خطبة عن (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الْعَصْرِ)
سبتمبر 13, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى الترمذي وأحمد وحسنه الألباني: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ يَأْخُذُ مِنْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُهُنَّ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ». قَالَ قُلْتُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّهُنَّ فِيهَا ثُمَّ قَالَ «اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِناً وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِماً وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ».
إِخْوَةَ الإِسْلَامِ
إِنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا إِلَّا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ، وَلَا شَرًّا إِلَّا حَذَّرَهَا مِنْهُ، وَمِنْ أَعْظَمِ المَوَاعِظِ النَّبَوِيَّةِ وَأَجْلَاهَا، هَذِهِ الوَصَايَا الخَمْسُ:
«اتَّقِ المَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ».
فتَأَمَّلُوا فِي هَذِهِ الجَوَاهِرِ النَّبَوِيَّةِ الخَمْسِ؛ أَمَّا الوَصِيَّةُ الأُولَى فَهِيَ قَوْلُهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «اتَّقِ المَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ».
فَتَقْوَى المَحَارِمِ تَكُونُ: بِإِقَامَةِ سُورٍ مَنِيعٍ بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ مَا حَرَّمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ مِنْ صَغَائِرِ الذُّنُوبِ وَكَبَائِرِهَا، فِي الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ.
فيَتَّقِي الحَرَامَ فِي لِسَانِهِ؛ فَلا يَكْذِبُ وَلَا يَغْتَابُ وَلَا يَنُمُّ، وَيَتَّقِيهِ فِي بَصَرِهِ؛ فَلا يَنْظُرُ إِلَى مَا حَرَّمَ اللهُ، وَيَتَّقِيهِ فِي مَكْسَبِهِ، وَمَطْعَمِهِ؛ فَلا يَدْخُلُ بَيْتَهُ رِبًا، وَلَا سُحْتًا، وَلَا رِشْوَةً.
وَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مُتَّقِيَ المَحَارِمِ أَعْبَدَ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الطَّاعَاتِ القَوْلِيَّةَ، وَالفِعْلِيَّةَ، مِمَّا تَشْتَهِيهَا النُّفُوسُ، حُبًّا لِلظُّهُورِ أَوْ لِلسُّمْعَةِ،
أَمَّا كَفُّ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَوَاتِ المُحَرَّمَةِ، وَالدَّوَاعِي النَّفْسِيَّةِ العَاتِيَةِ فِـي الخَلَوَاتِ، فَإِنَّهُ لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ خَوْفٍ شَدِيدٍ، وَتَعْظِيمٍ بَالِغٍ لِلَّهِ المَلِكِ العَلَّامِ، كَمَا قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “مَا عُبِدَ اللهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ تَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ”.
فَإِذَا صَبَرَ العَبْدُ، وَتَرَكَ المَعْصِيَةَ إِجْلَالًا لِلَّهِ، كَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَ بُرْهَانٍ عَلَى صِدْقِ عُبُودِيَّتِهِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: “أَعْمَالُ البِرِّ يَعْمَلُهَا البَرُّ وَالفَاجِرُ، وَلَا يَصْبِرُ عَنْ المَعَاصِي إِلَّا صِدِّيقٌ”. وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:30].
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الأَصْلَ فِي العِبَادَةِ هُوَ التَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللهِ، وَاجْتِنَابُ نَهْيِهِ، فَلَا نَفْعَ لِنَوَافِلَ الصَّلَوَاتِ وَالصِّيَامِ، إِذَا كَانَتْ المَحَارِمُ مُنْتَهَكَةً، وَالحُقُوقُ مَضُيعَةً.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ثُمَّ يَنْتَقِلُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِلَى الوَصِيَّةِ الثَّانِيَةِ الجَلِيلَةِ، فِي قَوْلِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ».
فَالرِّضَا هُوَ سُكُونُ القَلْبِ إِلَى قَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَيَقِينُ العَبْدِ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَأَنَّ الأَرْزَاقَ قَدْ جَرَتْ بِهَا الأَقْلَامُ، قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.
وَهَذَا الرِّضَا يُورِثُ فِي القَلْبِ غِنًى، لَا يُسَاوَمُ بِأَمْوَالِ الدُّنْيَا كُلِّهَا؛ فَكَمْ مِنْ غَنِيٍّ يَمْلِكُ المَلَايِينَ، وَقَلْبُهُ يَعْصِرُهُ الخَوْفُ مِنَ الفَقْرِ، وَالحِرْصُ يَأْكُلُ جَسَدَهُ، فَلَا يَهْنَأُ بِنَوْمٍ، وَلَا يَلَذُّ بِطَعَامٍ، فَهَوَ فِي الحَقِيقَةِ مِسْكِينٌ فَقِيرٌ.
فَالغِنَى الحَقِيقِيُّ لَيْسَ بِكَثْرَةِ المَالِ وَالعَرَضِ، وَإِنَّمَا هُوَ غِنَى النَّفْسِ، وَقَنَاعَةُ القَلْبِ، فَمَنْ رَضِيَ بِمَا قَسَمَهُ اللهُ لَهُ: مِنَ الرِّزْقِ، وَالصِّحَّةِ، وَالوَلَدِ، وَالحَالِ، سَكَنَتْ نَفْسُهُ، وَاسْتَرَاحَ قَلْبُهُ مِنْ طَمَعِ الدُّنْيَا، وَحَسَدِ الخَلْقِ، فَصَارَ مَلِكًا فِي جِلْبَابِ عَبْدٍ، وَصَدَقَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حِينَ قَالَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: «لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ».
وَمَنْ لَمْ يَرْضَ، بَقِيَ فَقِيرًا وَلَوْ مَلَكَ خَزَائِنَ الأَرْضِ، لِأَنَّ الحِرْصَ يُكدر صَاحِبَهُ، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَهُ إِلَّا التُّرَابُ.
فَكَمْ مِنْ عَبْدٍ كَفَافٍ لَا يَمْلِكُ إِلَّا قُوتَ يَوْمِهِ، ولَكِنَّ قَلْبَهُ امْتَلَأَ قَنَاعَةً وَرِضًا بِقِسْمَةِ اللهِ، فَأَصْبَحَ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا.
فَالرِّضَا هُوَ الإِكْسِيرُ الَّذِي يُحَوِّلُ القَلِيلَ كَثِيرًا، وَيَجْعَلُ العَبْدَ يَعِيشُ سَعَادَةً المُلُوكِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:97]،
وَقَدْ فَسَّرَهَا جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ بِالقَنَاعَةِ وَالرِّضَا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
أَمَّا الوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ، فَقَدْ جَاءَتْ فِي بَيَانِ مَقَامِ الجَارِ، حَيْثُ قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):
«وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا».
فَهَذِهِ الوَصِيَّةُ تَرْبِطُ كَمَالَ الإِيمَانِ بِحُسْنِ التَّعَامُلِ مَعَ مَنْ يُجَاوِرُكَ فِي المَسْكَنِ، أَوْ المَتْجَرِ، أَوْ المَزْرَعَةِ أو غيرها.
وَفِيها دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كَمَالَ الإِيمَانِ مَرْبُوطٌ بِحُسْنِ الخُلُقِ، وَكَفِّ الأَذَى وَبَذْلِ النَّدَى لِلْجَارِ، سَوَاءً كَانَ مُسْلِمًا أَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ، قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء:36].
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ»،
فَالإِحْسَانُ إِلَى الجَارِ عُنْوَانٌ صَادِقٌ عَلَى حَقِيقَةِ الإِيمَانِ الثَّابِتِ فِي القَلْبِ.
وَالإِحْسَانُ إِلَى الجَارِ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَفِّ الأَذَى عَنْهُ، بَلْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى عِيَادَةِ مَرِيضِهِ، وَتَشْيِيعِ جَنَازَتِهِ، وَإِعَانَتِهِ عِنْدَ الحَاجَةِ، وَمُشَارَكَتِهِ فِي المَسَرَّاتِ، وَتَفَقُّدِ أَهْلِهِ فِي المُلِمَّاتِ.
وَقَدْ جَعَلَ الإِسْلَامُ حُقُوقَ الجَارِ عَظِيمَةً، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ! قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»؛ أَيْ شُرُورَهُ وَغَائِلَتَهُ.
فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ، فَلْيَنْظُرْ فِي تَعَامُلِهِ مَعَ جِيرَانِهِ، وَلْيَكُنْ لَهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ، وَحِصْنًا أَمِينًا، يَرْعَى حُرُمَاتِهِمْ، وَيَسْتُرُ عَوْرَاتِهِمْ، وَيَصْبِرُ عَلَى هَفَوَاتِهِمْ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ
الخُطْبَةُ الثانية (اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَإِنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُتِمُّ هَذِهِ الوَصَايَا المُنِيرَةَ بِالوَصِيَّةِ الرَّابِعَةِ حِينَ يَقُولُ: «وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا».
وَهَذَا قَانونٌ أخْلَاقِيٌّ عَظِيمٌ، يُشِيعُ السَّلَامَ، وَالتَّلَاحُمَ، فِي المُجْتَمَعِ الإِسْلَامِيِّ.
فَالمُسْلِمُ الحَقُّ: هُوَ الَّذِي يَحْمِلُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ قَلْبًا نَقِيًّا، ولَا يَكُنُّ حَقَدًا وَلَا حَسَدًا لِأَحَدٍ مِنَ الخَلْقِ، بَلْ يَتَمَنَّى لِعِبَادِ اللهِ جَمِيعًا مَا يَتَمَنَّاهُ لِنَفْسِهِ مِنْ هِدَايَةٍ، وَرِزْقٍ، وَعَافِيَةٍ، وَتَوْفِيقٍ.
وَيَكْرَهُ لَهُمْ مِنَ الشَّرِّ وَالضَّرَرِ مَا يَكْرَهُهُ لِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ.
وَمَتَى سَادَ هَذَا الخُلُقُ فِي الأُمَّةِ، زَالَتِ الشَّحْنَاءُ، وَارْتَفَعَ الحسد، وَصَارَ المُجْتَمَعُ كَالْجَسَدِ الوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى، وَثَبَتَ شَعَارُ الإِسْلَامِ الحَقِيقِيِّ القَائِمِ عَلَى سَلَامَةِ الصَّدْرِ، وَمَحَبَّةِ الخَيْرِ لِلْكافَّةِ وَالعَامَّةِ.
وَهَذَا هُوَ مِيزَانُ السَّلَامَةِ وَالأُخُوَّةِ فِي المُجْتَمَعِ الإِسْلَامِيِّ؛ فَالمُسْلِمُ الحَقُّ لَا يَكُونُ أَنَانِيًّا، يَعِيشُ لِنَفْسِهِ فَحَسْبُ، بَلْ يَفْرَحُ بِخَيْرِ النَّاسِ، وَيَسُوءُهُ مَا يَسُوءُهُمْ، وَيُحِبُّ أَنْ يَرَى الهُدَى وَالرَّغَدَ وَالأَمْنَ لِإِخْوَانِهِ جَمِيعًا، كَمَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ.
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: (أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
فَمَتَى سَادَ هَذَا الخُلُقُ: طَهُرَتِ القُلُوبُ مِنَ الغِلِّ وَالحَسَدِ، وَامْتَلَأَتْ بِالتَّعَاوُنِ وَالتَّرَاحُمِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ثُمَّ يَخْتِمُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَذِهِ الوَصَايَا الجَامِعَةَ بِالوَصِيَّةِ الخَامِسَةِ، الـتِي تُحَذِّرُ مِنْ آَفَةٍ يَقَعُ فِيهَا الكَثِيرُونَ، فَيَقُولُ: «وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ».
وَالشَّرِيعَةُ الإِسْلَامِيَّةُ لَمْ تَأْتِ بِالتَّجْهِيمِ، أَوْ حِرْمَانِ النُّفُوسِ مِنْ مَبَاهِجِ الحَيَاةِ المُبَاحَةِ، بَلْ كَانَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَبْسَطَ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَكْثَرَهُمْ تَبَسُّمًا، وَكَانَ يَمْزَحُ وَلَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا.
وَإِنَّمَا النَّهْيُ المَذْكُورُ في الحديث يَتَوَجَّهُ إِلَى الإِفْرَاطِ وَالمُبَالَغَةِ، وَجَعْلِ المَزَاحِ وَالضَّحِكِ دَأَبَ المَرْءِ، وَشُغْلَهُ الشَّاغِلَ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُقْسِي القَلْبَ، وَتُذْهِبُ نُورَ البَصِيرَةِ ،وَتُعْمِي المَرْءَ عَنْ التَفَكُّرِ فِي أَهْوَالِ الآَخِرَةِ وَالمَوْتِ، وَتُسْقِطُ هَيْبَةَ الإِنْسَانِ بَيْنَ النَّاسِ.
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا».
وَالمَطْلُوبُ هُوَ التَّوَسُطُ؛ فتَبَسُّمٌ فِي وَجْهِ الأَخِ صَدَقَةٌ، وَتَرَوُّحٌ لِلْقُلُوبِ المَجْهُودَةِ، مَعَ الحِفَاظِ عَلَى حَيَاةِ القَلْبِ بَذِكْرِ اللهِ، وَالخَوْفِ مِنْ خَطَايَاهُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذِهِ الوَصَايَا الخَمْسَ تُشَكِّلُ مَنَهَجًا كَامِلًا لِبِنَاءِ الشَّخْصِيَّةِ المُسْلِمَةِ فِي العِبَادَةِ، وَالقَنَاعَةِ، وَالأَخْلَاقِ، وَالسَّلُوكِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَزَكَاةِ القُلُوبِ.
وإِنَّ هَذِهِ الوَصَايَا الخَمْسَ لَوْ تَأَمَّلْنَاهَا، لَوَجَدْنَاهَا تَصْنَعُ الفَرْدَ الصَّالِحَ المُتَّقِيَ القَانِعَ الذَّاكِرَ، وَتَبْنِي المُجْتَمَعَ المُتَمَاسِكَ المُتَرَاحِمَ الآَمِنَ مِنَ الظُّلْمِ وَالأَذَى.
وَإِنَّ وَاجِبَ الـمُسْلِمِ الرَّاغِبِ فِي نَجَاةِ نَفْسِهِ أَنْ يَتَلَقَّى هَذِهِ الوَصَايَا النَّبَوِيَّةَ بِالقَبُولِ وَالِانْقِيَادِ، وَأَنْ يَجْعَلَهَا مَنَهَجَ حَيَاةٍ يَعْمَلُ بِهَا فِـي نَفْسِهِ، وَيُعَلِّمُهَا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَإِخْوَانَهُ امْتِثَالًا لِأَمْرِ المُنْصِفِ الرَّحِيمِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
وَإِنَّ أَعْظَمَ وَاجِبٍ عَلَى المُسْلِمِ اليَوْمَ، فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ المُغْرِيَاتُ وَالشَّوَاغِلُ، أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الوَصَايَا نَصْبَ عَيْنَيْهِ، فَيَتَدَبَّرَ مَعَانِيَهَا، وَيَطْبُّ نَفْسَهُ بِأَدْوِيَتِهَا، وَيَنْشُرَهَا فِي بَيْتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ، لِيَفُوزَ بِرِضَا اللهِ وَسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَتَمَسَّكُوا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَاتَّقُوا المَحَارِمَ، وَارْضَوْا بِالقَسَمِ، وَأَحْسِنُوا إِلَى الجِيرَانِ، وَأَحِبُّوا الخَيْرَ لِلْنَّاسِ، وَاحْفَظُوا قُلُوبَكُمْ مِنَ الغَفْلَةِ.
فاللَّهُمَّ اهْدِنَا لأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا القَنَاعَةَ وَالرِّضَا، وَاحْفَظْنَا وَجِيرَانَنَا وَالمُسْلِمِينَ أِجْمَعِينَ.
الدعاء
