خطبة عن (فَضَائِلُ الصَّدَقات)
يونيو 30, 2026الخطبة الأولى (صَاحِبُ الجَنَّتَيْنِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا) (32): (44) الكهف.
إخوة الإسلام
إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ الرَّبَّانِيَّ هُوَ المـَنْبَعُ الأَعْظَمُ، الَّذِي نَسْتَقِي مِنْهُ عِلَاجَ أَمْرَاضِنَا النَّفْسِيَّةِ وَالأَخْلَاقِيَّةِ ،وَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ لَمْ يَسْرُدِ القِصَصَ فِي سُورَةِ الكَهْفِ، لِمُجَرَّدِ حِكَايَةِ أَخْبَارِ الغَابِرِينَ، بَلْ نَصَبَهَا لَنَا مَحَاكِمَ لِلْعَقْلِ، وَمَزَاجِرَ لِلْقُلُوبِ؛ كَيْ تَعْلَمَ الأُمَّةُ، كَيْفَ تَتَعَامَلُ مَعَ نِعَمِ اللَّهِ إِذَا أَقْبَلَتْ، وَكَيْفَ تَحْذَرُ مِنْ شُؤْمِ الزَّوَالِ إِذَا بَطِرَتِ النُّفُوسُ.
وَإِنَّ حِبَالَ مَوْضُوعِنَا اليَوْمَ مَمْدُودَةٌ، وَزَوَايَا أَحْدَاثِهِ مُتَعَدِّدَةٌ عَمِيقَةٌ؛ حَيْثُ نَبْدَأُ الإِبْحَارَ فِي قِصَّةِ “صَاحِبِ الجَنَّتَيْنِ“؛ تِلْكَ المـَلْحَمَةِ، الَّتِي صَوَّرَتْ لَنَا أَعْلَىٰ مَرَاتِبِ الجَمَالِ الكَوْنِيِّ، الَّذِي أَبْدَعَهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَقَابَلَهُ الإِنْسَانُ بِأَبْشَعِ صُوَرِ الجُحُودِ وَالِاسْتِعْلَاءِ الحَضَارِيِّ.
تَأَمَّلُوا أَوَّلًا: هَذَا الإِبْدَاعَ الإِلَهِيَّ فِي تَشْيِيدِ النِّعْمَةِ؛ رَجُلٌ مَنَحَهُ اللَّهُ (جَنَّتَيْنِ) عِمْلَاقَتَيْنِ، لَمْ تَكُونَا مِنْ حَشِيشٍ، أَوْ زَرْعٍ عَابِرٍ، بَلْ جَعَلَ أُصُولَهُمَا مِنْ أَعْنَابٍ مُتَدَلِّيَةٍ نَاضِرَةٍ، وَلَمْ يَتْرُكْهُمَا مَكْشُوفَتَيْنِ لِعَوَاصِفِ الرِّيَاحِ، الَّتِي قَدْ تُتْلِفُ الثِّمَارَ، بَلْ قَال تَعَالَىٰ: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾؛ فَجَعَلَ أَشْجَارَ النَّخْلِ البَاسِقَةِ، تُحِيطُ بِالبَسَاتِينِ، كَالأَسْوَارِ المـَنِيعَةِ، الَّتِي تَمْنَحُ المـَكَانَ ظِلًّا، وَأَمْنًا، وَبَهَاءً، وَثَمَرًا غَالِيًا، وَلَمْ يَقْتَصِرِ العَطَاءُ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، بَلْ جَعَلَ اللَّهُ ﴿بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾، فَهِيَ مَشَارِيعُ زِرَاعِيَّةٌ مُتَكَامِلَةٌ، يَنْبِتُ فِيهَا كُلُّ نَبَاتٍ بَهِيجٍ.
وَلِأَنَّ المـَعَاشَ لَا يَقُومُ إِلَّا عَلَىٰ المـَاءِ، فَلَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ يَحْتَاجُ إِلَىٰ مَشَقَّةِ حَفْرِ الآبَارِ، أَوْ جَلْبِ الآلَاتِ لِلسُّقْيَا، بَلْ جَاءَتِ الرَّحْمَةُ الرَّبَّانِيَّةُ فَوْقَ مَا يَتَمَنَّىٰ: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾؛ نَهَرٌ عَذْبٌ جَارٍ، يَشُقُّ قَلْبَ الجَنَّتَيْنِ، لِيَسْقِيَ الأُصُولَ وَالفُرُوعَ صَبَاحَ مَسَاءَ، بِلَا كَلَلٍ وَلَا مَلَلٍ!، وَكَانَتِ النَّتِيجَةُ الِاقْتِصَادِيَّةُ بَاهِرَةً: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾، أَيْ: لَمْ تَنْقُصِ الثِّمَارُ، وَلَمْ تُصَبْ بِجَائِحَةٍ، بَلْ أَخْرَجَتْ كُلَّ طَاقَتِهَا بِإِتْقَانٍ إِلَهِيٍّ فَرِيدٍ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ولَكِنَّ هَذَا النَّعِيمَ الظَّاهِرَ، الَّذِي يَبْهَرُ العُيُونَ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يَسُوقَ صَاحِبَهُ إِلَىٰ مِحْرَابِ التَّوَاضُعِ ،وَالسُّجُودِ لِلَّهِ، الَّذِي فَجَّرَ لَهُ الأَنْهَارَ، وَأَنْبَتَ لَهُ الثِّمَارَ، أَفْسَدَ الهَنْدَسَةَ النَّفْسِيَّةَ فِي دَاخِلِهِ؛ فَرَكِبَهُ الغُرُورُ، وَتَمَلَّكَهُ الوهْمُ، وَانْطَلَقَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ المُؤْمِنِ “مُحَاوَرَةٌ خَالِدَةٌ فِي مِيزَانِ الشَّرِيعَةِ”؛ مُحَاوَرَةٌ بَيْنَ كَافِرٍ جَاحِدٍ، يَظُنُّ أَنَّ المـَادَّةَ هِيَ كُلُّ شَيْءٍ، وَبَيْنَ مُؤْمِنٍ شَاكِرٍ، يَعْلَمُ أَنَّ الدُّنْيَا عَارِيَةٌ سَتُسْتَرَدُّ.
فَقَالَ الجَاحِدُ لِصَاحِبِهِ بِكِبْرِيَاءِ الِاسْتِعْلَاءِ، وَالأَنَانِيَّةِ المـَقِيتَةِ: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾!، لَقَدْ قَاسَ قِيمَةَ نَفْسِهِ، وَقِيمَةَ الرِّجَالِ بَيْنَهُ، بِمِعْيَارِ الأَمْوَالِ الَّتِي فِي الخَزَائِنِ، وَبِعَدَدِ الحَاشِيَةِ، وَالعَبِيدِ، وَالأَوْلَادِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِهِ، وَجَعَلَ نَظَرَهُ مَحْصُورًا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، لَا يَرَىٰ سَقْفَ السَّمَاءِ الَّتِي تُمْطِرُ، وَلَا قُدْرَةَ الرَّبِّ الَّذِي يَهَبُ.
وَبَلَغَ الطُّغْيَانُ النَّفْسِيُّ بِهَذَا الرَّجُلِ ذُرْوَتَهُ، حِينَ دَخَلَ بَسَاتِينَهُ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ بِالكُفْرِ، فَنَظَرَ إِلَىٰ امْتِدَادِ الأَشْجَارِ، وَتَدَفُّقِ الأَنْهَارِ، فَقَالَ بِيَقِينٍ مَادِّيٍّ أَعْمَىٰ: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾!
لَقَدْ ظَنَّ أَنَّ مَشَارِيعَهُ الِاقْتِصَادِيَّةَ مَعْصُومَةٌ مِنَ السُّقُوطِ، وَأَنَّ الثَّرْوَةَ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ خَالِدَةٌ، لَا تَطَالُهَا يَدُ المـَقَادِيرِ، بَلْ زَادَ فِي عَبَثِهِ الفِكْرِيِّ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾؛ فَأَنْكَرَ البَعْثَ، وَأَنْكَرَ الحِسَابَ، وَظَنَّ أَنَّ هَذِهِ الحَيَاةَ لَعِبٌ بِلَا آخِرَةٍ.
وَيبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تفلت الناس من الطاعة إلى المعصية، ومن الشكر إلى الكفر، ففِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَٰذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ: هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، فَتَغْلِبُونِي تَقْتَحِمُونَ فِيهَا».
وَلَمْ يَقِفْ الرجل الجاحد لنعمة ربه عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، بَلْ زَعَمَ فِي غُرُورِهِ، أَنَّهُ حَتَّىٰ لَوْ رُدَّ إِلَىٰ اللَّهِ يَوْمًا، فَإِنَّهُ سَيَنَالُ جَنَّاتٍ أَعْظَمَ، وَعِزَّةً أَكْبَرَ هُنَاكَ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ إِعْطَاءَ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا، هُوَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَىٰ كَرَامَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ!.
وَهَذَا هُوَ الوَهْمُ، وهم “الخُلُودِ المـَادِّيِّ” الَّذِي تَعِيشُهُ الحَضَارَاتُ الجَاحِدَةُ فِي كُلِّ عَصْرٍ، حِينَ تَظُنُّ أَنَّ قُوَّتَهَا التِّقْنِيَّةَ، وَالِاقْتِصَادِيَّةَ، هِيَ حِصْنُهَا مِنَ الهَلَاكِ الإِلَهِيِّ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
هُنَا يَبْرُزُ لَنَا فِقْهُ “الأَدَبِ الدَّعَوِيِّ، وَأُسْلُوبِ الحِوَارِ، وَالمـُنَاقَشَةِ وَالإِقْنَاعِ”، مِنَ الصَّاحِبِ المُؤْمِنِ؛ فَلَمْ تَمْنَعْهُ قِلَّةُ مَالِهِ، وَلَا ضَعْفُ مَكَانَتِهِ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، مِنْ أَنْ يَصْدَعَ بِالحَقِّ، وَأن يَقُومَ بِوَاجِبِ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ المـُنْكَرِ، نُصْحًا لِصَاحِبِهِ؛ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: (مِنْ حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الـمُجَاشِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَىٰ إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّىٰ لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَىٰ أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَىٰ أَحَدٍ».
فَقَالَ لَهُ صاحبه المؤمن بِلِسَانِ الِاسْتِنْكَارِ العَقَدِيِّ، الَّذِي يَهَزُّ جُدْرَانَ القَلْبِ: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾؟،
لَقَدْ أَرَادَ الرجل المُؤْمِنُ بِهَذَا التَّأْصِيلِ أَنْ يَكْسِرَ كِبْرِيَاءَ هَذَا الطَّاغِيَةِ، بِتَذْكِيرِهِ بِبِدَايَتِهِ الحَقِيرَةِ؛ فكَيْفَ تَتَكَبَّرُ أَيُّهَا الإِنْسَانُ، وَأَنْتَ خُلِقْتَ مِنْ تُرَابٍ، يُدَاسُ عَلَيْهِ بِالأَقْدَامِ؟!، ثُمَّ مِنْ قَطْرَةِ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ لَوْلَا تَقْوِيمُ اللَّهِ لَكَ، لَمَا كُنْتَ رَجُلًا سَوِيًّا، يَمْشِي بَيْنَ العِبَادِ!
ثُمَّ أَعْلَنَ صاحبه المُؤْمِنُ يَقِينَهُ الصَّافِي فَقَالَ: ﴿لَٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾. وَأَرْشَدَهُ إِلَىٰ “دُسْتُورِ الحِمَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ”، الَّتِي نَحْتَاجُهَا اليَوْمَ، فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، لِحِفْظِ نِعَمِنَا مِنَ الزَّوَالِ؛ فَقَالَ لَهُ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
إِنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ العَظِيمَةَ (مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)،هِيَ الحِصْنُ المـَنِيعُ لِأَمْوَالِكُمْ، وَأَوْلَادِكُمْ، وَمَشَارِيعِكُمْ فِي الحَيَاةِ؛ لِأَنَّ العَبْدَ بِهَا يَبْرَأُ مِنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، وَيَكِلُ الأَمْرَ كُلَّهُ لِقُوَّةِ المـُنْعِمِ سُبْحَانَهُ، فَيَحْفَظُهَا اللَّهَ لَهُ مِنَ التَّلَفِ وَالحَسَدِ.
فَمَنْ نَظَرَ إِلَىٰ خَيْرٍ فِى بَيْتِهِ فَلْيَقُلْهَا (مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)؛ لِأَنَّ الِافْتِخَارَ الجَاحِدَ، أَمَامَ أَهْلِ الحَاجَةِ، هُوَ بِدَايَةُ السُّقُوطِ إِلَىٰ هَاوِيَةِ، وحَصَادِ الهَلَاكِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (صَاحِبُ الجَنَّتَيْنِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ فِي بَيَانِ نِهَايَةِ الجُحُودِ وَقَاصِمَةِ الغُرُورِ: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا * هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف:42-44].وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: (عَنْ كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لِأُمَّتِهِ مُحَذِّرًا مِنْ خَطَرِ الِانْغِمَاسِ فِي المـَادَّةِ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ»
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَعَالَوْا بِنَا لِنَسْتَرْسِلَ فِي بَيَانِ: “الدُّرُوسِ وَالعِبَرِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ”، الَّتِي يَجِبُ أَنْ نَفْهَمَهَا، مِنْ خِلَالِ هَذِهِ القِصَّةِ الشَّائِقَةِ، لِتَكُونَ زَادًا يَبْنِي عُقُولَنَا، وَبُيُوتَنَا، فِي هَذَا العَصْرِ المـَادِّيِّ المـُعَقَّدِ.
فإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ يَقْصِمُ ظُهُورَ المـُتَكَبِّرِينَ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَطُوفُ بِبَسَاتِينِهِ، مُخْتَالًا فَخُورًا أَمْسِ، نَزَلَ بِسَاحَتِهِ العِقَابُ الإِلَهِيُّ لَيْلًا، فِي صُورَةِ صَاعِقَةٍ، أَوْ جَائِحَةٍ مِنَ السَّمَاءِ؛ ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾! وَالإِحَاطَةُ فِي لُغَةِ الشَّرِيعَةِ هِيَ: الهَلَاكُ الشَّامِلُ، الَّذِي يَقْتَلِعُ كُلَّ أثرٍ لِلنِّعْمَةِ،
فَانْقَلَبَ ذَلِكَ الكِبْرُ الزَّائِفُ إِلَىٰ عِظَمِ النَّدَمِ وَالحَسْرَةِ؛ ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ تَعْبِيرًا عَنِ الفَجِيعَةِ القَاتِلَةِ، وَالعَجْزِ المـُطْلَقِ، وَهُوَ يَرَىٰ تِلْكَ العُرُوشَ الخَشَبِيَّةَ، الَّتِي أَنْفَقَ عَلَيْهَا مَالَهُ قَدْ سَقَطَتْ، وَمَاؤُهَا غَارَ فِى أَعْمَاقِ الأَرْضِ، فَلَا نَفْعَ فِيهِ!، وَصَرَخَ صَرْخَةً لَمْ تَنْفَعْهُ، بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾!
وَهُنَا نَقِفُ مَعَ زَوَايَا هَذِهِ العِبَرِ التَّطْبِيقِيَّةِ، الَّتِي نَحْتَاجُ إِلَىٰ زَرْعِهَا فِي نُفُوسِ أَبْنَائِنَا:
أَوَّلًا: قَانُونُ دَوَامِ النِّعَمِ بِالشُّكْرِ؛ فإِنَّ الصِّحَّةَ، وَالمـَالَ، وَالتِّجَارَةَ، وَالوِظِيفَةَ، لَيْسَتْ حُقُوقًا مُكْتَسَبَةً بِقُوَّتِكَ، أَوْ ذَكَائِكَ، بَلْ هِيَ مَوَاهِبُ رَبَّانِيَّةٌ، إِنْ قَابَلْتَهَا بِالشُّكْرِ وَالبَذْلِ، قُيِّدَتْ وَزَادَتْ كَمَا، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ إبراهيم:7،، وَإِنْ قَابَلْتَهَا بِالبَطَرِ، وَالِاحْتِكَارِ، وَالتَّعَالِي، فُجِّرَتْ، وَمُحِقَتْ مِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ.
ثَانِيًا: تَفْكِيكُ وَهْمِ الكَثْرَةِ المـَادِّيَّةِ؛ لَقَدْ ظَنَّ هَذَا الرَّجُلُ أَنَّ كَثْرَةَ مَالِهِ وَوَلَدِهِ دَلِيلٌ عَلَىٰ تَمَيُّزِهِ، فَبَيَّنَتِ القِصَّةُ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الثَّرْوَةِ، لَمْ تَسْتَغْرِقْ إِلَّا لَحْظَةً وَاحِدَةً، لِتَصِيرَ هَبَاءً مَنْثُورًا؛ فَالـمُؤْمِنُ لَا يَجْعَلُ الدُّنْيَا فِي قَلْبِهِ فَتَطْغِيَهُ، بَلْ يَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ، فَيَبْنِي بِهَا آخِرَتَهُ.
وتبين لنا وَاجِب الأَمْرِ بِالمـَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المـُنْكَرِ؛ فَالرجل الـمُؤْمِنُ لَمْ يَصْمُتْ أَمَامَ كُفْرِ صَاحِبِهِ، بَلْ وَاجَهَهُ بِالنَّصِيحَةِ الحَكِيمَةِ، دُونَ خَوْفٍ مِنْ سُلْطَانِ مَالِهِ.
ثَالِثًا: حَقِيقَةُ العَجْزِ البَشَرِيِّ عِنْدَ النَّوَازِلِ؛ ذَلِكَ النَّفَرُ وَالعَشِيرَةُ، الَّتِي كَانَ يَفْخَرُ بِهَا هذا الرجل الجَاحِدُ، وَيَقُولُ: ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾، قَالَ اللَّهُ عَنْهُمْ عِنْدَمَا حَلَّ العِقَابُ: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾. فإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ، تَلَاشَىٰ النَّفَرُ، وَتَخَلَّىٰ الأَصْدِقَاءُ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْعَبْدِ إِلَّا كَفَنُهُ، وَصَالِحُ عَمَلِهِ.
رَابِعًا: حَتْمِيَّةُ الوِلَايَةِ لِلَّهِ الحَقِّ؛ حَيْثُ خَتَمَ القُرْآنُ الكَرِيمُ المـَشْهَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾. فَالأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ، ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، وَالطَّاعَةُ لَهُ هِيَ الِاسْتِثْمَارُ الحَقِيقِيُّ، الَّذِي لَا يَخْسَرُ صَاحِبُهُ أَبَدًا، وَخَيْرٌ عَاقِبَةً لِمَنْ آثَرَ البَاقِيَةَ عَلَىٰ الفَانِيَةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
اخْرُجُوا اليَوْمَ مِنْ مِحْرَابِ هَذِهِ القِصَّةِ الشَّامِخَةِ، وَقَدْ نَفَضْتُمْ عَنْ نُفُوسِكُمْ غُبَارَ التَّعَلُّقِ بِالمـَادَّيَّاتِ، وَاحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا مِمَّنْ يَنْظُرُونَ إِلَىٰ الدُّنْيَا بِعَيْنِ العُجْبِ؛ فَالـمُسْلِمُ الفطن هُوَ الَّذِي يَسْعَىٰ فِي الأَرْضِ، وَيَبْنِي المـَشَارِيعَ، وَيَطْلُبُ الرِّزْقَ الحَلَالَ، بِكُلِّ جِدٍّ وَإِتْقَانٍ، وَلَٰكِنَّ قَلْبَهُ يَبْقَىٰ مُعَلَّقًا بِعَرْشِ الرَّحْمَٰنِ.
وعَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ أَنَّ عِزَّةَ المـُؤْمِنِ بِدِينِهِ، وَأَخْلَاقِهِ، لَا بِأَرْقَامِ حِسَابَاتِهِ، وَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتَكُمْ فَاذْكُرُوا حِصْنَ اللَّهِ الذَّهَبِيَّ: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾؛ لِتَبْقَىٰ نِعَمُكُمْ مَحْفُوظَةً، ومَحْفُوفَةً بِالبَرَكَةِ إِلَىٰ يَوْمِ القِيَامَةِ.
الدُّعَاءُ
