خطبة عن (الحَلَالُ وَالحَرَامُ وَفِقْهُ الوَرَعِ وَصَلَاحُ القُلُوبِ)
سبتمبر 14, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (مَنْ هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ؟؟)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (9) الاسراء،
وروى الإمام مسلم في صحيحه: (أن النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلاَبِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ». وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ثَلاَثَةَ أَمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ قَالَ «كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا».
إخوة الإسلام
إِنَّ هَذَا الكِتَابَ العَظِيمَ، الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، هُوَ حَبْلُ اللهِ المَتِينُ، وَالنُّورُ المُبِينُ، وَالصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، الَّذي لَا زَيْغَ مَعَهُ وَلَا ضَلَالَ، لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ وَاعْتَصَمَ.
القرآن الكريم: لا تشبع منه العلماء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تزيغ به الأهواء، ومن تركه واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً.
القرآن الكريم: هو كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أذله الله.
القرآن الكريم: أساس رسالة التوحيد، والمصدر القويم للتشريع، ومنهل الحكمة والهداية، والرحمة المسداة للناس، والنور المبين للأمة، والمحجة البيضاء التي لا يزغ عنها إلا هالك
أَنْزَلَهُ اللهُ لِيَكُونَ هِدَايَةً لِلْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ، فِي كُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الحَيَاةِ، فِي العَقَائِدِ وَالعِبَادَاتِ، وَالأَخْلَاقِ وَالمُعَامَلَاتِ، وَالشُّؤُونِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَالِاقْتِصَادِيَّةِ، وَالسِّيَاسِيَّةِ.
فَمَنْ الِتمَسَ الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللهُ، وَمَنْ طَلَبَ العِزَّ بِدُونِهِ أَذَلَّهُ اللهُ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَإِنَّ المَتَأَمِّلَ فِي حَقِيقَةِ (مَنْ هُمْ أَهْلُ القُرْآنِ وخاصته؟؟)، لَيَجِدُ مَفْهُومًا إِيمَانِيًّا عَمِيقًا، يَتَجَاوَزُ مُجَرَّدَ الحِفْظِ فِي الصُّدُورِ، أَوْ التَّلَفُّظِ بِالحُرُوفِ.
فَالمُرَادُ بِأَهْلِ القُرْآنِ هُمُ: (المُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ، الَّذِينَ صَدَّقُوا القُرْآنَ، وَخَاصَّةً مَنْ يَتَوَلَّى حِفْظَهُ، وَيَقُومُ بِتِلَاوَتِهِ، مَعَ مُرَاعَاةِ حُدُودِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَيَتَدَبَّرُ آيَاتِهِ، وَيَعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ).
وفي سنن الترمذي: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَاسْتَظْهَرَهُ، فَأَحَلَّ حَلاَلَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ وَشَفَّعَهُ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّهُمْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ».
وفيه أيضا: (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَاصٍّ يَقْرَأُ ثُمَّ (سَأَلَ) فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلْيَسْأَلِ اللَّهَ بِهِ، فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ بِهِ النَّاسَ».
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه، غير أنه لا يوحى إليه، لا ينبغي لصاحب القرآن أن يجد مع من يجد، ولا يجهل مع من جهل وفي جوفه كلام الله تعالى. رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ جَوَّدَ حُرُوفَ الْقُرْآن، أَوْ حَفِظَ سُوَرَهُ، صَارَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ المَشْهُودِ لَهُمْ؛
فَقَدْ يَحْفَظُ الإِنْسَانُ القُرْآنَ الكَرِيمَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، وَهُوَ هَاجِرٌ لَهُ فِي الحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِأَوَامِرِهِ، وَلَمْ يَنْتَهِ عَنْ نَوَاهِيهِ، فَيَكُونُ القُرْآنُ حُجَّةً عَلَيْهِ لَا لَهُ.
وَقَدْ يَتْلُو المَرْءُ الْقُرْآنِ وَيُرَتِّلُهُ، بِمَزَامِيرَ حَسَنَةٍ، فَيعْجبُ النَّاسُ بِصَوْتِهِ، وَحُسْنِ أَدَائِهِ، وَهُوَ هَاجِرٌ لَهُ فِي وَاقِعِ حَيَاتِهِ؛ إِذْ أنه حَلَّلَ حَرَامَهُ، وَحَرَّمَ حَلَالَهُ، وَتَعَامَلَ بِالرِّبَا، وَأَكَلَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، وَضَيَّعَ الصَّلَوَاتِ.
وَقَدْ يَقُومُ الخَطِيبُ أَوْ المُتَكَلِّمُ أَوْ المُفَكِّرُ خطيبا أو متحدثا، فَيَسْتَشْهِدُ بِآيَاتِ القُرْآنِ فِي كَلَامِهِ، وَمَقَالَاتِهِ، وَمُنَاظَرَاتِهِ، وَيُنَمِّقُ العِبَارَاتِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِ القُرْآنِ الَّذِينَ أُثْنِيَ عَلَيْهِمْ فِي الوَحْيَيْنِ؛ لِأَنَّ المِيزَانَ الدَّقِيقَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى هُوَ الِانْقِيَادُ، وَالخَشْيَةُ، وَالعَمَلُ الصَّالِحُ الخَالِصُ.
وفي مسند أحمد، وصححه الألباني: (هلاكُ أُمَّتي في الكِتابِ واللَّبَنِ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما الكِتابُ واللَّبَنُ؟ قال: يتعلَّمونَ القرآنَ فيتأوَّلونَهُ على غيرِ ما أنزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ، ويُحِبُّونَ اللَّبَنَ فيَدَعونَ الجماعاتِ والجُمَعَ ويَبْدُونَ).
وقال أنس بن مالك: (رب تال للقرآن والقرآن يلعنه)، فإذا كان يظلم، وهو يقرأ قول الله تعالى: (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) {هود:18}. فإنه يلعن نفسه.
وَيَشْهَدُ لِهَذِهِ الحَقِيقَةِ الجَلِيلَةِ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي أُولَئِكِ الَّذِينَ تُسَعَّرُ بِهِمِ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ)، وَذَكَرَ مِنْهُمْ:
(… وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ).
فَهَذَا الشَّاهِدُ العَظِيمُ، يَدُلُّ دَلَالَةً قَاطِعَةً حَاسِمَةً، عَلَى أَنَّ العِلْمَ بِالقُرْآنِ وَتِلَاوَتَهُ بِلا إِخْلَاصٍ وَلَا عَمَلٍ لَا يَنْفَعَانِ صَاحِبَهُمَا شَيْئًا، بَلْ يَكُونَانِ حُجَّةً قَاطِعَةً عَلَيْهِ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ الجَلِيلَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ولَقَدْ كَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَفْهَمُونَ هَذَا المَعْنَى أَتَمَّ الفَهْمِ وَأَعْمَقَهُ؛ فقد روى الحاكم عنِ ابن مسعودٍ، قال: (كان الرجلُ منا إذا تعلَّم عشرَ آياتٍ لم يجاوزْهنَّ حتى يعرفَ معانيهن والعملَ بهن)
فالصحابة لَمْ يَكُونُوا يَتَجَاوَزُونَ عَشْرَ آيَاتٍ حَتَّى يَتَعَلَّمُونهُنَّ، وَمَا فِيهِنَّ مِنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ، فَتَعَلَّمُوا القُرْآنَ وَالعَمَلَ جَمِيعًا.
وكَانَ القُرْآنُ عِنْدَهُمْ مَنْهَجَ حَيَاةٍ، حَيًّا وَوَاقِعًا مَشْهُودًا، يَمْشُونَ بِهِ فِي الأَسْوَاقِ، وَيَقْضُونَ بِهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَيُدَبِّرُونَ بِهِ بُيُوتَهُمْ، وَأَخْلَاقَهُمْ، وَيُجَاهِدُونَ بِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَصَارُوا بِذَلِكَ جِيلًا فَرِيدًا، زَكَّاهُمُ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَشَهِدَ لَهُمْ بِالفَلَاحِ وَالرِّضْوَانِ.
وَهَكَذَا أَوْصَى النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أُمَّتَهُ بِالتَّمَسُّكِ الصَّارِمِ بِهَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ، إِذْ قَالَ فِي خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَدَاعِ التَّارِيخِيَّةِ، أَمَامَ الآلَافِ مِنَ الصَّحَابَةِ:
«تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا: كِتَابَ اللهِ».
فَالِاعْتِصَامُ بِهِ هُوَ النَّجَاةُ مِنَ الفِتَنِ المُدْلَهِمَّةِ، وَهُوَ السِّلَاحُ الأَعْظَمُ فِي وَجْهِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ التِي تُحِيطُ بِالأُمَّةِ، فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (مَنْ هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ؟؟)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام:155]،
وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].
فإِنَّ المَخْرَجَ الوَحِيدَ، وَالحَلَّ الحَاسِمَ، لِمَا تَعِيشُهُ الأُمَّةُ اليَوْمَ: مِنْ ضَعْفٍ، وَتَشَتُّتٍ، وَهَوَانٍ، هُوَ العَوْدَةُ الصَّادِقَةُ الجَادَّةُ إِلَى القُرْآنِ الكَرِيمِ، عَوْدَةُ الِاسْتِمْسَاكِ وَالتَّطْبِيقِ فِي كُلِّ شُؤُونِ الحَيَاةِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ مَكْرُومَةٌ، لَا يَصْلُحُ آخِرُهَا إِلَّا بِمَا صَلُحَ بِهِ أَوَّلُهَا، كَمَا قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ (رَحِمَهُ اللهُ)، وَلَمْ يَصْلُحْ أَوَّلُهَا إِلَّا حِينَ كَانُوا أَهْلًا لِلْقُرْآنِ: عِلْمًا، وَعَمَلًا، وَمَنْهَجًا، وَأَخْلَاقًا.
وَإِنَّ لِتَطْبِيقِ القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي حَيَاةِ الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ آثَارًا عَظِيمَةً، وَبَرَكَاتٍ جَسِيمَةً، لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى:
فَعَلَى مُسْتَوَى الفَرْدِ: يُورِثُ القُرْآنُ طُمَأْنِينَةً فِي القَلْبِ، وَانْشِرَاحًا فِي الصَّدْرِ، وَسَدَادًا فِي الرَّأْيِ، وَعِصْمَةً مِنَ الفِتَنِ، وَأَخْلَاقًا طَاهِرَةً، تَزِينُ صَاحِبَهَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَيَرْفَعُ اللهُ بِهِ صَاحِبَهُ فِي دَرَجَاتِ الجَنَّةِ، حَيْثُ يُقَالُ لِقَارِئِ القُرْآنِ، كما في سنن الترمذي وغيره: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا».
وَأَمَّا عَلَى مُسْتَوَى المُجْتَمَعِ: فَإِنَّ الِاحْتِكَامَ إِلَى القُرْآنِ: يُقِيمُ العَدْلَ المُطْلَقَ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَشِيعُ الأَمْنَ، وَالمَحَبَّةَ وَالتَّآخِيَ، وَيَقْضِي عَلَى الظُّلْمِ، وَالفَسَادِ وَالجَرِيمَةِ، وَيَبْنِي مُجْتَمَعًا مُتَكَافِلًا قَوِيًّا، يَعْمُرُهُ الخَيْرُ وَالتَّقْوَى، وَتَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ بَرَكَاتُ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَكُونُوا مِنْ أَهْلِ القُرْآنِ الحَقِيقِيِّينَ، الَّذِينَ يَقْرَؤُونَهُ فَيَتَدَبَّرُونَه، وَيَعْلَمُونَ فَيَعْمَلُونَ به، وَيَحْفَظُونَ حُدُودَهُ، كَمَا يَحْفَظُونَ حُرُوفَهُ، لِتَفُوزُوا بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ، وَتَنَالُوا الرِّضْوَانَ وَالجَنَّةَ.
الدعاء
