خطبة عن (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)
يناير 23, 2026خطبة عن (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ)
يناير 24, 2026الخطبة الأولى ( الأخلاق :هل هي جبلية أم مكتسبة ؟ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
روى أبو داود في سننه : ( عن زَارِعٍ وَكَانَ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ قَالَ لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَجَعَلْنَا نَتَبَادَرُ مِنْ رَوَاحِلِنَا فَنُقَبِّلُ يَدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَرِجْلَهُ – قَالَ – وَانْتَظَرَ الْمُنْذِرُ الأَشَجُّ حَتَّى أَتَى عَيْبَتَهُ فَلَبِسَ ثَوْبَيْهِ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ لَهُ « إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ ». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمِ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا قَالَ « بَلِ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا ». قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ)
إخوة الإسلام
يتساءل بعض الناس: هل حسن الخلق جبلي أم مكتسب؟ ، فالبعض يظن أن الأخلاق كلها فطرية ،وأنه ليس للإنسان من الخصال إلا ما جبله الله تعالى عليه، ونقول: هذه الحجة لا تستوي على ساق ،لمعارضتها لسنة الخلاق ،فالله تعالى يدعونا إلى تزكية النفوس فيقول الله تعالى : (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (7) :(10) الشمس ،ولمعارضة هذه المقولة لهدي النبي- صلى الله عليه وسلم- في دعوته إلى تهذيب الأخلاق كما في قوله صلى الله عليه وسلم : (اللَّهُمَّ اهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ اصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّى سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ » رواه احمد، وقوله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس –رضي الله عنه- كما في الحديث المتقدم :« إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ ». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمِ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا قَالَ « بَلِ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا »، وقال الإمام ابن القيم – رحمه الله- (مدارج السالكين): ” فدل على أن من الخلق ما هو طبيعة وجبلَّة وما هو مكتسب ” ،وقال الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله- :” فهذا دليل على أن الأخلاق الحميدة الفاضلة تكون طبعا وتكون تطبُّعًا ،ولكن – بلا شك- الطبع أحسن من التطبع ،لأن الخلق الحسن إذا كان طبيعيا صار سجية للإنسان وطبيعة له ،لا يحتاج في ممارسته إلى تكلف، ولا يحتاج في استدعائه إلى عناء ومشقة ،ولكن هذا فضل الله يؤتيه من يشاء ،ومن حرم هذا – أي من حرم الخلق عن سبيل الطبع- فإنه يمكنه أن يناله عن السبيل التطبع ” ،
فالإنسان يرتقي في سلم الحضارة والقيم عندما تميزه الأخلاق والفضائل عن غيره من الناس، واستمد الناس خلال مراحل التاريخ المختلفة أخلاقهم من فطرتهم السوية، وجبلتهم الطاهرة التي جبلهم الله عليها، بينما اكتسب الإنسان أخلاقاً أخرى كثيرة نتيجة العلم والتعلم والإدراك لفائدة الأخلاق ونفعها للناس، كما جاءت الشرائع السماوية لتكمل الأخلاق التي يعرفها الناس، وتضيف عليها، وترتقي بها، وتضعها في مكانها الصحيح وفق منهجٍ واضح، وضوابط مدروسة محكمة تبعدها عن أهواء الناس وأمزجتهم المتقلبة التي قد تبيح ما لا يجوز من الأفعال، أو تحرم ما أباحه الله من الطيبات، فالأخلاق إذن هي محصلة ونتيجة للفطرة السوية، والاكتساب السليم للفضائل والقيم من الشرائع والحياة والتجارب .
أيها المسلمون
ويدعي البعض أن الخلق كله جبلي وفطري ،ولا توجد أخلاق مكتسبة ، فنقول :لو كان الأمر كما يزعمون أن الخُلق كله جبلي لتُركت المجاهدة ،واستغني الناس عن الوصايا والمواعظ ، ولذا قال ابن القيم: “فإن قلت: هل يمكن أن يقع الخُلق كسبيا أو هو أمر خارج عن الكسب؟ قلت: يمكن أن يقع كسبيا بالتخلق والتكلُّف حتى يصير له سجيةً وملكة”( مدارج السالكين)،
وقد يسأل سائل : أيهما أعلى منزلة من الآخر، من كان خلقه الحسن جبليا ، أم من خان خلقه الحسن مكتسبا ؟ يجيبنا الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله- فيقول : “إنه لا شك أن الرجل الذي جُبل على الخلق الحسن أكمل من حيث تخلُّقه بذلك ، أو من حيث وجود هذا الخلق الحسن فيه ، لأنه لا يحتاج إلى عناء ولا إلى مشقة في استدعائه ، ولا يفوته في بعض الأماكن و المواطن ، إذ أن حسن الخلق فيه سجية وطبع ، ففي أي وقت تلقاه تجده حَسَن الخلق ، وفي أي مكان تلقاه تجده حَسَن الخلق وعلى أي حال تلقاه تجده حَسَن الخلق ، فهو من هذه الناحية أكمل بلا شك . وأما الآخر الذي يجاهد نفسه ويروضها على حسن الخلق ،فلا شك أنه يؤجر على ذلك من جهة مجاهدة نفسه وهو أفضل من هذه الجهة ،لكن من حيث كمال الخلق أنقص بكثير من الرجل الأول ،فإذا رزق الإنسان الخلقين جميعا طبعا وتطبعا، كان ذلك أكمل، والأقسام أربعة : (من حُرم حسن الخلق طبعا وتطبعا ،ومن حُرمه طبعا لا تطبعا ،ومن رُزقه طبعا و تطبعا ،ومن رُزقه طبعا لا تطبعا) ،ولا شك أن القسم الثالث هو أفضل الأقسام ، لأنه جمع بين الطبع والتطبع في حسن الخلق
فالأخلاق الفاضلة يمكن كسبها ،بغرس الفضائل في النفوس وسقيها بماء النصح ،وهذه بعض السبل التي تعيننا على كسبها و التحلي بها بإذن الله : بالإيمان بالله والقرب منه، فهذا منبع الخلق الحسن، و به تزكو النفوس وتهذب السلوك .
ومن وسائل كسب الاخلاق الفاضلة : الدعاء : فندعو الله أن يرزقنا محاسن الأخلاق ،وأن يصرف عنا سيئها ،كما علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم ذكره .
ومن وسائل كسب الاخلاق الفاضلة : مجالسة ومصاحبة الصالحين ومن عرفوا بحسن الخلق ، ففي سنن الترمذي : (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ »
ومن وسائل كسب الاخلاق الفاضلة : أن يستحضر الإنسان دائما صورة خلق النبي صلى الله عليه وسلم وكيف كان يعامل أصحابه بالتواضع لهم و الحلم عليهم و العفو عنهم ،قال الله تعالى فيه (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (4) القلم ،ولقد سئلت أم المؤمنين عائشة– رضي الله عنها- عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنُ) رواه احمد.
ومن وسائل كسب الاخلاق الفاضلة : أن يتأمل عاقبة سوء الخلق ،وما يترتب عليه من كراهية الناس له ،وبعدهم عن مجالسته ،حينها يبتعد عن سوء الخلق ،ويتحلى بمكارم الأخلاق ، لأن حسن الخلق يوجب التحاب ،والتآلف وسوء الخلق يثمر التباغض والتحاسد ،
ومن وسائل كسب الاخلاق الفاضلة : قراءة تراجم سلفنا الصالح ،لمعرفة ما كانوا عليه من حسن الأخلاق ،وكريم الأفعال والصفات ،وبعد ذلك نعقد مقارنة بين حالهم وحالنا، لنرى البون الشاسع بيننا و بينهم ،وينبغي أن نعلم أنه كما لا يُقبل من أحد أن يَلتزم بأخلاق السلف ،ويترك معتقدهم ، فكذلك لا يسوغ فهم معتقدهم ،دون الالتزام بسلوكهم وأخلاقهم ، فلهذا كان منهج سلفنا الصالح –رضوان الله عليهم- متكاملا ،حيث جمعوا بين سلامة المعتقد ،وحسن الأخلاق، فعلينا التأسي بهم ،واقتفاء آثارهم ،لنصل إلى ما وصلوا إليه بإذن الله،
أقول قولي واستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية ( الأخلاق :هل هي جبلية أم مكتسبة ؟ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
من الملاحظ أن مكونات ومصادر الخلق الإنساني تأتي من وسائل عدة : أولها : الجانب الفطري: وهو الذي يتمثل في ما جبل الله عليه الناس من تقبيح للحرام والمنكر، أو تحسين للحلال والطيب من القول أو العمل، ودلت الكثير من نصوص الكتاب والسنة النبوية المطهرة على فطرة الإنسان التي خلقه الله عليها، والتي تحثه على التمسك بالأخلاق في الحياة، والتحلي بها في تعامله مع الناس، ومن هذه النصوص: نصوص القرآن الكريم، ومنها قوله تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد: 10]، أي خلقنا الإنسان وفق فطرة سليمة مدركة لطريق الشر وطريق الخير. ومنها حديث النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين واللفظ لمسلم : (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ فَخِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلاَمِ إِذَا فَقُهُوا وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فِي هَذَا الأَمْرِ أَكْرَهُهُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ وَتَجِدُونَ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِى يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ ».، وفي صحيح مسلم : (عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ « أَلاَ إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلاَلٌ وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا..)، فالحديث يشير إلى أنّ الله تعالى خلق الناس جميعاً حنفاء موحدين حتى جاءت الشياطين فحرفتهم عن فطرتهم السليمة.
أما الجانب الفكري والعقلي: فقد أنعم الله تعالى علينا بالعقل، والإنسان بعقله السليم وإدراكه للأشياء من حوله يستطيع اكتساب الأخلاق الحميدة، والصفات الحسنة، وذلك من خلال التمييز بينها وبين الأخلاق السيئة والصفات الذميمة، كما عبر الأعرابي البسيط عن ذلك حينما قال: (ما رأيت من شيءٍ أمر به الإسلام فقال العقل لِمَ لم ينهى عنه، أو شيء نهى عنه الإسلام فقال العقل لِمَ لم يأمر به). وشرائع الله تعالى جاءت لتكميل الأخلاق وضبطها، فلا يكفي العقل والفكرة لوجود الأخلاق واكتسابها، إذ لا بد من وجود الشرائع التي تكمل تلك الأخلاق وتتوجها ،وبالتالي فإن الأخلاق هي فطرية ومكتسبة في آنٍ واحد، فالفطرة هي المعدن والجوهر بالنسبة لبنية الأخلاق الإنسانية، بينما الاكتساب هو ما يدعم هذا المعدن، ويزيده قوة وصلابة ،ويجعله متألقاً يشع نوراً بين الناس.
الدعاء
