خطبة عن (إِذَنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا)
أبريل 25, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان:34]. وَفي الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ” ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ [رواه البخاري].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
مِنَّ أَعْظَمِ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ انْفِرَاد اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِعِلْمِ الغَيْبِ؛ فَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ يَطَّلِعُ عَلَى سِرِّ اللهِ فِي خَلْقِهِ، إِلَّا بِمَا شَاءَ سُبْحَانَهُ، وقد خَتَمَ اللهُ سُورَةَ لُقْمَانَ بِخَمْسِ مَفَاتِحَ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَقْطَعُ دَابِرَ الشِّرْكِ، وَتُعَظِّمُ الخَالِقَ فِي النُّفُوسِ.
فَالمفتاح الأُول: {عِلْمُ السَّاعَةِ}؛ فَلَا يَعْلَمُ مخلوق مَتَى تَقُومُ، وَلَا يعلم مَتَى يُنْفَخُ فِي الصُّورِ إِلَّا اللهُ، فهَذَا الإِخْفَاءُ لِمَوْعِدِ القِيَامَةِ هُوَ رَحْمَةٌ بِالعِبَادِ، لِيَظَلُّوا عَلَى وَجَلٍ وَاسْتِعْدَادٍ، وَرَدٌّ عَلَى كُلِّ دَجَّالٍ أَوْ مُنَجِّمٍ يَدَّعِي مَعْرِفَةَ نِهَايَةِ العَالَمِ، وأنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَلَكِنَّ مَوْعِدَهَا سِرٌّ مَكْنُونٌ عِنْدَ رَبِّ العَالَمِينَ.
وَالمِفْتَاحُ الثَّانِي: {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ}: فَاللهُ وَحْدَهُ هُوَ الذِي يَعْلَمُ مَتَى يَنْزِلُ المَطَرُ، وَفِي أَيِّ بَلَدٍ، وَكَمْ مِقْدَارُ قَطَرَاتِهِ، وَمَا نَرَاهُ اليَوْمَ مِنْ تَقَدُّمٍ فِي عِلْمِ الأَرْصَادِ، لَيْسَ إِلَّا تَوَقُّعَاتٍ بَنَاهَا الإِنْسَانُ عَلَى سُنَنٍ كَوْنِيَّةٍ، بَعْدَ تَشَكُّلِ السَّحَابِ، أَمَّا أَصْلُ نُزُولِهِ، وَأَسْرَارُ بَرَكَتِهِ، فَهِيَ بِيَدِ اللهِ وَحْدَهُ، وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ. فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ قَالَ فُلاَنٌ. لِلاِسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ لاِسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا قَالَ أَمَّا إِذَا قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ».
ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ: {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ}: فلَا يَعْلَمُ مآل الانسان: هَلْ هُوَ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، أَبْيَضُ أَوْ أَسْوَدُ، طَوِيلُ العُمْرِ أَوْ قَصِيرُهُ إِلَّا اللهُ، وَمَا بَلَغَهُ العِلْمُ الحَدِيثُ فِي مَعْرِفَةِ نَوْعِ الجَنِينِ هُوَ نَظَرٌ إِلَى مَخْلُوقٍ قَدْ وُجِدَ، أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ، وَمَا يَكُونُ مِنْ حَالِهِ وَمُسْتَقْبَلِهِ، فَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا البَارِئُ المُصَوِّرُ. وفي صحيح البخاري: (أن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ – رضي الله عنه – حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَهْوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ «إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى لاَ يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلاَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»
وتَأَمَّلُوا فِي قَوْلِهِ: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا}: فهَذَا نَفْيٌ قَاطِعٌ لِقُدْرَةِ الإِنْسَانِ عَلَى مَعْرِفَةِ رِزْقِهِ أَوْ عَمَلِهِ فِي المُسْتَقْبَلِ بِيَقِينٍ، فقَدْ تُخَطِّطُ وَتُدَبِّرُ، وَلَكِنَّ تَدْبِيرَ اللهِ هُوَ الغَالِبُ، وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى الَّذِينَ يَتَعَلَّقُونَ بِالأَبْرَاجِ، وَقِرَاءَةِ الكَفِّ، وَالفِنْجَانِ، فَكُلُّ هَذَا مِنَ الدَّجَلِ الذِي يُنَافِي التَّوْحِيدَ، فالرِّزْقُ مَكْتُوبٌ، وَالغَدُ مَحْجُوبٌ، وَمَا عَلَى الإِنْسَانِ إِلَّا السَّعْيُ وَالتَّوَكُّلُ عَلَى مَنْ بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، فعِلْمكَ بِغَدِكَ مَفْقُودٌ، لِيَبْقَى قَلْبُكَ بِخَالِقِكَ مَوْصُولٌ.
أَمَّا الخَاتِمَةُ الَّتِي تَهْتَزُّ لَهَا القُلُوبُ، فَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}: فالمَوْتُ هُوَ اليَقِينُ الذِي نَسِيَهُ النَّاسُ، وَمَكَانُهُ هُوَ السِّرُّ الذِي لَمْ يَكْتَشِفْهُ بَشَرٌ، فقَدْ تَمُوتُ فِي بَيْتِكَ، أَوْ فِي غُرْبَتِكَ، أَوْ فِي طَرِيقِكَ، فلَا المَالُ يَدْفَعُ المَوْتَ، وَلَا الحِذْرُ يَمْنَعُ القَدَرَ. وفي مسند أحمد: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «كَانَ دَاوُدُ النَّبِيُّ فِيهِ غَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ وَكَانَ إِذَا خَرَجَ أُغْلِقَتِ الأَبْوَابُ فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى أَهْلِهِ أَحَدٌ حَتَّى يَرْجِعَ – قَالَ – فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ وَغُلِّقَتِ الدَّارُ فَأَقْبَلْتِ امْرَأَتُهُ تَطَّلِعُ إِلَى الدَّارِ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ وَسَطَ الدَّارِ فَقَالَتْ لِمَنْ فِي الْبَيْتِ مِنْ أَيْنَ دَخَلَ هَذَا الرَّجُلُ الدَّارَ وَالدَّارُ مُغْلَقَةٌ وَاللَّهِ لَتُفْتَضَحُنَّ بِدَاوُدَ. فَجَاءَ دَاوُدُ فَإِذَا الرَّجُلُ قَائِمٌ وَسَطَ الدَّارِ فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا الَّذِي لاَ أَهَابُ الْمُلُوكَ وَلاَ يَمْتَنِعُ مِنِّي شَيْءٌ فَقَالَ دَاوُدُ أَنْتَ وَاللَّهِ مَلَكُ الْمَوْتِ فَمَرْحَباً بِأَمْرِ اللَّهِ. فَرَمَلَ دَاوُدُ مَكَانَهُ حَيْثُ قُبِضَتْ رُوحُهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ شَأْنِهِ وَطَلعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَقَالَ سُلَيْمَانُ لِلطَّيْرِ أَظِلِّي عَلَى دَاوُدَ. فَأَظَلَّتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ حَتَّى أَظْلَمَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ فَقَالَ لَهَا سُلَيْمَانُ اقْبِضِي جَنَاحاً جَنَاحاً». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُرِينَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَيْفَ فَعَلَتِ الطَّيْرُ وَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ -صلى الله عليه وسلم- وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ الْمَضْرَحِيَّةُ). أي: (الصقر طويل الجناحين أو النسر)
وذُكر في قصص السابقين: (أن وزيراً جليل القدر كان عند داود عليه السلام، فلما مات داود صار وزيراً عند سليمان بن داود، فكان سليمان عليه السلام يوماً جالساً في مجلسه في الضحى وعنده هذا الوزير فدخل عليه رجل فسلّم عليه وجعل هذا الرجل يحادث سليمان ويحدّ النظر إلى هذا الوزير ففزع الوزير منه، فلما خرج الرجل قام الوزير وسأل سليمان وقال: يا نبي الله! من هذا الرجل الذي خرج من عندك؟ قد والله أفزعني منظره؟ فقال سليمان: هذا ملك الموت يتصور بصورة رجل ويدخل عليَّ، ففزع الوزير وبكى وقال: يا نبي الله أسألك بالله أن تأمر الريح فتحملني إلى أبعد مكان إلى الهند، فأمر سليمان الريح فحملته، فلما كان من الغد دخل ملك الموت على سليمان يسلم عليه كما كان يفعل، فقال له سليمان: قد أفزعت صاحبي بالأمس فلماذا كنت تحد النظر إليه، فقال ملك الموت: يا نبي الله إني دخلت عليك في الضحى وقد أمرني الله أن أقبض روحه بعد الظهر في الهند فعجبت أنه عندك، قال سليمان: فماذا فعلت؟ فقال ملك الموت: ذهبت إلى المكان الذي أمرني بقبض روحه فيه فوجدته ينتظرني، فقبضت روحه؟)
واعلموا أنَّ إِخْفَاءَ مَكَانِ المَوْتِ وَزَمَانِهِ يُوجِبُ عَلَى العَبْدِ أَنْ يَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ وَإِيمَانٍ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ؛ لِأَنَّ الخَاتِمَةَ قَدْ تَكُونُ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبُ، فَيَا مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيَا، كَيْفَ تَعْصِي اللهَ وَأَنْتَ لَا تَدْرِي أَيْنَ مَصْرَعُكَ؟، وَكَيْفَ تُسَوِّفُ التَّوْبَةَ وَأَنْتَ لَا تَمْلِكُ دَقِيقَةً مِنْ غَدِكَ؟.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقوله تَعَالَى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا} [الأنعام:59]. وقوله (صلى الله عليه وسلم): “مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ” [رواه أبو داود وصححه الألباني]. فإِنَّ الوُقُوفَ عِنْدَ “مَفَاتِحِ الغَيْبِ” يُثْمِرُ فِي القَلْبِ التَّسْلِيمَ المُطْلَقَ لِلهِ تعالى، فحِينَ تَعْلَمُ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، تَسْكُنُ نَفْسُكَ وَيَقِلُّ قَلَقُكَ عَلَى المُسْتَقْبَلِ، فالإِيمَانُ بِالغَيْبِ هُوَ أَوَّلُ صِفَةٍ لِلْمُتَّقِينَ فِي صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ،
ولَقَدْ حَمَانَا الإِسْلَامُ مِنْ أَوْهَامِ الكَهَنَةِ وَالمُشَعْوِذِينَ، وَرَبَطَنَا بِمُسَبِّبِ الأَسْبَابِ، فمَنْ آمنَ بِأَنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ، لَمْ يَبْحَثْ عَنْ طَلَبِ حَاجَتِهِ عِنْدَ بَشَرٍ ضَعِيفٍ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً، فاجْعَلُوا مِنْ عِلْمِ اللهِ بِخَوَاتِيمِكُمْ دَافِعاً لِلثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ.
ونَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَنْ يَرْزُقَنَا حُسْنَ الخَاتِمَةِ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ رَضُوا بِقَضَائِهِ وَآمَنُوا بِغَيْبِهِ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ. اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَعْمَارِنَا، وَاجْعَلْ خَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ، وَأَنْتَ عَنَّا رَاضٍ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
فإِذَا عَلِمْنَا أَنَّ اللهَ وَحْدَهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ، فَمَا هُوَ وَاجِبُنَا؟:
أَوَّلًا: الِاسْتِسْلَامُ وَالرِّضَا: مَا دَامَ غَدِي بِيَدِ اللهِ، فَلَا دَاعِيَ لِلْقَلَقِ. المُؤْمِنُ يَفْعَلُ الأَسْبَابَ وَيَتْرُكُ النَّتَائِجَ لِلَّطِيفِ الخَبِيرِ.
ثَانِيًا: حُسْنُ الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَوْتِ: بِمَا أَنَّكَ لَا تَدْرِي مَتَى وَأَيْنَ تَمُوتُ، فَلْتَكُنْ عَلَى طَاعَةٍ دَائِمَةٍ، فمَنْ عَاشَ عَلَى شَيْءٍ مَاتَ عَلَيْهِ، وَمَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءٍ بُعِثَ عَلَيْهِ.
ثَالِثًا: قُوَّةُ الدُّعَاءِ: إِذَا كُنْتَ تَخْشَى مَجْهُولًا فِي مُسْتَقْبَلِكَ، فَالْجَأْ إِلَى مَنْ يَعْلَمُ الغَيْبَ؛ فَدُعَاؤُكَ يَرُدُّ القَضَاءَ، وَيُبَدِّلُ الضِّيقَ فَرَجًا.
فيَا عِبَادَ اللهِ.. فهذه الآيات تقول لَنَا: بَعْدَ كُلِّ الوَصَايَا وَالأَحْكَامِ، اعْلَمُوا أَنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، فَلَا تَتَعَلَّقُوا بِمَنْ دُونِهِ، وَاجْعَلُوا مَلَاذَكُمْ رَبَّ العَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ مُسْتَقْبَلَنَا خَيْرًا مِنْ مَاضِينَا، وَتَوَفَّنَا وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا. اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا فِي فِلَسْطِينَ، وَاجْعَلْ غَيْبَ الأَيَّامِ القَادِمَةِ فَتْحًا وَنَصْرًا لَهُمْ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا، وَارْزُقْنَا الإِيمَانَ بِقَضَائِكَ وَقَدَرِكَ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
الدعاء
