خطبة عن (صِفَةُ الرَسُولِ فِي التَّوْرَاةِ الْقُرْآنِ)
أغسطس 22, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (هُوَ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107).
إخوة الإسلام
إِنَّ التَّفَكُّرَ فِي سَعَةِ الرَّحْمَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَالتَّأَمُّلَ فِي شُمُولِهَا، لَيْسَ المَقْصُودُ مِنْهُ الاِسْتِغْرَاقَ فِي التَّدَاعِي العَاطِفِيِّ، أَوْ الاِكْتِفَاءَ بِالسَّرْدِ المَجَازِيِّ، بَلْ هُوَ شُهُودٌ يَقِينِيٌّ، لِلْمَغْزَى الأَسَاسِيِّ، الَّذِي ارْتَكَزَتْ عَلَيْهِ بِعْثَةُ خَاتَمِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ،
فلَقَدْ كَانَتِ البَشَرِيَّةُ قَبْلَ بَزُوغِ نُورِهِ الشَّرِيفِ، تَموج فِي ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ؛ فكَانَتِ القُلُوبُ قَاسِيَةً كَالْحِجَارَةِ، أَوْ أَشَدَّ قَسْوَةً، وَكَانَتِ الرَّابِطَةُ الإِنْسَانِيَّةُ مُحَطَّمَةً تَمَاماً، تَحْتَ وَطْأَةِ العَصَبِيَّاتِ الجَاهِلِيَّةِ، وَالقُوَّةِ الغَاشِمَةِ، وَالتَّسَلُّطِ المَادِّيِّ، الَّذِي لاَ يَرْحَمُ ضَعِيفاً، وَلاَ يَأْسَى عَلَى مَحْرُومٍ،
فَأَذِنَ اللَّهُ جَلَّ جَلاَلُهُ أَنْ تَتَنَزَّلَ هَذِهِ الرَّحْمَةُ المُهْدَاةُ، لاَ لِتَكُونَ المِظَلَّةَ لِعِرْقٍ دُونَ عِرْقٍ، أَوْ لِجِيلٍ دُونَ جِيلٍ، أَوْ لِلإِنْسَانِ دُونَ بَقِيَّةِ المَخْلُوقَاتِ، بَلْ لِتَكُونَ رَحْمَةً شَامِلَةً، مُسْتَوْعِبَةً لِلْعَالَمِينَ قَاطِبَةً، فَاخْتَرَقَتْ ظُلُمَاتِ الجَهْلِ، وَعَالَجَتْ أَدْوَاءَ النُّفُوسِ، وَشَيَّدَتْ حَضَارَةً، قِوَامُهَا العَدْلُ وَالحَنَانُ وَالسَّكِينَةُ،
فكَيْفَ لاَ تَنْشَرِحُ الصُّدُورُ إِجْلاَلاً لِمَنْ كَانَتِ الرَّحْمَةُ مَاهِيَّتَهُ وَسَجِيَّتَهُ؟، وَكَيْفَ لاَ يَنْقَادُ العَبْدُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ جَوَارِحِهِ لِمَنْ بُعِثَ لِيُنْقِذَ الوُجُودَ مِنَ الشَّقَاءِ وَالهَلاَكِ؟، وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ عَلَى المُشْرِكِينَ، قَالَ: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّاناً، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً» (رواه مسلم).
واِلسُّلُوك البَشَرِي حِينَ يَفْقِدُ مِعْيَارَ “الرَّحْمَةِ”، يَكْشِفُ عَنْ سُقُوطٍ سَرِيعٍ فِي مَهَاوِي القَسْوَةِ، وَالأَنَانِيَّةِ، وَالبَغْيِ، فالإِنْسَانُ عِنْدَمَا يَتَجَرَّدُ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ، وَتَعَالِيمِهِ الشَّرِيفَةِ، يَصِيرُ عَبْداً لِهَوَاهُ، وَيَسْتَعْلِي بِقُوَّتِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ سُلْطَانِهِ، عَلَى مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ، فَتَظْهَرُ حِينَئِذٍ الجَرَائِمُ السُّلُوكِيَّةُ: مِنْ ظُلْمِ الأَقَارِبِ، وَقَطِيعَةِ الأَرْحَامِ، وَأَكْلِ أَمْوَالِ اليَتَامَى، وَتَهْمِيشِ المَسَاكِينِ، بَلْ وَتَدْمِيرِ البيئَةِ، وَأذيَةِ الحَيَوَانِ، وهَذَا الاِنْحِرَاف السُّلُوكِيَّ، لَيْسَ إِلاَّ نَتِيجَةً مُبَاشِرَةً لِجَفَافِ القُلُوبِ مِنْ خُلُقِ الرَّحْمَةِ، الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ محمد ﷺ.
أيها المسلمون
وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الرَّحْمَةَ لَيْسَتْ حَالَةً ضَعف، أَوْ اسْتِكَانَةً، بَلْ هِيَ قُوَّةٌ إِيمَانِيَّةٌ إِيَجَابِيَّةٌ، تُصْلِحُ المَجْتَمَعَ، وَتَصُونُ الدِّمَاءَ، وَتَحْفَظُ الكَرَامَةَ الإِنْسَانِيَّةَ، فِي كُلِّ الظُّرُوفِ، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران:159).
وفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (رواه الترمذي). فإِنَّ هَذَا الحَدِيثَ النَّبَوِيَّ الجَلِيلَ، يَرْبِطُ رَبْطاً وَاضِحاً بَيْنَ اسْتِحْقَاقِ رَحْمَةِ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ، وَبَيْنَ ممَارَسَةِ الرَّحْمَةِ مَعَ الخَلْقِ، فَالرَّحْمَةُ فِي المَنَهَجِ النَّبَوِيِّ صِفَةٌ شَامِلَةٌ لاَ تَتَجَزَّأُ؛ وقد شَمِلَتِ الأَطْفَالَ، وَالكِبَارَ، وَالضُّعَفَاءَ، بَلْ وشَمِلَتِ الأَعْدَاءَ، فانْظُرُوا إِلَى سِيرَتِهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، حِينَ تَمَكَّنَ مِمَّنْ آذَوْهُ، وَأَخْرَجُوهُ، وَقَاتَلُوهُ، فَلَمْ يَنْتَقِمْ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُرِقْ دَماً، بَلْ جَادَ عَلَيْهِمْ بِالعَفْوِ النَّبَوِيِّ العَظِيمِ، الَّذي سَجَّلَهُ التَّارِيخُ فِي أَبْهَى صَفَحَاتِهِ، وفي الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا» (رواه الترمذي وصححه الألباني).
وتَأَمَّلُوا فِي شُمُولِ رَحْمَتِهِ ﷺ، فكان رحيما حَتَّى لِلْبَهَائِمِ العَجْمَاءِ، الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ الإِفْصَاحَ عَنْ آلَامِهَا؛ فَقَدْ كَانَ يُرَبِّي أُمَّتَهُ عَلَى الإِحْسَانِ إِلَيْهَا، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الرِّفْقِ بِهَا، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ قَسْوَةِ القُلُوبِ، الَّتِي تُودِي بِصَاحِبِهَا إِلَى النَّارِ بِسَبَبِ هِرَّةٍ، أَوْ بَهِيمَةٍ، ففي سنن أبي داود وصححه الألباني: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تُعَرِّشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ فَجَع هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا»، وحقا ما قال ربنا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة:128).
أيها المسلمون
وقد تعددت مظاهر وصور رحمته صلى الله عليه وسلم: فمنها: رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته: ففي صحيح مسلم: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- تَلاَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّى) الآيَةَ. وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ «اللَّهُمَّ أُمَّتِى أُمَّتِي». وَبَكَى فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ – عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ – فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِمَا قَالَ. وَهُوَ أَعْلَمُ. فَقَالَ اللَّهُ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلاَ نَسُوءُكَ). (وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِى لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» رواه مسلم.
ومن مظاهر رحمته صلى الله عليه وسلم: رحمته في دعوته: فقد روى مسلم في صحيحه: (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِىِّ قَالَ بَيْنَا أَنَا أُصَلِّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْتُ وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَىَّ. فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّى سَكَتُّ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلاَ ضَرَبَنِي وَلاَ شَتَمَنِي قَالَ «إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ».
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (هُوَ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ومن مظاهر رحمته: رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالمرأة: فرحم النبي صلى الله عليه وسلم المرأة أماً، ورحم المرأة زوجة ، ورحم المرأة بنتاً، ففي الصحيحين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ «أُمُّكَ». قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ « أُمُّكَ». قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ «أُمُّكَ». قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ «ثُمَّ أَبُوكَ»،
ورحم المرأة زوجة فقال صلى الله عليه وسلم: فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ ..) صحيح مسلم،
ورحم المرأة بنتاً فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ». وَضَمَّ أَصَابِعَهُ) صحيح مسلم
ومن مظاهر رحمته: رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالأطفال، ففي الصحيحين:(أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – الْحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا. فَقَالَ الأَقْرَعُ إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا. فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – ثُمَّ قَالَ «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ».
ومن مظاهر رحمته: رحمة النبي صلى الله عليه وسلم باليتامى والفقراء، ففي الصحيحين: (عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا». وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى)
وأما رحمة النبي بالحيوان: ففي صحيح مسلم: (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».
وفي سنن ابي داود: (عَنْ سَهْلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ فَقَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ فَارْكَبُوهَا وَكُلُوهَا صَالِحَةً».
أيها المسلمون
ويقول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (آل عمران:132). فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنَالَ رَحْمَةَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْتَفِيَ أَثَرَ هَذَا النَّبِيِّ الرَّحِيمِ ﷺ، وَأَنْ يَتَمَثَّلَ خُلُقَ الرَّحْمَةِ فِي سُلُوكِهِ اليَوْمِيِّ، فالرَّحْمَةُ لَيْسَتْ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ هِيَ التَّغَاضِي عَنِ الزَّلاَّتِ، وَمُسَاعَدَةُ المَلْهُوفِ، وَالرِّفْقُ بِالزَّوْجَةِ وَالأَوْلاَدِ، وَالعَدْلُ مَعَ العُمَّالِ وَالأُجَرَاءِ، وَالبُعْدُ عَنِ الجَشَعِ وَمُغَالاةِ الأَسْعَارِ عَلَى الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ.
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ» (رواه البخاري ومسلم). فإِنَّ هَذَا القَضَاءَ النَّبَوِيَّ الحَاسِمَ يَضَعُ أَمَامَنَا المَسْؤُولِيَّةَ كَامِلَةً؛ فَالقَسْوَةُ تَطْرُدُ صَاحِبَهَا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالرَّحْمَةُ تَفْتَحُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ.
فَاحْرِصُوا عَلَى إِحْيَاءِ هَذِهِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ العَظِيمَةِ فِي أَوْسَاطِكُمْ، وَانْشُرُوا التَّرَاحُمَ فِي بُيُوتِكُمْ وَأَسْوَاقِكُمْ وَمُؤَسَّسَاتِكُمْ، لِتَكُونُوا بِحَقٍّ أُمَّةَ الرَّحْمَةِ، الَّتِي تُعَبِّرُ عَنْ هَدْيِ نَبِيِّهَا ﷺ.
وفي الحديث: (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لاَ يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لاَ يَرْحَمُ النَّاسَ» (رواه البخاري ومسلم).
فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَتَخَلَّقُوا بِأَخْلاَقِ نَبِيِّكُمْ، وَاجْعَلُوا مِنْ حَيَاتِكُمُ العَمَلِيَّةِ مِرْآةً تَعْكِسُ رَحْمَةَ الإِسْلاَمِ وَسَمَاحَتَهُ، لِتَفُوزُوا بِرِضَا رَبِّكُمْ وَمُصَاحَبَةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الجَنَّةِ.
الدعاء
