خطبة حول قوله تعالى ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ)
سبتمبر 5, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (كُنْ مِنَ الذَّاكِرِينَ، وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) (205)، (206) الأعراف. وقال تعالى: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (35) الأحزاب. وفي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي مُوسَى – رضي الله عنه – قَالَ قَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ».
إخوة الإسلام
ذِكْرُ اللَّهِ جَلاَءُ القُلُوبِ، وَرُوحُ الأَعْمَالِ، وَسِرُّ حَيَاةِ الأَرْوَاحِ، وَأَعْظَمُ المَنَازِلِ الإِيمَانِيَّةِ، الَّتِي يَتَفَاضَلُ فِيهَا العُبَّادُ. فَالذِّكْرُ هُوَ العُرْوَةُ الوُثْقَى، الَّتِي مَنْ تَمَسَّكَ بِهَا نَجَا، وَمَنْ اعْتَصَمَ بِهَا سَمَا، فَلِلذِّكْرِ مَنْزِلَته الشَّرِيفَةٌ التي لاَ تُدَانِيهَا مَنْزِلَةٌ؛ فَهُوَ الغَايَةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا شُرِعَتِ الصَّلاَةُ ،وَالحَجُّ، وَبقية الشَّعَائِرُ، وَهُوَ المِنْهَاجُ الَّذِي يَرْبِطُ العَبْدَ بِرَبِّهِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَحِينٍ.
وَالمَقْصُودُ بِذِكْرِ اللَّهِ: دَوَامُ اسْتِحْضَارِ عَظَمَةِ الخَالِقِ (جَلَّ جَلاَلُهُ) فِي القَلْبِ، وَلَهَجُ اللِّسَانِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَتَسْخِيرُ الجَوَارِحِ فِي طَاعَتِهِ.
ويَكفي الذاكر فضيلة أن الله تعالى يذكره، قال تعالى: {فَاذكُرُونِي أَذكُركُم} (البقرة:152)، وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ، قَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي، أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَلِلذِّكْرِ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ، يَكْمُلُ بَعْضُهَا بَعْضاً، ومِنْهَا: الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ: كَالْتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالاِسْتِغْفَارِ وَتِلاَوَةِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَمِنْهَا: الذِّكْرُ بِالْقَلْبِ: بِالتَّفَكُّرِ فِي آلاَءِ اللَّهِ، وَبَدِيعِ صُنْعِهِ، وَمُلاَزَمَةِ الخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَالتَّعْظِيمِ. وَمِنْهَا: الذِّكْرُ بِالْجَوَارِحِ: بِامْتِثَالِ الأَوَامِرِ وَالْكُفِّ عَنِ المَحَارِمِ؛ فَكُلُّ مُطِيعٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَهْوَ ذَاكِرٌ لَهُ.
وَتَتَجَلَّى أَهَمِّيَّةُ الذِّكْرِ وَفَضَائِلُهُ: فِي كَوْنِهِ عِبَادَةً لاَ تُقَيَّدُ بِزَمَانٍ، أَوْ مَكَانٍ، أَوْ حَالٍ، فَهُوَ أَيْسَرُ العِبَادَاتِ جَهْداً، وَأَعْظَمُهَا عِنْدَ اللَّهِ قَدْراً؛ يَمْلأُ يوم القيامة (المِيزَانَ)، وَيَرْفَعُ (الدَّرَجَاتِ)،
وَيَطْرُدُ في الدنيا (الشَّيَاطِينَ)، وَيَبْعَثُ فِي النَّفْسِ (الطُّمَأْنِينَةَ) وَاليَقِينَ.
وَأَمَّا ثَمَرَاتُهُ وَفَوائِدُهُ؛ فَمِنْ ثَمَرَاتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ: انْشِرَاحُ الصَّدْرِ، وَكِفَايَةُ الهُمُومِ، وَمَحْقُ المَعَاصِي، وَنُزُولُ السَّكِينَةِ، وَحُفُوفُ المَلاَئِكَةِ، وَنَمَاءُ الرِّزْقِ وَالْبَرَكَةِ فِيهِ، وغيرها الكثير.
بَيْنَمَا تَتَجَسَّدُ ثَمَرَاتُهُ الأُخْرَوِيَّةُ فِي: الأَمْنِ يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَالفَوْزِ بِظِلِّ العَرْشِ، وَمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَالظَّفَرِ بِأَعْلَى الجِنَانِ، وَمَعِيَّةِ اللَّهِ المَخْصُوصَةِ، لِأَهْلِ وِلاَيَتِهِ وَطَاعَتِهِ.
فواجب على المسلم أن يداوم على ذِكْرِ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالعَلاَنِيَةِ، وَالتَّضَرُّعِ إلى الَله بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، مَعَ الحَذَرِ مِنَ الخُرُوجِ إِلَى حَدِّ الرِّيَاءِ أَوْ الغَفْلَةِ، لِيَكُونَ مُتَّصِلاً بِرَبِّهِ فِي الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: في شرح حيث: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» رواه البخاري، قال: «وفِي الحَدِيثِ شَاهِدٌ عَلَى أَنَّ حَيَاةَ القَلْبِ إِنَّمَا تَكُونُ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَأَنَّ نِسْيَانَ الذِّكْرِ مَوْتٌ لِلرُّوحِ، وَإِنْ كَانَ الجَسَدُ حَيّاً يَسْعَى فِي الأَرْضِ، لِأَنَّ الفَضْلَ وَالشَّرَفَ إِنَّمَا هُوَ بِمَعْرِفَةِ الخَالِقِ وَطَاعَتِهِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي الوَابِلِ الصَّيِّبِ: «فِي الذِّكْرِ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ فَائِدَةٍ؛ مِنْهَا أَنَّهُ يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ وَيَقْمَعُهُ، وَيُرْضِي الرَّحْمَنَ عَزَّ وَجَلَّ، وَيُزِيلُ الهَمَّ وَالْغَمَّ عَنِ القَلْبِ، وَيَجْلِبُ لِلْقَلْبِ الفَرَحَ وَالسُّرُورَ، وَيُقَوِّي القَلْبَ وَالبَدَنَ، وَيُنَوِّرُ الوَجْهَ وَالقَلْبَ، وَيَكْسُو الذَّاكِرَ المَهَابَةَ وَالحَلاَوَةَ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفي الأدب النبوي جاء في فضل الذكر: في الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْماً يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا».
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَبَقَ المُفَرِّدُونَ، قَالُوا: وَمَا المُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتُ».
وفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ: «لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» (رواه الترمذي وابن ماجه).
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاَهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى» (رواه الترمذي).
فعلينا أن نعيش في بيئة الذاكرين لربهم، المستقيمين على منهجه، ونصبر على ذلك؛ لننال الأجر والثواب من الله،
ونحذر من أهل الأهواء والغفلة، كما قال سبحانه: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28].
وعلى قدر ذكر العبد لربه: يكون قربه منه، وخوفه منه، وحياؤه منه، ومحبته له، وأنسه به، وعلى قدر غفلة العبد عن الذكر: يكون بعده عن الله، ووحشته منه، وبين الغافل وبين الله عزَّ وجلَّ وحشة لا تزول إلا بالذكر.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (كُنْ مِنَ الذَّاكِرِينَ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإذا كنا قد تعرفنا على الذكر ومنزلته وفضائله، فلا بد أن نحذر من الغفلة، فإن الغفلة داء عضال، يَهْدِمُ الإِيمَانَ، وَيُمِيتُ الإِحْسَاسَ، فالغَفْلَةَ فِي حَقِيقَتِهَا: السَّهْوُ، وَالذَّهَوْلُ، وَالإِعْرَاضُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَنِسْيَانُ الدَّارِ الآخِرَةِ، وَالاِنْغِمَاسُ الكُلِّيُّ فِي شَهَوَاتِ الدُّنْيَا، وَمَلَذَّاتِهَا الفَانِيَةِ، حَتَّى يُصْبِحَ العَبْدُ لاَ يَهْتَمُّ إِلاَّ بِمَآكِلِهِ وَمَشَارِبِهِ، وَلَذَّاتِهِ العَاجِلَةِ.
وَالغَافِلُونَ: هُمُ الَّذِينَ آثَرُوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ، وَأَغْلَقُوا آذَانَهُمْ عَنْ سَمَاعِ المَوَاعِظِ، وَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ تَعُدْ تَتَأَثَّرُ بِالآيَاتِ، فَصَارُوا كَالأَنْعَامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً.
وَلِلْغَفْلَةِ صور متعددة، ومِنْهَا: غَفْلَةُ الشِرْكِ وَالنِّفَاقِ، الَّتِي تَحْجُبُ صَاحِبَهَا عَنْ نُورِ الإِسْلاَمِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمِنْهَا: غَفْلَةُ المَعَاصِي وَالشَّهَوَاتِ، الَّتِي تُعْمِي القَلْبَ عَنْ الاِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ، وَمِنْهَا: غَفْلَةُ التَّفْرِيطِ فِي الأَوْقَاتِ، وَالفَضَائِلِ، وَالتَّثَاقُلِ عَنِ الطَّاعَاتِ.
وَلِلْغَفْلَةِ صُوَر مَشْهُودَة فِي حَيَاتِنَا: فَمِنْ صُوَرِهَا: هَجْرُ القُرْآنِ الكَرِيمِ تِلاَوَةً، وَتَدَبُّراً، وَالتَّكاسُلُ عَنْ صَلاَةِ الجَمَاعَةِ، أَوْ تَأْخِيرُهَا عَنْ أَوْقَاتِهَا، وَإِضَاعَةُ السَّاعَاتِ الطَّوِيلَةِ أَمَامَ الشَّاشَاتِ، وَوَسَائِلِ التَّواصُلِ، فِيمَا لاَ يَنْفَعُ، وَالاِشْتِغَالُ بِعُيُوبِ النَّاسِ وَالغِيبَةِ وَالْنَّمِيمَةِ، وَنِسْيَانُ المَوْتِ وَسَكَرَاتِهِ، وَعَدَمُ الاِسْتِعْدَادِ لِلْقَبْرِ وَأَهْوَالِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هذه الغَفْلَةِ نَتَائِج مَشْؤمَةُ، وَآثَارٌ مَهْلَكَةُ، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ فَمِنْ نَتَائِجِهَا: قَسَوَةُ القَلْبِ، وَضِيقُ الصَّدْرِ، وَتَسَلُّطُ الشَّيَاطِينِ، وَمَحْقُ البَرَكَةِ مِنَ العُمْرِ، وَالرِّزْقِ، وَالحِرْمَانُ مِنْ حَلاَوَةِ الإِيمَانِ، حَتَّى إِذَا نَزَلَ المَوْتُ، جَاءَتِ الحَسْرَةُ العُظْمَى، وَالْنَّدَمُ الَّذِي لاَ يَنْفَعُ صَاحِبَهُ شَيْئاً.
فَعَلَيْكَ أَيُّهَا المُسْلِمُ أَنْ تُبَادِرَ بِالْيَقَظَةِ، وَأَنْ تَكُونَ مِنَ الذَّاكِرِينَ فِي كُلِّ أَحْوَالِكَ، وَلاَ تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ، لِتَفُوزَ بِفَلاَحِ الدَّارَيْنِ، وَتَنَالَ رِضَا رَبِّ العَالَمِينَ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي جَامِعِ البَيَانِ: «قَوْلُهُ: (وَلاَ تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ) أَيْ لاَ تَكُنْ مِمَّنْ يَغْفُلُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، وَيَنْسَى طَاعَتَهُ، فَيَحْرُمَ نَفْسَهُ مِنْ هَذَا الخَيْرِ العَظِيمِ، وَيَقَعَ فِي مَقْتِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَفْسِيرِ القُرْآنِ العَظِيمِ: «إِنَّ الغَفْلَةَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ هِيَ سَبَبُ كُلِّ شَرٍّ، وَلِهَذَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ وَالأُمَّةَ عَنْ السُّقُوطِ فِي زُمْرَةِ الغَافِلِينَ، الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «الْغَفْلَةُ تُعْمِي البَصِيرَةَ، وَتَقْطَعُ العَبْدَ عَنْ مَوْلاَهُ، وَأَعْظَمُ العُقُوبَاتِ: أنْ يُبْتَلَى العَبْدُ بِالْغَفْلَةِ، فَلاَ يَسْتَيْقِظُ إِلاَّ عِنْدَ مُعَايَنَةِ المَوْتِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي الوَابِلِ الصَّيِّبِ: «إِذَا غَفَلَ القَلْبُ عَنِ الذِّكْرِ قَسَا، وَإِذَا قَسَا امْتَلأَ بِالشَّهَوَاتِ، وَصَارَ مَرْتَعاً لِلشَّيْطَانِ، فَلاَ يُنْجِي مِنَ الغَفْلَةِ إِلاَّ هِزَّةٌ إِيمَانِيَّةٌ، بِدَوَامِ الذِّكْرِ وَمُجَالَسَةِ أَهْلِهِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف:179].
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} [يونس:7]. فالقلب الغافل قلب معطل عن وظيفته، معطل عن الالتقاط، والتأثر والاستجابة، تمر به دلائل الإيمان والهدى، أو يمر بها، دون أن يحسها أو يدركها.
والإنسان كلما غفل قلبه عن ذكر الله، وجد الشيطان طريقه إليه، فيلزمه، ويصبح له قرين
سوء، يوسوس له، ويزين له السوء، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف:36]. ووظيفة قرناء السوء من الشياطين: أن يصدوا قرناءهم من الانس عن سبيل الله، بينما هؤلاء يحسبون أنهم مهتدون، وهذا أسوأ ما يصنعه قرين السوء بقرينه، قال تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف:37].
ومن ثم كان الإنذار هو أليق شيء بالغفلة، وتذكير الغافلين بما ينفعهم ليفعلوه، ونهيهم عما يضرهم ليجتنبوه. والإنذار قد ينفع، ويوقظ الغافلين المستغرقين في الغفلة، وقد لا ينفع، كما قال سبحانه: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُون} [يس:6]. وقال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [يس:11]. وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يونس:7،8].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ومما جاء في التحذير من الغفلة في الهدي النبوي: في سنن الترمذي: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَداً لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ».
وفي سنن الترمذي: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لاَ تُكْثِرُوا الكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الكَلاَمِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ القَلْبُ القَاسِي».
وفيه أيضا: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الجَنَّةِ فَارْتَعُوا، قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ».
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَعَدَ مَقْعَداً لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ، وَمَنْ اضْطَجَعَ مَضْجَعاً لاَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ» (رواه أبو داود).
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، واسلكوا طَرِيقَ الذَّاكِرِينَ، وَاحْذَرُوا مَسَالِكَ الغَافِلِينَ، وَعَطِرُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ فِي كُلِّ وقت وحِينٍ، لِتَكُونُوا مِنَ الفَائِزِينَ المَقْبُولِينَ.
الدعاء
