خطبة عن (التَّوْبَةُ النَّصُوحُ وَالرُّجُوعُ إِلَى اللهِ)
أبريل 22, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان:33] وَفي الحديث: (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ” [رواه البخاري ومسلم].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا): إِنَّه نِدَاء اللهِ لِلْعَالَمِينَ بِالتَّقْوَى، وهُوَ نِدَاءُ النَّجَاةِ، وَأَمْرُهُ بِالخَشْيَةِ مِنْ يَوْمِ الدِّينِ، فتَقْوَى اللهِ هِيَ الزَّادُ الحَقِيقِيُّ، وَهِيَ الوِقَايَةُ مِنَ الخِزْيِ يَوْمَ العَرْضِ،
ولَقَدْ وَصَفَ اللهُ ذَلِكَ اليَوْمَ بِأَنَّهُ يَوْمٌ “لَا يَجْزِي فِيهِ وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ”؛ حَيْثُ تَنْقَطِعُ العَلَائِقُ، وَتَجِفُّ المَنَابِعُ، وَيَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، ففِي ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ، لَا يَنْفَعُ نَسَبٌ وَلَا جَاهٌ، وَلَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا، والإِنْسَانُ الَّذِي كَانَ يَحْتَمِي بِقَبِيلَتِهِ أَوْ مَالِهِ، سَيَقِفُ فَرْداً حَسِيراً بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ المُلُوكِ، لَا نَاصِرَ لَهُ إِلَّا رَحْمَةُ اللهِ ثُمَّ صَالِحُ عَمَلِهِ، فَهَلْ أَعْدَدْنَا لِهَذَا الوُقُوفِ عملا صالحا، وللسؤال جَوَاباً؟، وَهَلْ زَكَّيْنَا النُّفُوسَ لِتِلْكَ اللَّحَظَاتِ الحَاسِمَةِ؟.
ومن المعلوم أنَّ أَكْبَرَ عَائِقٍ يَحُولُ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَبَيْنَ الاسْتِعْدَادِ لِلآخِرَةِ هوَ “غُرُورُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا“، ولَذا فقَدْ حَذَّرَنَا اللهُ من ذلك، فَقَالَ تعالى: {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [لقمان:33].. وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (5)، (6) فاطر، فالدُّنْيَا بِزِينَتِهَا، وَأَمْوَالِهَا، وَشَهَوَاتِهَا، مَا هِيَ إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ، وتَمُرُّ الأَيَّامُ سِرَاعاً، وَنَحْنُ نَرْكُضُ خَلْفَ سَرَابِهَا، وَنَنْسَى أَنَّ كُلَّ نَفَسٍ يَقْرُبُنَا مِنَ القَبْرِ خُطْوَةً، فالغُرُورُ يَجْعَلُ العَبْدَ يَظُنُّ أَنَّهُ مُخَلَّدٌ، أَوْ أَنَّ المَوْتَ بَعِيدٌ عَنْهُ، فَيُسَوِّفُ التَّوْبَةَ، وَيُضَيِّعُ الفَرَائِضَ، لقد تَعَلَّقَتِ القُلُوبُ بِالدُّورِ الفَانِيَةِ، وَغَفَلَتْ عَنِ القُصُورِ البَاقِيَةِ، وإِنَّ العَاقِلَ هُوَ مَنْ جَعَلَ الدُّنْيَا فِي يَدِهِ لَا فِي قَلْبِهِ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِ الزَّوَالِ، وَاسْتَثْمَرَ سَاعَاتِهَا فِي مَرْضَاةِ رَبِّ العَالَمِينَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
واحْذَرُوا “الغَرُورَ” وهُوَ الشَّيْطَانُ الذِي يُمَنِّي النَّاسَ بِالأَمَانِيِّ الكَاذِبَةِ، وَيُهَوِّنُ عَلَيْهِمُ المَعَاصِيَ بِاسْمِ رَحْمَةِ اللهِ، فيَقُولُ لَكَ الشيطان: “اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ” لِيَجُرَّكَ إِلَى الذَّنْبِ، وَيَنْسَى أَنَّ اللهَ أَيْضاً “شَدِيدُ العِقَابِ”،
واعلموا أنَّ الخَشْيَةَ الحَقِيقِيَّةَ تَظْهَرُ فِي تَرْكِ الحَرَامِ وَقْتَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَفِي البُكَاءِ مِنَ الذَّنْبِ عِنْدَ تذكُّرهِ، فالتَّقْوَى لَيْسَتْ شِعَاراً، بَلْ هِيَ وِرَعٌ فِي المَطْعَمِ، وَصِدْقٌ فِي المَنْطِقِ، وَأَدَاءٌ لِلأَمَانَاتِ، ومَنْ خَافَ المَقَامَ غَداً، انْقَادَ لِلأَمْرِ اليَوْمَ، وتَأَمَّلُوا فِي أَحْوَالِ السَّلَفِ؛ كَانُوا يَقُومُونَ اللَّيْلَ وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ، يَخْشَوْنَ يَوْماً تَجْثُو فِيهِ الأُمَمُ عَلَى الرُّكَبِ.
ويَوْم القِيَامَةِ وأهواله لَيْسَ مُجَرَّدَ حَدِيثٍ يُرْوَى، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ قَادِمَةٌ لَا مَحَالَةَ، لذا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} [لقمان:33]، وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا) الكهف:21، وفي مسند أحمد: (وَأَشْهَدُ أَنَّ وَعْدَكَ حَقٌّ وَلِقَاءَكَ حَقٌّ وَالْجَنَّةَ حَقٌّ وَالسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَأَنْتَ تَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ)، ومن كلام قس بن ساعدة: (والله لتموتن كما تنامون ..ولتبعثن كما تستيقظون ..ولتحاسبن بما تعملون ..ولتجزون بالإحسان إحسانا ..وبالسوء سوءا ..وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا)
وهَذَا الوَعْدُ يَتَطَلَّبُ مِنَّا إِعَادَةَ تَرْتِيبِ الأَوْلَوِيَّاتِ، فهَلْ نَحْنُ مُسْتَعِدُّونَ لِلِّقَاءِ؟، وهَلْ مَظَالِمُ الخَلْقِ مَرْدُودَةٌ؟، وهَلْ صَلَوَاتُنَا مَقْبُولَةٌ؟، فإِنَّ الخَشْيَةَ تُثْمِرُ الحَذَرَ، وَالتَّقْوَى تُثْمِرُ العَمَلَ، فلَا تَنْدَمُوا يَوْمَ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وَلَا تَبْكُوا حِينَ لَا يُغْنِي البُكَاءُ، واجْعَلُوا نَصْبَ أَعْيُنِكُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي تُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ، وَاجْعَلُوا التَّقْوَى رِدَاءً لَكُمْ، وَذِكْرَ اللهِ أَنِيساً، لَعَلَّكُمْ تَنْجُونَ مِنْ كَرْبِ المَوْقِفِ العَظِيمِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر:18]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ” [رواه الترمذي وحسنه الألباني].
فإِنَّ قِصَرَ الأَمَلِ هُوَ مِفْتَاحُ صَلَاحِ القَلْبِ، فلَا تَنْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا عَلَى أَنَّهَا مَقَرٌّ، بَلْ هِيَ مَمَرٌّ، وخُذُوا مِنْهَا مَا يُبَلِّغُكُمْ رِضْوَانَ اللهِ، فحِينَ نُؤْمَرُ بِالتَّقْوَى، فَنَحْنُ نُؤْمَرُ بِالحَيَاةِ الحَقِيقِيَّةِ؛ فَالتَّقِيُّ هُوَ الذِي يَعِيشُ فِي أَمَانٍ، وَيَمُوتُ عَلَى رَجَاءٍ، وَيُبْعَثُ فِي كَرَامَةٍ، ولَقَدْ جَعَلَ اللهُ خِتَامَ سُورَةِ لُقْمَانَ تَذْكِيرًا بِفَجْأَةِ المَوْتِ وَمَغِيبِ الغَيْبِ عَنِ البَشَرِ، لِيَبْقَى العَبْدُ دَائِماً عَلَى أُهْبَةِ الاسْتِعْدَادِ، لَا يَدْرِي الإِنْسَانُ بِأَيِّ أَرْضٍ يَمُوتُ، وَلَا فِي أَيِّ لَحْظَةٍ يَرْحَلُ.
فتُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَجَدِّدُوا العَهْدَ مَعَهُ. اجْعَلُوا مَخَافَةَ اللهِ حَاجِزاً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ المَعَاصِي، واِرْحَمُوا الضُّعَفَاءَ، وَأَدُّوا الحُقُوقَ، وَطَهِّرُوا القُلُوبَ مِنَ الغِلِّ وَالحَسَدِ.
ونَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَنْ يَرْزُقَنَا تَقْوَاهُ فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ، وَأَنْ يُؤَمِّنَنَا يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَارِنَا أَوَاخِرَهَا، وَخَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
والمتدبر لقول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (33)، (34) لقمان،
فتَأَمَّلُوا فِي عِبَر هَذَا النِّدَاءِ الجَلِيلِ: فقد بدأ الأَمْرُ بِالتَّقْوَى وهي (الحِصْنُ الوَاقِي)، فبَدَأَ اللهُ بِقَوْلِهِ تعالى: {اتَّقُوا رَبَّكُمْ}، وَالتَّقْوَى هِيَ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَذَابِ اللهِ وِقَايَةً، بِفِعْلِ الأَوامِرِ، وَاجْتِنَابِ النَّوَاهِي، وإِنَّهَا زَادُ السَّفَرِ الطَّوِيلِ، وَهِيَ المِيزَانُ الوَحِيدُ الَّذِي يُقْبَلُ عِنْدَ اللهِ؛ فَلَا جَاهَ يَنْفَعُ، وَلَا مَالَ يَشْفَعُ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِتَقْوَى القَلْبِ.
ثم أمر بخَشْيَة ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ، فقال تعالى: {وَاخْشَوْا يَوْمًا}، وَالخَشْيَةُ هِيَ خَوْفٌ مَقْرُونٌ بِالتَّعْظِيمِ، فهُوَ يَوْمٌ تَذْهَلُ فِيهِ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وهُوَ يَوْمُ الفَصْلِ، يَوْمُ الحَقِيقَةِ الكُبْرَى ،ولِمَاذَا نَخْشَاهُ؟، لِأَنَّ الحِسَابَ فِيهِ فَرْدِيٌّ مَحْضٌ، لَا وَسَاطَةَ فِيهِ وَلَا شَفَاعَةَ بِمُجَرَّدِ النَّسَبِ.
ثم بين أن في ذلك اليوم: تَقَطُّعُ الأَرْحَامِ، وَفيه انْقِطَاعُ الأَسْبَابِ، فقال تعالى: {لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ}، فانْظُرُوا إِلَى أَعْظَمِ عِلَاقَةٍ بَشَرِيَّةٍ؛ عِلَاقَةُ الأَبِ بِابْنِهِ. فِي الدُّنْيَا، يَفْدِي الأَبُ ابْنَهُ بِرُوحِهِ، وَيَسْهَرُ المَوْلُودُ عَلَى رَاحَةِ وَالِدِهِ، لَكِنَّ هُنَاكَ -يَوْمَ القِيَامَةِ- يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ: “نَفْسِي نَفْسِي”، فلَنْ يَعْمَلَ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَنْ يَتَحَمَّلَ أَحَدٌ وِزْرَ أَحَدٍ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
والسؤال: كَيْفَ نَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي لَا يَجْزِي فِيهِ وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ؟، والجواب: أَوَّلًا: بمُرَاجَعَة الأَعْمَالِ: فلَا تَنْتَظِرْ حَتَّى تُفْتَحَ الصُّحُفُ، بَلْ حَاسِبْ نَفْسَكَ الآنَ: مَاذَا قَدَّمْتَ لِغَدٍ؟، وهَلْ فِي صَحِيفَتِكَ ظُلْمٌ لِلنَّاسِ؟، وهَلْ فِيهَا صَلَوَاتٌ مَضَاعَةٌ؟، فتُبْ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ.
ثَانِيًا: عَدَمُ الِاغْتِرَارِ بِالدُّنْيَا: {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}. فاجْعَلِ الدُّنْيَا فِي يَدِكَ لَا فِي قَلْبِكَ، واسْتَعْمِلْهَا لِلآخِرَةِ، وَلَا تَبِعْ بَاقِيَتَكَ بِفَانِيَتِكَ.
ثَالِثًا: التَّعَلُّقُ بِاللهِ وَحْدَهُ: فمَا دَامَ الوالِدُ لَنْ يَنْفَعَ وَلَدَهُ، فَالجَأْ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ النَّفْعُ وَالضَّرُّ حَقِيقَةً، فتَعَرَّفْ عَلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ عِنْدَ المِيزَانِ وَالصِّرَاطِ.
فيَا عِبَادَ اللهِ.. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَإِنَّ المَوْتَ قَرِيبٌ مِنْ أَحَدِنَا مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، فَاتَّقُوا اللهَ، وَأَعِدُّوا لِلجَوَابِ صَوَاباً، وَلِلصِّرَاطِ ثَبَاتاً.
فاللَّهُمَّ ارْزُقْنَا تَقْوَاكَ فِي الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ لِقَائِكَ، وَخَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا. اللَّهُمَّ قِنَا عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ. اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا فِي فِلَسْطِينَ، وَاجْعَلْ صَبْرَهُمْ وَجِهَادَهُمْ سَبِيلاً لِلنَّصْرِ وَالرِّضْوانِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
الدعاء
