه، فأخذ بالأسباب ،وتوكل قلبه على الله، فأنت أيها الرسول المتوكل: لعظيم ثقتك بي، وكريم اعتمادك عليَّ، وجميل صبْرك فيَّ، تَقْنع باليسير، وتجود بالكثير، وتُفوِّض أمرك كله إليَّ. وحينما كان -صلى الله عليه وسلم- مهاجرا وصاحبه من مكة إلى المدينة، وأحاط كفار مكة بالغار، كان صلى الله عليه وسلم في غاية الأمن، لأنه متوكل على الله، قال تعالى: (إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) التوبة (40)، وفي الصحيحين: (قَالَ أبو بكر: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا مَالَتِ الشَّمْسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ، فَقُلْتُ أُتِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ «لاَ تَحْزَنْ، إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا». فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا).
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (صِفَةُ الرَسُولِ فِي التَّوْرَاةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ومن صفات رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم كما جاءت في الكتب المقدسة، أنه صلى الله عليه وسلم: (لَيْسَ بِفَظٍّ وَلاَ غَلِيظٍ وَلاَ سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ)، فهو صلى الله عليه وسلم: ليس بفظٍّ ولا جافٍ، ولا غليظ الطباع، ولا قاسٍ في معاملاته، بل كان اللين شيمته، والرفق سجِيَّته، ما لم يُؤْمر بالشدة والغِلَظة مع الكفار في القتال، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:159]. ومن صفاته: (وَلاَ سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ): ففي سنن الترمذي: (أن أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيَّ يَقُولُ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلاَ مُتَفَحِّشًا وَلاَ صَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ وَلاَ يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ)، فما حاجته إلى الصَّخب واللغط، وهو مجبولٌ على الرِّفق والتواضع، ومطبوع على السكينة والوقا،
ومن أخلاقه: (وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ): امتثالاً لأمره تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون:96]، وكان – صلى الله عليه وسلم – خُلُقه القرآن. وفي سنن النسائي: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كُنَّا نَقْعُدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا قَامَ قُمْنَا فَقَامَ يَوْمًا وَقُمْنَا مَعَهُ حَتَّى لَمَّا بَلَغَ وَسَطَ الْمَسْجِدِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ مِنْ وَرَائِهِ – وَكَانَ رِدَاؤُهُ خَشِنًا – فَحَمَّرَ رَقَبَتَهُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ احْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ فَإِنَّكَ لاَ تَحْمِلُ مِنْ مَالِكَ وَلاَ مِنْ مَالِ أَبِيكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لاَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لاَ أَحْمِلُ لَكَ حَتَّى تُقِيدَنِي مِمَّا جَبَذْتَ بِرَقَبَتِي». فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ لاَ وَاللَّهِ لاَ أُقِيدُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لاَ وَاللَّهِ لاَ أُقِيدُكَ. فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الأَعْرَابِيِّ أَقْبَلْنَا إِلَيْهِ سِرَاعًا فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «عَزَمْتُ عَلَى مَنْ سَمِعَ كَلاَمِي أَنْ لاَ يَبْرَحَ مَقَامَهُ حَتَّى آذَنَ لَهُ». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِرَجُلٍ مِنَ الْقَوْمِ «يَا فُلاَنُ احْمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرٍ شَعِيرًا وَعَلَى بَعِيرٍ تَمْرًا». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «انْصَرِفُوا».
ومن أخلاقه: (وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ): فلا يرضى خُلُقُه العظيم ألا يَجزي السيئة بمثلها؛ وإنما يَسْترها فلا يُجابِه بها، وفي سنن ابي داود: (عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ الشَّيْءُ لَمْ يَقُلْ مَا بَالُ فُلاَنٍ يَقُولُ وَلَكِنْ يَقُولُ «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا»، وفي الصحيحين: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – غَزْوَةَ نَجْدٍ، فَلَمَّا أَدْرَكَتْهُ الْقَائِلَةُ وَهْوَ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَاسْتَظَلَّ بِهَا وَعَلَّقَ سَيْفَهُ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الشَّجَرِ يَسْتَظِلُّونَ، وَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَجِئْنَا، فَإِذَا أَعْرَابِيٌّ قَاعِدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ «إِنَّ هَذَا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاخْتَرَطَ سَيْفِي فَاسْتَيْقَظْتُ، وَهْوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي، مُخْتَرِطٌ صَلْتًا، قَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قُلْتُ اللَّهُ. فَشَامَهُ،
ثُمَّ قَعَدَ، فَهْوَ هَذَا». قَالَ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -)،
ومن صفاته صلى الله عليه وسلم: (وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا): فلن يقبِض الله روح نبيه محمد صلى الله عليه وسلم حتى يُقيم به ملة ابراهيم، ويُعيدها سيرتَها الأولى، من بعد أن عوَّجها العرب، وبدَّلوها تبديلاً. وقد صدق الله وعدَه، ونصر عبده، ومنَّ به على المؤمنين، فاجتمعوا على كلمة الله، واعتصموا بحبل الله، وفي مسند أحمد: (قَالَ صلى الله عليه وسلم: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلاَّ هَالِكٌ وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفاً كَثِيراً فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْداً حَبَشِيًّا عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ شُهُودَ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الكُتُبِ السَّابِقَةِ، وَتَطَابُقَهَا التَّامَّ مَعَ القُرْآنِ العَظِيمِ، يُمَثِّلُ حُجَّةً قَاطِعَةً، وَبُرْهَاناً سَاطِعاً، عَلَى صِدْقِ رِسَالَتِهِ، وَوُجُوبِ اتِّبَاعِهِ، وَالاِنْقِيَادِ لِشَرِيعَتِهِ، وإِنَّ الإِنْسَانَ فِي هَذَا الزَّمَانِ حِينَ يَرَى صِفَاتِ نَبِيِّهِ مَطْبُوعَة فِي كُتُبِ الأَوَّلِينَ، يَدْرِكُ أَنَّ هَذَا الدِّينَ لَمْ يَكُنْ نَبْتَةً طَارِئَةً، بَلْ هُوَ شَجَرَةٌ، أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، بَشَّرَتْ بِهَا الأَنْبِيَاءُ زَمَاناً بَعْدَ زَمَانٍ.
واعلموا أنَّ التَّأَسِّيَ بِأَخْلاَقِ النَّبِيِّ ﷺ المَذْكُورَةِ فِي التَّوْرَاةِ وَالقُرْآنِ هُوَ المَطْلُوبُ الحَقِيقِيُّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ؛ بِأَنْ لاَ يَكُونَ فَظَّاً، وَلاَ غَلِيظاً، وَلاَ صَخَّاباً فِي الأَسْوَاقِ، وَأَنْ نَدْفَعَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَأَنْ نَعْفُوَ وَنَغْفِرَ، وَأَنْ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ فِي كُلِّ شُؤُونِنَا. فَاحْرِصُوا عَلَى تَمَثُّلِ هَذِهِ الأَخْلاَقِ فِي بُيُوتِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ، لِتَكُونُوا صُورَةً حَيَّةً تَعْكِسُ جَلاَلَ هَذَا الدِّينِ وَعَظَمَةَ نَبِيِّهِ ﷺ.
الدعاء
