خطبة عن (الدَّفْعُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)
يوليو 15, 2026خطبة عن (يَا أُمَّةَ الإِسْلَامِ صَبْرًا)
يوليو 16, 2026الخطبة الأولى (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (60): (64) النمل.
إخوة الاسلام
إِنَّ قَضِيَّةَ التَّوْحِيدِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قَضِيَّةٍ نَظَرِيَّةٍ، بَلْ هِيَ مَحُورُ الْوُجُودِ الْبَشَرِيِّ، فقَضِيَّة الْإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى هِيَ أَصْلُ الْأُصُولِ، وَأَعْظَمُ حَقِيقَةٍ كَوْنِيَّةٍ أَشْرَقَتْ عَلَيْهَا الشَّمْسُ، وَمَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ الْفِطْرِيَّةِ وُضُوحَ النَّهَارِ، إِلَّا أَنَّ النَّاسَ عَبْرَ التَّارِيخِ، وَفِي عَصْرِنَا هَذَا، قَدِ انْقَسَمُوا فِي تَعَامُلِهِمْ مَعَ رُبُوبِيَّةِ اللهِ وَإِلَهِيَّتِهِ إِلَى أَرْبَعِ فِرَقٍ وَاضِحَةِ الْمَعَالِمِ، نَحْتَاجُ لِتَأَمُّلِهَا، لِنَعْرِفَ مَوْقِعَنَا:
الْأُولَى: فِرْقَةُ الْجُحُودِ (الدَّهْرِيُّونَ): وَهُمُ الَّذِينَ أَغْلَقُوا عُقُولَهُمْ عَنِ النَّظَرِ فِي هَذَا الْكَوْنِ الْمُحْكَمِ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَا خَالِقَ، وَأَنَّ الْمَادَّةَ هِيَ الْأَصْلُ.
يَقُولُونَ بِفَمِهِمْ كَمَا حَكَى اللهُ: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:24]. فهَؤُلَاءِ (الْمُلْحِدُونَ وَاللَّادِينِيُّونَ) فِي عَصْرِنَا الحاضر، يَهْرُبُونَ مِنَ الْحَقِيقَةِ، إِلَى جَحِيمِ الصُّدْفَةِ، ويَظُنُّونَ أَنَّ هَذَا النِّظَامَ الْكَوْنِيَّ الْبَدِيعَ جَاءَ عَبَثًا. إِنَّهُ الْعَمَى الْبَصِيرِيُّ، الَّذِي يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يَخْسَرُ نَفْسَهُ وَآخِرَتَهُ، بَحْثًا عَنْ سَرَابٍ.
الثَّانِيَةُ: فِرْقَةُ الشِّرْكِ (الْمُشْرِكُونَ): وَهُمْ قَوْمٌ أَثْبَتُوا وُجُودَ اللهِ، ولَكِنَّهُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، حِينَ أَلْحَقُوا بِهِ شُرَكَاءَ فِي الْخَلْقِ أَوِ التَّدْبِيرِ، فَقَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ [ص:5]. فهم يَعْجَبُونَ مِنَ التَّوْحِيدِ الْفِطْرِيِّ، وَيَأْنَسُونَ بِتَعَدُّدِ الْآلِهَةِ، لِأَنَّهُمْ يَقِيسُونَ الْمَلِكَ الْأَعْلَى بِسَلَاطِينِ الْأَرْضِ، وَهَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ، لَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ العظيم.
الثَّالِثَةُ: فِرْقَةُ التَّوَسُّطِ الْبَاطِلِ (الْمُسْتَشْفِعُونَ): وهَؤُلَاءِ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، ولَكِنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ الشُّفَعَاءَ وَسَائِطَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللهِ، كَأَنَّهُمْ يُحِيلُونَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ.
وَانْظُرُوا إِلَى تَنَاقُضِهِمْ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْعَجِيبِ، عَنْ حُصَيْنٍ لَمَّا سَأَلَهُ النَّبِيُّ: «يَا حُصَيْنُ، كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهًا؟»، ففي سنن الترمذي: (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لأَبِي «يَا حُصَيْنُ كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهًا». قَالَ أَبِي سَبْعَةً سِتًّا فِي الأَرْضِ وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ. قَالَ «فَأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ». قَالَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ. قَالَ «يَا حُصَيْنُ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ تَنْفَعَانِكَ». قَالَ فَلَمَّا أَسْلَمَ حُصَيْنٌ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي. فَقَالَ «قُلِ اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي».
فَحَتَّى فِي قَلْبِ الْمُشْرِكِ فِطْرَةٌ تَعْرِفُ أَنَّ الرَّجَاءَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلهِ الْوَاحِدِ، وَلَكِنَّهُمْ يُخَالِفُونَ فِطْرَتَهُمْ، فَيَجْعَلُونَ مَعَهُ أَصْنَامًا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ.
الرَّابِعَةُ: فِرْقَةُ الْإِخْلَاصِ (أَهْلُ التَّوْحِيدِ): وَهُمُ الَّذِينَ صَفَّتْ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يَعُدْ فِيهَا مَحَلٌّ لِغَيْرِ اللهِ. فهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ يَقِينًا: أَنَّ كُلَّ قُوَّةٍ فِي الْكَوْنِ هِيَ مِنْ قُوَّةِ اللهِ، وَكُلَّ رِزْقٍ هُوَ مِنْ رِزْقِهِ، فَيُفْرِدُونَهُ بِالدُّعَاءِ، وَالرَّجَاءِ، وَالْخَوْفِ، وَالتَّوَكُّلِ. وهَؤُلَاءِ هُمُ الْأَحْرَارُ حَقًّا، الَّذِينَ لَا يَرْكَعُونَ لِغَيْرِ خَالِقِهِمْ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وبَعْدَ أَنْ تعَرفْنَا على مَقَامَاتِ الْخَلْقِ، تَعَالَوْا نَرِدَّهُمْ جَمِيعًا إِلَى دَلِيلِ الْفِطْرَةِ، فِي سُورَةِ النَّمْلِ (الْآيَاتِ 60-64)؛ لِنَقْفِ الْآنَ وَقْفَةَ تَأمل وتدبر، وَتَحْلِيلٍ بَيَانِيٍّ مُعْجِزٍ؛ حَيْثُ يَسُوقُ الْقُرْآنُ خَمْسَ
مَحَاجَّاتٍ عَقْلِيَّةٍ وكَوْنِيَّةٍ، لَا يَمْلِكُ أَمَامَهَا (ذُو عَقْلٍ) إِلَّا الْخُضُوعَ:
الأول: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ): فيَبْدَأُ السِّيَاقُ بِخَلْقِ الْأَكْوَانِ، وَإِنْزَالِ الْأَرْزَاقِ: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾.
فتَأَمَّلُوا التَّحَدِّي: لَوْ اجْتَمَعَ الْبَشَرُ كُلُّهُمْ عَلَى أَنْ يُنْبِتُوا شَجَرَةً وَاحِدَةً مِنَ الْعَدَمِ مَا اسْتَطَاعُوا. ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾؟ وَجَاءَ التَّعْقِيبُ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أَيْ يُشْرِكُونَ بِاللهِ غَيْرَهُ، وَيَعْدِلُونَ عَنِ الْحَقِّ الصَّرِيحِ مَعَ وُضُوحِ الدَّلِيلِ.
الثاني: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ): ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى تَهْيِئَةِ الْأَرْضِ لِلْحَيَاةِ: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾.
فمَنْ الَّذِي ثَبَّتَ هَذِهِ الْأَرْضَ لِكَيْ لَا تَمِيدَ بِنَا؟، وَمَنْ الَّذِي شَقَّ فِجَاجَهَا بِالْأَنْهَارِ الْعَذْبَةِ؟، وَمَنْ الَّذِي جَعَلَ الْبَرْزَخَ الْحَاجِزَ، بَيْنَ الْمَاءِ الْعَذْبِ وَالْمَاءِ الْمِلْحِ، فَلَا يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ؟، ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ عِلْمًا صَحِيحًا يُوصِلُهُمْ إِلَى تَوْحِيدِ خَالِقِهِمْ.
الثالث: (قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ): ثُمَّ يَلْمِسُ الْقُرْآنُ شَغَافَ الْقُلُوبِ بِالْحَاجَةِ النَّفْسِيَّةِ عِنْدَ الْكُرُوبِ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾.
فإِذَا انْقَطَعَتِ الْأَسْبَابُ، وَمَسَّكَ الضُّرُّ، وَأَحَاطَ بِكَ الْبَلَاءُ، مَنْ الَّذِي تَجِدُ قَلْبَكَ يَهْتِفُ بِاسْمِهِ فِطْرِيًّا؟ إِنَّهُ اللهُ. ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ نِعَمَ اللهِ عَلَيْكُمْ عِنْدَ الرَّخَاءِ، فَتَنْسَوْنَ مَنْ أَنْجَاكُمْ فِي الشِّدَّةِ!
الرابع: (تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ): ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْحِفْظِ فِي السَّفَرِ وَالتِّهْيِئَةِ الْجَوِّيَّةِ: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾.
فمَنْ الَّذِي جَعَلَ النُّجُومَ وَالْعَلَامَاتِ دَلِيلًا لَكُمْ فِي مَتَاهَاتِ الْقِفَارِ وَاللُّجَجِ؟، وَمَنْ الَّذِي يُسِيرُ الرِّيَاحَ سَحَابًا يَبْعَثُ الْمَطَرَ الَّذِي هُوَ رَحْمَةُ اللهِ؟، ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ تَنَزَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَاظَمَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ.
الخامس: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ): فَيَأْتِي الْخِتَامُ بِقَضِيَّتَيِ الْبَدْءِ وَالْإِعَادَةِ: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
فإِذَا كَانَ الله تعالى هُوَ الَّذِي أَوْجَدَكُمْ مِنَ الْعَدَمِ، وَهُوَ الَّذِي يُعِيدُكُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ لِلْحِسَابِ، وَهُوَ مَصْدَرُ كُلِّ رِزْقٍ يَنْزِلُ أَوْ يَخْرُجُ؛ ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾؟ هُنَا، حِينَ تَعْجِزُ الْعُقُولُ، وَتَنْقَطِعُ حُجَجُ الْمُشْرِكِينَ، وَالْمُلْحِدِينَ، وَالْمُتَخَبِّطِينَ، يَخْتِمُ الْقُرْآنُ هَذَا الِاسْتِعْرَاضَ الْكَوْنِيَّ، بِأَقْوَى صِيغَةِ تَحَدٍّ عَقْلِيٍّ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِيَّةِ: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أَيْ: يَا أَهْلَ الْإِلْحَادِ، وَيَا أَهْلَ الشِّرْكِ، وَيَا مَنْ تَتَّخِذُونَ الشُّفَعَاءَ، وَالْأَوْدَادَ مِنْ دُونِهِ؛ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي أَنَّ لِهَذَا الْكَوْنِ خَالِقًا آخَرَ، أَوْ أَنَّ هَذِهِ الْآلِهَةَ (الْمَزْعُومَةَ)، مَلَكَتْ مَعَ اللهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ، فَأَرُونَا عِلْمَكُمْ، وَأَخْرِجُوا دَلِيلَكُمْ، وَهَاتُوا حُجَّتَكُمْ وبرهانكم!، وَلَكِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا بُرْهَانًا، وَلَنْ يَمْلِكُوا جَوَابًا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ أَبْلَجُ، وَالْبَاطِلَ لَجلجٌ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ مَنْ يَسْمَعُ هَذِهِ الْآيَاتِ، لَا يَسَعُهُ إِلَّا أَنْ يُجَدِّدَ إِيمَانَهُ، وَأَنْ يَخِرَّ سَاجِدًا لِلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، مُعْلِنًا تَوْحِيدَهُ الْخَالِصَ بِقَلْبِهِ، وَلِسَانِهِ، وَعَمَلِهِ، فهَذِهِ بَرَاهِينُ يَشْهَدُ بِهَا الْعَقْلُ قَبْلَ النَّقْلِ، وَالْفِطْرَةُ قَبْلَ الْبَصِيرَةِ،
وَبَعْدَ كُلِّ هَذَا الْبَيَانِ الْمُعْجِزِ، يَأْتِي الِاسْتِفْهَامُ الْإِنْكَارِيُّ: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾؟ ثُمَّ يَأْتِي الْخِتَامُ الَّذِي يَقْطَعُ دَابِرَ الشَّكِّ: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
فَيَا مَنْ تَدَّعُونَ لِلَّهِ شَرِيكًا، أَوْ تَنْفُونَ وُجُودَهُ، أَيْنَ بُرْهَانُكُمْ؟، أَيْنَ عِلْمُكُمْ؟، لَا شَيْءَ، بَلْ هُوَ الظَّنُّ وَالْهَوَى.
فَاتَّقُوا اللهَ، وَعُودُوا إِلَى رَحَابَةِ التَّوْحِيدِ، فَمَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ. وَاعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَا تَلْجَأُوا فِي رَغْبَتِكُمْ وَرَهْبَتِكُمْ إِلَّا إِلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ.
الدُّعَاءُ
