خطبة عن الغيرة ،وحديث ( إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ)
يونيو 27, 2026خطبة عن (رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا)
يونيو 28, 2026الخطبة الأولى (احْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) (103): (105) الكهف، وقال تعالى: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) (68): (70) الأنبياء. وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي فَدَاحَةِ جَرِيمَةِ الخَوْضِ فِي أَعْرَاضِ الصَّالِحِينَ: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:15]
إخوة الإسلام
إِنَّ النَّفْسَ البَشَرِيَّةَ فِي كَدْحِهَا وَسَعْيِهَا فِي هَٰذِهِ الحياة الدُّنْيَا، تُرِيدُ أَنْ تَصِلَ إِلَىٰ مَرْفَإ النَّجَاةِ، وَإِنَّ أَكْبَرَ النَّوَازِلِ وَالفَجَائِعِ، الَّتِي تَقْشَعِرُّ لَهَا الأَبْدَانُ يَوْمَ العَرْضِ عَلَىٰ اللَّهِ، هِيَ أَنْ يَقْدَمَ العَبْدُ بِصَلَاةٍ، وَبَذْلٍ، وَسَعْيٍ طَوِيلٍ، ثُمَّ يَجِدُ دِيوَانَهُ صِفْرًا خَاوِيًا، وَيُسَاقُ إِلَىٰ جَهَنَّمَ بِمَا كَسَبَتْ يَدَاهُ!
وَمِنْ هُنَا، جَاءَ هَٰذَا الِاسْتِفْهَامُ القُرْآنِيُّ الصَّاعِقُ، الَّذِي يَشْحَذُ الأَذْهَانَ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾؟، إِنَّهُمْ طَائِفَةٌ من الناس، خَسِرَتْ كُلَّ شَيْءٍ، بِسَبَبِ فَسَادِ النِّيَّاتِ، أَوْ بِمَرَضِ الوَهْمِ البَاطِنِيِّ.
وإِنَّ الأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا يَنْقَسِمُونَ فِي مَيْدَانِ الوَاقِعِ إِلَىٰ صِنْفَيْنِ جَوْهَرِيَّيْنِ؛ الصِّنْفُ الأَوَّلُ: هُمُ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَهُمْ يَعِيشُونَ أَعْلَىٰ مَرَاتِبِ عَمَىٰ البَصِيرَةِ، حَيْثُ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ هُدًى، وَأَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا!
وَقَدْ حَدَّدَ أَهْلُ العِلْمِ صِفَاتِهِمْ فِي فَسَادِ الِاعْتِقَادِ؛ بِالكُفْرِ بِاللَّهِ، أَوْ الشِّرْكِ بِهِ، أَوْ إِنْكَارِ اليَوْمِ الآخِرِ، وَلِقَاءِ المـَلِكِ الدَّيَّانِ؛ فَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:65]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي مَنْ كَذَّبَ بِالوَحْيِ: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [يونس:95].
وَأَمَّا الصِّنْفُ الثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي يَهَزُّ مَحَارِيبَ الصَّالِحِينَ خَوْفًا: فَهُمْ “أَصْحَابُ الوَهْمِ وَالخِدَاعِ العِبَادِيِّ”؛ وَهَٰؤُلَاءِ لَيْسُوا خَامِلِينَ، بَلْ هُمْ أَصْحَابُ جُهْدٍ كَبِيرٍ، ولَكِنَّهُمْ أَشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ فِي النِّيَّةِ؛ وَاللَّهُ تَعَالَىٰ هُوَ الأَغْنَىٰ؛ كَمَا صَدَعَ بِهِ الحَدِيثُ القُدْسِيُّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» [صحيح مسلم].
وتَأَمَّلُوا المـَشْهَدَ التَّصْوِيرِيَّ المـُرْعِبَ، الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، حِينَ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ كَيْفَ تُفْتَحُ مَحَاكِمُ النِّيَّاتِ يَوْمَ العَرْضِ، لِأَعْظَمِ ثَلَاثَةِ أَعْمَالٍ بَشَرِيَّةٍ: ففي صحيح مسلم: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِي النَّارِ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَإِنَّ مِنْ أَعْجَبِ مَزَالِقِ الخُسْرَانِ الَّتِي يَظُنُّهَا النَّاسُ (هَيِّنَةً)، وهِيَ جَرِيمَةُ الِاسْتِهَانَةِ بِالذَّنْبِ، كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الإِفْكِ؛ حَيْثُ تَنْتَقِلُ الكَلِمَاتُ السَّاقِطَةُ المـَسْمُومَةُ بَيْنَ الأَلْسِنَةِ، دُونَ مِعْيَارٍ مِنَ العَقْلِ، فَيَتَنَاوَلُ النَّاسُ سُمَعَ الأَبْرَارِ، وَيَنْشُرُونَ الفَضَائِحَ، رَقَمِيًّا، وَوَاقِعِيًّا، وَيَحْسَبُونَهُ أَمْرًا سَهْلًا عَابِرًا، وَهُوَ فِي دِيوَانِ عَدْلِ اللَّهِ جَرِيمَةٌ عُظْمَىٰ، تُوبِقُ الحَسَنَاتِ وَتَهْدِمُ الأَعْمَالَ. قال تعالى: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (15) النور
وَيُقَابِلُ هَذَا: مَنْ أَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ تَعَالَىٰ؛ بِأَنْ يَسْتَمِرَّ العَبْدُ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ، أَوْ أَكْلِ المـُحَرَّمَاتِ، وَتَتَوَالَىٰ عَلَيْهِ النِّعَمُ، وَالسِّتْرُ، فَيَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ رَاضٍ عَنْهُ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ اسْتِدْرَاجٌ، يَسُوقُهُ إِلَىٰ قَاعِ المـَهَالِكِ؛ فَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿أَفأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 99].
وَيَمْتَدُّ الخُسْرَانُ لِيَشْمَلَ كُلَّ مَنْ نَقَضَ العُهُودَ، وَسَعَىٰ فِى تَمْزِيقِ لُحْمَةِ الأُمَّةِ، بِقَطِيعَةِ الأَرْحَامِ، وَإِشَاعَةِ الفَسَادِ السُّلُوكِيِّ فِي الأَرْضِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة:27].
وَلَقَدْ حَذَّرَنَا القُرْآنُ الكَرِيمُ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ مِنْ أَخْطَرِ صُوَرِ التَّبَعِيَّةِ الحَضَارِيَّةِ المـَقِيتَةِ؛ وَهُوَ الخَوْضُ فِي أَهْوَاءِ الأُمَمِ الكَافِرَةِ، وَتَقْلِيدُهَا الأَعْمَىٰ فِي لَهْوِهَا، وَسَفَاسِفِهَا، وَبُعْدِهِمْ عَنِ اللَّهِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة:69]. فَاحْذَرُوا -يَا بَنِي الإِسْلَامِ- هَٰذِهِ المـَزَالِقَ، وَنَقُّوا نِيَّاتِكُمْ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (احْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ فِى بَيَانِ صِفَاتِ مَنْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ العَرْضِ عَلَيْهِ: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: 15]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي شُؤْمِ سُوءِ العَقِيدَةِ وَاليَأْسِ: ﴿وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:23].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
تَعَالَوْا بِنَا لِنَسْتَرْسِلَ اسْتِرْسَالًا عِلْمِيًّا وَاسِعًا؛ لِنَرَىٰ بَقِيَّةَ صُوَرِ الخُسْرَانِ، الَّتِي يَجِبُ أَنْ نَحْذَرَهَا فِي مَيْدَانِ الحَيَاةِ.
فإِنَّ القُرْآنَ يُحَذِّرُنَا مِنْ أَنْ يَكُونَ العَبْدُ جُزْءًا مِنْ كِيَانٍ خَبِيثٍ سَمَّاهُ اللَّهُ: ﴿حِزْبَ الشَّيْطَانِ﴾؛ وَهُمُ الَّذِينَ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ اللَّعِينُ بِسَبَبِ صَاعِقِ الغَفْلَةِ: ﴿فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:19].
وَهَذِهِ الغَفْلَةُ تَنْشَأُ حِينَمَا تُصْبِحُ زِينَةُ الدُّنْيَا هِيَ المُحَرِّكُ الأَعْظَمُ لِلإِنْسَانِ؛ فَيَنْشَغِلُ بِأَمْوَالِهِ وَوَلَدِهِ عَنِ المـَحَارِيبِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون:9].
وَإِنَّ أَعْظَمَ مَزَالِقِ الشَّقَاءِ: هُوَ ابْتِغَاءُ غَيْرِ الإِسْلَامِ مَنْهَجًا، وَدِينًا لِلْحَيَاةِ، أَوْ الكُفْرِ بِمُقْتَضَيَاتِ اليَقِينِ؛ فَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران:85]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:5].
وَمِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ أَيْضًا: جَرِيمَةُ ارْتِكَابِ الدِّمَاءِ، وَقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَمُنْذُ مَطْلَعِ البَشَرِيَّةِ حِينَ قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ، قَالَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:30]. فَمَنْ سَعَىٰ فِى هَتْكِ الدِّمَاءِ، أَوْ أَعَانَ عَلَىٰ ظُلْمِ ضَعِيفٍ، فَقَدْ بَاءَ بِالوَبَالِ.
مَعَاشِرَ الْمُصَلِّينَ
وَلِأَجْلِ فَدَاحَةِ هَذِهِ المـَهَالِكِ، فَقَدْ عَلِمَ الأَنْبِيَاءُ الأَطْهَارُ أَنَّهُ لَا مَفَرَّ لِلْعَبْدِ إِلَّا بِتَغَمُّدِ اللَّهِ لَهُ بِالمـَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ؛ فَهَاهُوَ نَبِيُّ اللَّهِ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَصْرُخُ بِلِسَانِ الِانْكِسَارِ: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:47]. فَإِذَا كَانَ نُوحٌ يَرَىٰ نَفْسَهُ هَٰكَذَا، فَمَا بَالُنَا نَحْنُ نَعِيشُ فِي سَكْرَةِ الدُّنْيَا كَأَنَّنَا ضَمِنَّا الفِرْدَوْسَ؟!
وإِنَّ أَعْظَمَ مَشَاهِدِ الحَسْرَةِ القِيَامِيَّةِ: هِيَ أَنْ يَرَىٰ الرَّجُلُ نَفْسَهُ وَآلَهُ فِى دَرَكَاتِ الجَحِيمِ، لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِى تَرْبِيَتِهِمْ: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ الزمر (15).
وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ هَذَا الشَّقَاءِ: أَنْ يَظُنَّ العَبْدُ بِرَبِّهِ ظَنَّ السُّوءِ، فَيَقْنَطُ مِنْ رَحْمَتِهِ، فَيَكُونُ الظَّنُّ المـَغْشُوشُ سَبَبًا فِي إِرْدَائِهِ وَهَلَاكِهِ؛ قال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فصلت (23).
ألا فَأَحْسِنُوا ظَنَّكُمْ بِاللَّهِ، وَالْزَمُوا ذِكْرَهُ، وَطَهِّرُوا نِيَّاتِكُمْ مِنَ الرِّيَاءِ، لِتَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الفَلَاحِ في الدنيا والآخرة.
الدُّعَاءُ
