خطبة عن (فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ)
يونيو 11, 2026الْخُطْبَةُ الْأُولَىٰ (فِي الْهِجْرَةِ دُرُوسٌ وَعِبَرٌ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (40) التوبة، وفي صحيح البخاري: (عَنْ عَائِشَةَ – رضي الله عنها – قَالَتْ لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – إِلاَّ يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا إِلاَّ وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا، فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، إِلاَّ لأَمْرٍ حَدَثَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ. يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ. قَالَ «أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ». قَالَ الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «الصُّحْبَةَ». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إِحْدَاهُمَا. قَالَ «قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ».
إخوة الإسلام
اللهُ أَكْبَرُ كُلَّمَا هَاجَرَ قَلْبٌ إِلَى رَبِّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الهِجْرَةَ فَاصِلَةً بَيْنَ عَهْدِ الِاسْتِضْعَافِ وَعَهْدِ التَّمْكِينِ، وإِنَّنَا اليَوْمَ- إن شاء الله تعالى- نَقِفُ مَعَ أَعْظَمِ تَحَوُّلٍ فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ، نَقِفُ مَعَ ذِكْرَىٰ هِجْرَةِ المُصْطَفَى (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، من مكة المكرمة، إلى المدينة المنورة، لِنَسْتَلْهِمَ مِنْهَا دُرُوساً تَبْنِي وَاقِعَنَا، وَعِبَراً تُضِيءُ دَرْبَنَا فِي زَمَنِ الغُرْبَةِ وَالفِتَنِ.
فإِنَّ أَوَّلَ مَعَالِمِ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ هِيَ حَقِيقَةُ “الفِرَارِ إِلَى اللهِ تَعَالَى”؛ فَلَمْ يَكُنْ خُرُوجُ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ هَرَبًا مِنْ مَعْرَكَةٍ، أَوْ بَحْثًا عَنْ رَغَدِ عَيْشٍ، بَلْ كَانَ فِرَارًا بِالْعَقِيدَةِ، وَتَضْحِيَةً بِالْأَوْطَانِ، وَالْأَمْوَالِ، لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا، وَمِنْ هُنَا نَتَعَلَّمُ “التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ مَعَ الأَخْذِ بِالأَسْبَابِ”، كَمَنْظُومَةٍ إِيمَانِيَّةٍ كَامِلَةٍ؛ فَالنَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هُوَ المَؤَيَّدُ بِالْوَحْيِ، كَانَ قَادِرًا أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى المَدِينَةِ عَلَى مَتْنِ البُرَاقِ فِي لَمْحِ البَصَرِ، ولَكِنَّهُ سَارَ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَتَخَفَّى فِي الغَارِ، وَاسْتَأْجَرَ الدَّلِيلَ، لِيُعَلِّمَ الأُمَّةَ: أَنَّ الِاعْتِمَادَ القَلْبِيَّ يَكُونُ عَلَى المُسَبِّبِ، مَعَ بَذْلِ الجُهْدِ البَشَرِيِّ فِي الأَسْبَابِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا المَشْهَدَ النَّبَوِيَّ البَاهِرَ، حِينَ جَاءَ الإِذْنُ الإِلَهِيُّ بِالتَّحَرُّكِ؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَى بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَقَالَ لَهُ: «أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ؟»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الصُّحْبَةَ». فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ!، وهُنَا نَقِفُ مَعَ سُنَّةِ “اخْتِيَارِ الصَّاحِبِ”؛ فَالطَّرِيقُ طَوِيلٌ، وَالمَخَاطِرُ جَمَّةٌ، وَالمُؤْمِنُ بِأَخِيهِ كَثِيرٌ.
وَمَا أَجْمَلَ فِقْهَ “التَّخْطِيطِ الجَيِّدِ، وَكِتْمَانِ السِّرِّ” الَّذِي ظَهَرَ فِي الرِّحْلَةِ؛ حَيْثُ حُدِّدَتِ الأَدْوَارُ بِدِقَّةٍ، فَعَلِيٌّ يَنَامُ فِي الفِرَاشِ، وَأَسْمَاءُ تَأْتِي بِالزَّادِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَتَقَصَّى الأَخْبَارَ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يُعَمِّي الآثَارَ، كُلُّ ذَلِكَ فِي سِرِّيَّةٍ تَامَّةٍ قَطَعَتْ عَلَى قُرَيْشٍ سُبُلَ الوُصُولِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَلِأَنَّ الأَسْبَابَ البَشَرِيَّةَ مَهْمَا كَمُلَتْ تَبْقَى قَاصِرَةً، فَقَدْ جَاءَتْ عَقِبَهَا سُنَّةُ “حِفْظِ اللهِ وَعِنَايَتِهِ” لِأَوْلِيَائِهِ؛ حَيْثُ وَقَفَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ عَلَى شَفَا الغَارِ، حَتَّى رَأَى أَبُو بَكْرٍ أَقْدَامَهُمْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَرَآنَا! فَقَالَ لَهُ المُصْطَفَى بِيَقِينٍ يَهْتَزُّ لَهُ الوُجُودُ: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟». ففي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي بَكْرٍ – رضي الله عنه – قَالَ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – وَأَنَا فِي الْغَارِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا. فَقَالَ «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا»
وهُنَا تَتَجَلَّى “فَضَائِلُ أَبِي بَكْرٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ” الَّذِينَ بَذَلُوا نُفُوسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ؛ فَقَدْ جَاءَ الصِّدِّيقُ بِمَالِهِ كُلِّهِ لِلْخُرُوجِ، وَخَرَجَتْ أَسْمَاءُ شَاقَّةً نِطَاقَهَا لِتَرْبِطَ الجِهَازَ، فَصَارَتْ بَيْتَ الأَمَانِ الَّذِي انْطَلَقَتْ مِنْهُ دَعْوَةُ التَّمْكِينِ.
ففي صحيح البخاري: (قال أبو بكر: (أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا، وَمِنَ الْغَدِ حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَخَلاَ الطَّرِيقُ لاَ يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ، فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ، لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَنَزَلْنَا عِنْدَهُ ،وَسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – مَكَانًا بِيَدِي يَنَامُ عَلَيْهِ، وَبَسَطْتُ فِيهِ فَرْوَةً، وَقُلْتُ نَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ. فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي أَرَدْنَا فَقُلْتُ لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلاَمُ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ. قُلْتُ أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ قَالَ نَعَمُ. قُلْتُ أَفَتَحْلُبُ قَالَ نَعَمْ. فَأَخَذَ شَاةً. فَقُلْتُ انْفُضِ الضَّرْعَ مِنَ التُّرَابِ وَالشَّعَرِ وَالْقَذَى. قَالَ فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الأُخْرَى يَنْفُضُ، فَحَلَبَ فِي قَعْبٍ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، وَمَعِي إِدَاوَةٌ حَمَلْتُهَا لِلنَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – يَرْتَوِى مِنْهَا، يَشْرَبُ وَيَتَوَضَّأُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ، فَوَافَقْتُهُ حِينَ اسْتَيْقَظَ ، فَصَبَبْتُ مِنَ الْمَاءِ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ ،فَقُلْتُ اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ – قَالَ – فَشَرِبَ، حَتَّى رَضِيتُ ثُمَّ قَالَ «أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ». قُلْتُ بَلَى – قَالَ – فَارْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا مَالَتِ الشَّمْشُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ، فَقُلْتُ أُتِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ «لاَ تَحْزَنْ، إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا». فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا – أُرَى فِي جَلَدٍ مِنَ الأَرْضِ، شَكَّ زُهَيْرٌ – فَقَالَ إِنِّي أُرَاكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَىَّ فَادْعُوَا لِي، فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ. فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – فَنَجَا فَجَعَلَ لاَ يَلْقَى أَحَدًا إِلاَّ قَالَ كَفَيْتُكُمْ مَا هُنَا. فَلاَ يَلْقَى أَحَدًا إِلاَّ رَدَّهُ. قَالَ وَوَفَى لَنَا)
ألا فَاجْعَلُوا هَذِهِ المَعَانِيَ نِبْرَاساً لَكُمْ؛ تَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ، وَأَحْسِنُوا التَّخْطِيطَ فِي حَيَاتِكُمْ، وَاخْتَارُوا رُفَقَاءَ الصَّلَاحِ الَّذِينَ يُعِينُونَكُمْ عَلَى الثَّبَاتِ، حَتَّىٰ تَنَالُوا كَرَامَةَ المَعِيَّةِ وَالعِنَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وعِنْدَمَا وَصَلَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، اسْتَقْبَلَهُ المَشْهَدُ الأَعْظَمُ لِـ “حُبِّ الأَنْصَارِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُهَاجِرِينَ”؛ فَقَدْ تَنَافَسَتْ قَبَائِلُهُمْ عَلَى نَيْلِ شَرَفِ ضِيَافَتِهِ، وَفَتَحُوا بُيُوتَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ لِإِخْوَانِهِمْ.
ففي صحيح البخاري: (نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – جَانِبَ الْحَرَّةِ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الأَنْصَارِ، فَجَاءُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَسَلَّمُوا عَلَيْهِمَا، وَقَالُوا ارْكَبَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ. فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَأَبُو بَكْرٍ، وَحَفُّوا دُونَهُمَا بِالسِّلاَحِ، فَقِيلَ فِي الْمَدِينَةِ جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ، جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. فَأَشْرَفُوا يَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ، جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ. فَأَقْبَلَ يَسِيرُ حَتَّى نَزَلَ جَانِبَ دَارِ أَبِى أَيُّوبَ، فَإِنَّهُ لَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ، إِذْ سَمِعَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ وَهْوَ فِي نَخْلٍ لأَهْلِهِ يَخْتَرِفُ لَهُمْ، فَعَجِلَ أَنْ يَضَعَ الَّذِي يَخْتَرِفُ لَهُمْ فِيهَا، فَجَاءَ وَهْيَ مَعَهُ ،فَسَمِعَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا أَقْرَبُ». فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذِهِ دَارِي، وَهَذَا بَابِي. قَالَ «فَانْطَلِقْ فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلاً». قَالَ قُومَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ)،
وفي صحيح البخاري أيضا: (وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – مِنْ مَكَّةَ، فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الْحَرَّةِ فَيَنْتَظِرُونَهُ، حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ، فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ، فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ، أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ لأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ، فَلَمْ يَمْلِكِ الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا مَعَاشِرَ الْعَرَبِ هَذَا جَدُّكُمُ الَّذِى تَنْتَظِرُونَ. فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السِّلاَحِ، فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – بِظَهْرِ الْحَرَّةِ، فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِى عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يُحَيِّى أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – عِنْدَ ذَلِكَ ،فَلَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فِي بَنِى عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَأُسِّسَ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ – صلى الله عليه وسلم – بِالْمَدِينَةِ، وَهْوَ يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ غُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ «هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْمَنْزِلُ». ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – الْغُلاَمَيْنِ، فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالاَ لاَ بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ، وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ «هَذَا الْحِمَالُ لاَ حِمَالَ خَيْبَرْ هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ». وَيَقُولُ «اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ فَارْحَمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ»
وَمِنْ هُنَا بَدَأَ المُصْطَفَى فِي إِرْسَاءِ “أُسُسِ بِنَاءِ دَوْلَةِ الإِسْلَامِ”، وَكَانَ الرُّكْنُ الأَوَّلُ هُوَ “بِنَاءُ المَسْجِدِ”؛ لِيَكُونَ مَرْكَزَ القِيَادَةِ، وَمَحِلَّ العِبَادَةِ، وَمَدْرَسَةَ تَرْبِيَةِ الأَرْوَاحِ، فَلَا تَقُومُ دَوْلَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَّا إِذَا ارْتَبَطَتْ مَحَارِيبُهَا بِسَاحَاتِ العَمَلِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الْخُطْبَةُ الْثانية (فِي الْهِجْرَةِ دُرُوسٌ وَعِبَرٌ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ثُمَّ جَاءَ الرُّكْنُ الِاجْتِمَاعِيُّ الأَعْظَمُ؛ وَهُوَ “أُخُوَّةُ الإِيمَانِ بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ”؛ حَيْثُ أَذَابَ الإِسْلَامُ الفَوَارِقَ النَّسَبِيَّةَ، وَقَامَتْ أَعْظَمُ صُوَرِ “كَرَمِ الأَنْصَارِ، وَعِفَّةِ المُهَاجِرِينَ”، فَقَدْ عَرَضَ الأَنْصَارِيُّ مُقَاسَمَةَ مَالِهِ وَبَيْتِهِ، فَكَانَ رَدُّ المُهَاجِرِيِّ – كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ – بِأَعْلَى دَرَجَاتِ العِفَّةِ: «دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ».
وَلَمْ يَقِفِ الإِصْلَاحُ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، بَلْ بَادَرَ النَّبِيُّ إِلَى “الإِصْلَاحِ بَيْنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ” لِيَقْتَلِعَ دَاحِسَ الغِلِّ الجَاهِلِيِّ، الَّذِي مَزَّقَهُمْ سَنَوَاتٍ، ثُمَّ تَتَوَّجَتْ هَذِهِ الجُهُودُ بِكِتَابَةِ “وَثِيقَةِ المَدِينَةِ”؛ الَّتِي نَظَّمَتْ حُقُوقَ المُواطَنَةِ، وَأَمَّنَتْ أَهْلَ الكِتَابِ، وَوَضَعَتْ قَوَانِينَ العَدْلِ لِلْجَمِيعِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ دَوْلَةَ الإِسْلَامِ الَّتِي تَأَسَّسَتْ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَوَحْدَةِ الصَّفِّ، وَالعِفَّةِ، وَالأَمَانَةِ، هِيَ النَّمُوذَجُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ نُحْيِيَهُ اليَوْمَ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا.
فتَعَلَّمُوا مِنَ الهِجْرَةِ أَنَّ العِزَّةَ لَا تَكُونُ بِالتَّمَزُّقِ وَالتَّحَزُّبِ، بَلْ بِالتَّضَامُنِ وَنَصْرَةِ الحَقِّ، واِجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَحَاضِنَ لِلْأُخُوَّةِ، وَأَعْمَالَكُمْ مَيَادِينَ لِلْكَدِّ وَالعِفَّةِ، لِتَعُودَ لِلْأُمَّةِ هَيْبَتُهَا وَمَكَانَتُهَا السَّامِيَةُ بَيْنَ العَالَمِينَ.
فَلْنَعْزِمِ النِّيَّةَ عَلَى جَعْلِ ذِكْرَى الهِجْرَةِ بِدَايَةً لِهِجْرَةِ الذُّنُوبِ وَالمَعَاصِي. فاللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي عَامِنَا الهِجْرِيِّ الجَدِيدِ، وَاجْعَلْهُ عَامَ خَيْرٍ وَنَصْرٍ لِلْمُسْلِمِينَ، وأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا كَمَا أَلَّفْتَ بَيْنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، وَارْزُقْنَا أُخُوَّةً صَادِقَةً كَأُخُوَّةِ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ. واحْفَظْ بُيُوتَنَا بِالإِيمَانِ، وَاجْعَلْ مَسَاجِدَنَا مَنَارَاتٍ لِلْهُدَى،
الدعاء
