خطبة عن (احْتِسَابُ النَّفَقَةِ الأُسَرِيَّةِ وَعَظَمَةُ الأَجْرِ)
سبتمبر 6, 2026الخطبة الأولى (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الهُمَزَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) (1):(9) الهمزة.
إخوة الإسلام
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم: هو دراسة السورة القرآنية كوحدة واحدة، واستخراج فكرتها المحورية، ومقاصدها الأساسية، وذلك بدلاً من تفسير الآيات بشكل منفصل،
ويهدف هذا المنهج إلى إبراز الجوانب العقائدية، والإيمانية، والأخلاقية، التي تربط بين آيات السورة الواحدة، بشكل متناسق ومترابط.
واليَوْمَ نَمْضِي فِي سِّلْسِلَةِ الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ، مَعَ سُورَةٍ تَقْطَعُ دَابِرَ أَمْرَاضِ المَجَالِسِ، وَتُعَالِجُ آفَاتِ اللِّسَانِ، وَالعَيْنِ، وَالنَّظْرَةِ الفَوْقِيَّةِ المَادِّيَّةِ؛ إِنَّهَا (سُورَةُ الهُمَزَةِ).
فالمِحْوَرُ المَوْضُوعِيُّ لِهَذِهِ السُّورَةِ يَدُورُ حَوْلَ: “خُطُورَةِ كَسْرِ خَوَاطِرِ العِبَادِ بِالسُّخْرِيَةِ، وَوَهَمِ الخُلُودِ بِالمَالِ، وَالمَصِيرِ الحَتْمِيِّ لِأَهْلِ الكِبْرِ”.
فتعالوا بِنَا اليَوْمَ مَعَ (سُورَةُ الهُمَزَةِ)، التي تَمْتَلِكُ أَمْوَاجًا هَادِرَةً فِي تَقْوِيمِ السُّلُوكِ الِاجْتِمَاعِيِّ ،وَتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ.
فهَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي نَقْرَؤُهَا كَثِيرًا، وَلَكِنَّنَا بِحَاجَةٍ أَنْ نَفْهَمَ مِحْوَرَهَا الأَسَاسِيَّ، الَّذِي يُعَالِجُ مَرَضَيْنِ فَتَّاكَيْنِ: كِبْرَ الجَاهِ، الَّذِي يَنْعَكِسُ سُخْرِيَةً مِنَ النَّاسِ، وَكِبْرَ المَالِ، الَّذِي يَنْعَكِسُ وَهَمًا بِالخُلُودِ.
فتَبْدَأُ السُّورَةُ: بِإِعْلَانِ الحَرْبِ وَالوَعِيدِ الشَّدِيدِ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة:1]. وَ “الوَيْلُ” كَلِمَةُ عَذَابٍ، وَقِيلَ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، تَسْتَعِيذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ لِشِدَّةِ حَرِّهِ.
وَلِمَنْ هَذَا الوَعِيدُ؟، لِكُلِّ “هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ”. فالهُمَزَةُ بِالفِعْلِ، وَاللُّمَزَةُ بِالقَوْلِ؛
والهُمَزَةُ: هُوَ الَّذِي يَعِيبُ النَّاسَ، وَيَزْدَرِيهِمْ بِإِشَارَاتِ عَيْنِهِ، أَوْ حَرَكَاتِ يَدِهِ، أَوْ غَمْزِهِ الخَفِيِّ، وَاللُّمَزَةُ: هُوَ الَّذِي يُمَزِّقُ أَعْرَاضَهُمْ بِاللِّسَانِ الصَّرِيحِ، سُخْرِيَةً وَتَنَقُّصًا.
وإِنَّ هَذَا التَّعْيِيبَ لَمْ يَأْتِ مِنْ فَرَاغٍ، بَلْ جَاءَ نَتِيجَةَ مَرَضٍ نَفْسِيٍّ عَمِيقٍ، يَشْرَحُهُ اللهُ فِي الآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا مُبَاشَرَةً:
{الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ} [الهمزة:2]. وهُنَا نَرَى الرَّبْطَ العَبْقَرِيَّ، فِي التَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ؛ فَالَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى السُّخْرِيَةِ مِنَ الفُقَرَاءِ، أَوْ ضُعَفَاءِ النَّاسِ، هُوَ طُغْيَانُ المَالِ، الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ!، فَقَدْ جَمَعَهُ، وَأَعَادَ عَدَّهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَرَحًا بِهِ، وَاعْتِدَادًا بِقُوَّتِهِ، حَتَّى صَارَ المَالُ هُوَ مِقْيَاسَ القِيمَةِ عِنْدَهُ، فَمَنْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ احْتَرَمَهُ، وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا هَمَزَهُ وَلَمَزَهُ.
وَيَعْقِبُ هَذَا الطُّغْيَانَ، وَهَمٌ عَقْلِيٌّ غَرِيبٌ، يُصِيبُ كُلَّ أَصْحَابِ المَادِّيَّةِ:
{يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} [الهمزة:3]. فيَظُنُّ بِلِسَانِ حَالِهِ أَنَّ ثَرْوَتَهُ سَتَحْمِيهِ مِنَ المَوْتِ، أَوْ سَتُبْقِي ذِكْرَهُ مُخَلَّدًا فِي الدُّنْيَا، أَوْ تَمْنَعُ عَنْهُ قَضَاءَ اللهِ!، وَهَذَا نَفْسُهُ هو الطُّغْيَانُ، الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ المَوْلَى فِي سُورَةٍ أُخْرَى، حِينَ قَالَ: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ} [العلق:6-7].
وَلِأَجْلِ هَذَا الكِبْرِ، وَسُخْرِيَتِهِ بِالنَّاسِ، وَطَعْنِهِ فِي خَوَاطِرِهِمْ، يَأْتِي الرَّدُّ القُرْآنِيُّ الحَاسِمُ، والمُرْعِبُ:
{كَلَّا ۖ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ} [الهمزة:4]. و “كَلَّا” أَدَاةُ رَدْعٍ وَزَجْرٍ، أَيْ لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا يَظُنُّ، بَلْ سَيُقْذَفُ قَذْفًا بِمَهَانَةٍ وَإِذْلَالٍ فِي “الحُطَمَةِ” أي في النار.
وَتَأَمَّلُوا، لِمَاذَا سُمِّيَتِ النَّارُ هُنَا بِالحُطَمَةِ؟، لِأَنَّهَا تحْطِمُ، وَتكْسِرُ عِظَامَ وَأَجْسَادَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَسَرُوا خَوَاطِرَ النَّاسِ، بِالسُّخْرِيَةِ فِي الدُّنْيَا!، والجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ؛ كَسَرْتَ قَلْبَ أَخِيكَ بِهَمْزِكَ وَلَمْزِكَ، فَتُحْطَمُ كُلُّكَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.
ثُمَّ يَعْظُمُ التَّهْوِيلُ القُرْآنِيُّ لِهَذِهِ النَّارِ: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} [الهمزة:5-7].
إِنَّهَا لَيْسَتْ نَارًا عِادِيَّةً، بَلْ هِيَ “نَارُ اللهِ” المَنْسُوبَةُ إِلَيْهِ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهَا، وَالمُوقَدَةُ بِأَمْرِهِ، وَمِنْ خَصَائِصِهَا العَجِيبَةِ: أَنَّهَا تَنْفُذُ مِنَ الأَجْسَادِ، لِتَصِلَ إِلَى أَعْمَاقِ القُلُوبِ، وَالأَفْئِدَةِ؛ لِأَنَّ الفُؤَادَ هُوَ مَحَلُّ الكِبْرِ، وَمَحَلُّ الهَمْزِ، وَتَدْبِيرِ السُّخْرِيَةِ بِالعِبَادِ.
وَيَكْتَمِلُ المَشْهَدُ المَوْضُوعِيُّ لِلْعِقَابِ، بِالإِغْلَاقِ التَّامِّ، الَّذِي يَقْطَعُ الرَّجَاءَ:
{إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ} [الهمزة:8-9]. مُؤْصَدَةٌ أَيْ: مُغْلَقَةٌ إِغْلَاقًا مُحْكَمًا، فَلَا نَفَسَ يُدْخَلُ، وَلَا صَوْتَ يَخْرُجُ، وَمُؤَكَّدَةٌ بِعَمَدٍ طَوِيلَةٍ مُمَدَّدَةٍ، تُغْلِقُ الأَبْوَابَ، لِتَمْنَعَ أَيَّ أَمَلٍ فِي الخُرُوجِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَا المَشْهَدَ القُرْآنِيَّ العَنِيفَ، فِي سُورَةِ الهُمَزَةِ، لَمْ يَأْتِ إِلَّا لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلَامِيَّةَ تَجْعَلُ حُرْمَةَ الإِنْسَانِ، وَحِفْظَ عِرْضِهِ، وَكَرَامَتِهِ المَعْنَوِيَّةِ، فِي مُقَدِّمَةِ المَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ.
واعلموا أنَّ التَّفْسِيرَ المَوْضُوعِيَّ لِهَذِهِ السُّورَةِ، يَرْبِطُهَا مُبَاشَرَةً بِأَقْوَالِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الَّتِي تُعَضِّدُ هَذَا المَعْنَى الرَّفِيعَ.
فقد كَانَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُحَذِّرُ مِنْ هَذَا الدَّاءِ المُرْعِبِ؛ فَفِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، يَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:
«بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ».
فَالحَقَارَةُ، وَالنَّظْرَةُ الدَّنِيئَةُ لِلْآخَرِينَ، وَالهَمْزُ وَاللَّمْزُ، هُوَ شَرٌّ كَافٍ لِإِهْلَاكِ العَبْدِ، وَدُخُولِهِ النَّارَ، وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ!.
بَلْ إِنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ فِي سُورَةِ الحُجُرَاتِ، يَرْسُمُ السِّيَاجَ العَمَلِيَّ، لِمَنْعِ هَذِهِ الجَرِيمَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، فَيَقُولُ جَلَّ شَأْنُهُ:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} [الحجرات: 11].
وَتدبروا كَيْفَ قَالَ تعالى: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ}؛ لِيُبَيِّنَ لَنَا: أَنَّ المُجْتَمَعَ المُسْلِمَ كَالجَسَدِ الوَاحِدِ ، فَإِذَا لَمَزْتَ أَخَاكَ، فَكَأَنَّمَا لَمَزْتَ نَفْسَكَ، وَطَعَنْتَ فِيهَا.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ
الخطبة الثانية (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتبين سورة الهمزة: إِنَّ النَّاسَ فِي مِيزَانِ اللهِ تَعَالَى، لَا يُقَاسُونَ بِأَرْصِدَتِهِمْ فِي البُنُوكِ، وَلَا بِأَنْسَابِهِمْ، وَأَلْقَابِهِمْ، بَلْ بِطَهَارَةِ قُلُوبِهِمْ، وَتَقْوَاهُمْ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13].
وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الرَّجُلُ الضَّعِيفُ، الَّذِي تَهْمِزُهُ فِي المَجْلِسِ، أَوْ تِلْكَ المَرْأَةُ البَسِيطَةُ، الَّتِي تَلْمِزُهَا النِّسَاءُ، أَعْظَمَ عِنْدَ اللهِ مِنْ مُلُوكِ الأَرْضِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ».
وفي صحيح البخاري: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ. قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا». فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فخُذُوا مِنْ سُورَةِ (الهُمَزَةِ) دَسَاتِيرَ عَمَلِيَّةً لِحَيَاتِكُمْ:
فطَهِّرُوا مَجَالِسَكُمْ مِنْ عَيْبِ النَّاسِ، وَاحْفَظُوا أَعْيُنَكُمْ عَنْ نَظَرَاتِ الِازْدِرَاءِ،
وَاعْلَمُوا أَنَّ المَالَ عَارِيَةٌ مُسْتَرَدَّةٌ، وَأَنَّ الكَرَامَةَ الإِنْسَانِيَّةَ خَطٌّ أَحْمَرُ، لَا يَجُوزُ تجَاوُزُهُ.
ولِيَحْتَرِمِ الغَنِيُّ الفَقِيرَ، وَلْيَعْرِفْ صَاحِبُ الجَاهِ أَنَّ الأَرْضَ للهِ، يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَأَنَّ مَنْ كَسَرَ خَاطِرَ ضَعِيفٍ، فِإِنَّ خَصْمَهُ هُوَ جَبَّارُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.
ففي سنن ابن ماجه: (عَنْ جَابِرٍ قَالَ لَمَّا رَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مُهَاجِرَةُ الْبَحْرِ قَالَ «أَلاَ تُحَدِّثُونِي بِأَعَاجِيبِ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ». قَالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ:
بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَرَّتْ بِنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ رَهَابِينِهِمْ تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءٍ فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا ثُمَّ دَفَعَهَا فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا فَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الْكُرْسِيَّ وَجَمَعَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَتَكَلَّمَتِ الأَيْدِي وَالأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا.
قَالَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «صَدَقَتْ صَدَقَتْ كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لاَ يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ».
فتَدَبَّرُوا سُورَة (الهُمَزَةِ)، وتفكروا في هَذِهِ الآيَاتِ، وَتَأَمَّلُوا هَذِهِ العِظَاتِ، وَتَرَفَّعُوا عَنْ دَنَايَا الأَخْلَاقِ، لِتَسْمُو بِنُفُوسِكُمْ إِلَى مَقَامَاتِ رِضْوَانِ اللهِ.
[الدُّعَاءُ]
