خطبة عن (مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟)
يوليو 2, 2026الخطبة الأولى (أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (101) يوسف.
إخوة الإسلام
إِنَّ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ فِي تَقَلُّبَاتِ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَفِي مَعَامِعِ كَبَدِهَا، وَمَشَقَّتِهَا، تَظَلُّ شَاخِصَةً بِأَبْصَارِهَا، مُتَلَهِّفَةً بِأَفْئِدَتِهَا، تَبْحَثُ عَنْ رُكْنٍ شَدِيدٍ تَأْوِي إِلَيْهِ، وَحِمًى مَنِيعٍ تَعْتَصِمُ بِجَنَابِهِ، فَلَا تَجِدُ فِي الْوُجُودِ كُلِّهِ أَمْنًا وَلَا أَمَانًا، وَلَا عِزًّا وَلَا سُلْطَانًا، إِلَّا فِي جِوَارِ الْعَلِيِّ الْقَدِيرِ، الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ.
إِنَّ الْوَلَايَةَ الرَّبَّانِيَّةَ: هِيَ الْغَايَةُ الْقُصْوَى الَّتِي تَشْرَئِبُّ إِلَيْهَا أَعْنَاقُ الْمُوَحِّدِينَ، وَتَخْشَعُ لَهَا قُلُوبُ الْعَارِفِينَ؛ فَإِذَا تَوَلَّاكَ اللهُ سُبْحَانَهُ، فَقَدْ حِزْتَ النَّعِيمَ الْمُقِيمَ، وَإِذَا كَانَ اللهُ مَعَكَ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَجْرُؤُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ؟!.
وتَأَمَّلُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- فِي هَذَا الْمَشْهَدِ النَّبَوِيِّ الْعَظِيمِ، حِينَمَا وَقَفَ نَبِيُّ اللهِ (يُوسُفُ) (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، بَعْدَ أَنْ تَقَلَّبَ فِي جَبِّ الْبَلَاءِ، وَعَانَى مِنْ مَرَارَةِ الِاسْتِرْقَاقِ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَتَجَرَّعَ غُصَصَ الظُّلْمِ فِي مَطَامِيرِ السِّجْنِ سِنِينَ عَدَدًا، ثُمَّ آلَتْ إِلَيْهِ خَزَائِنُ الْأَرْضِ، وَدَانَتْ لَهُ الرِّقَابُ، وَعَادَ إِلَيْهِ أَبَوَاهُ وَإِخْوَتُهُ سُجَّدًا؛ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي تَبْلُغُ فِيهَا الدُّنْيَا ذِرْوَتَهَا، وَيَكْتَمِلُ فِيهَا الْمُلْكُ الدُّنْيَوِيُّ بِأَبْهَى صُوَرِهِ، لَمْ يَلْتَفِتْ قَلْبُ الصِّدِّيقِ إِلَى الزُّخْرُفِ الزَّائِلِ، وَلَمْ تَسْكُنْ نَفْسُهُ إِلَى الْجَاهِ الْعَرِيضِ، بَلْ نَفَضَ يَدَيْهِ مِنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ، وَاتَّجَهَ بِكُلِّيَّتِهِ إِلَى خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، صَارِخًا بِصَوْتِ الِافْتِقَارِ وَالْعُبُودِيَّةِ: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّهَا صَيْحَةُ الْقَلْبِ الَّذِي عَرَفَ أَنَّ الْوَلَايَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي كَثْرَةِ الْجُنُودِ، وَلَا فِي عِظَمِ الْقُصُورِ، وَلَا فِي سَعَةِ النُّفُوذِ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي أَنْ يَكُونَ اللهُ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِأَمْرِكَ، الْقَائِمِ عَلَى شَأْنِكَ، الْهَادِي لِقَلْبِكَ فِي سَاعَاتِ الضِّيقِ وَالِاتِّسَاعِ.
وَلَكِنْ، مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ هَذَا الشَّرَفَ الْبَاذِخَ؟، وَمَنْ هم الَّذِينَ يَتَوَلَّاهُمُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ وَنُصْرَتِهِ؟، فإِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ لَمْ يَدَعْهَا مُبْهَمَةً، بَلْ فَصَّلَهَا بَيَانًا شَافِيًا كَافِيًا.
قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ البقرة: 257،. فَالْإِيمَانُ هُوَ الْبَابُ الْأَعْظَمُ، وَالْمِفْتَاحُ الْأَوَّلُ، لِوَلَايَةِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ؛ فَالْمُؤْمِنُونَ هُمْ أَهْلُ وِدَادِهِ، وَأَصْحَابُ جِوَارِهِ، يُخْرِجُهُمْ بِهَذَا الْإِيمَانِ مِنْ ظُلُمَاتِ الشَّكِّ، إِلَى نُورِ الْيَقِينِ، وَمِنْ ظُلُمَاتِ الشِّرْكِ، إِلَى نُورِ التَّوْحِيدِ، وَمِنْ ظُلُمَاتِ الْهَوَى وَالْمَعْصِيَةِ، إِلَى نُورِ الطَّاعَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ.
وَقَالَ اللهُ جَلَّ شَأْنُهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ آل عمران (68)،. فَالمؤمنون لَا مَوْلَى لَهُمْ سِوَاهُ، وَلَا نَاصِرَ لَهُمْ إِلَّا إِيَّاهُ.
ثُمَّ يَرْتَقِي السِّيَاقُ لِيُبَيِّنَ صِفَةً أُخْرَى لَازِمَةً لِأَهْلِ الْوَلَايَةِ، فَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْجَاثِيَةِ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ الجاثية (19). فَالصِّلَةُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ تُبْنَى عَلَى التَّقْوَى، وَتِلْكَ الْخَشْيَةُ الْقَائِمَةُ فِي السُّرِ وَالْعَلَنِ، الَّتِي تَجْعَلُ الْعَبْدَ يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَذَابِ اللهِ وِقَايَةً، بِامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ، وَاجْتِنَابِ النَّوَاهِي؛ فَحَيْثُمَا وُجِدَتِ التَّقْوَى، تَنَزَّلَتْ وِلَايَةُ اللهِ بِالتَّأْيِيدِ وَالتَّسْدِيدِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَإِنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ الْعَمِيقَ لِلْوَلَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ، هُوَ الَّذِي صَنَعَ النُّفُوسَ الْأَبِيَّةَ لِلصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، (رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ) يَوْمَ أُحُدٍ، حِينَمَا ظَنَّ الْمُشْرِكُونَ أَنَّهُمْ قَدْ كَسَرُوا شَوْكَةَ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُمْ غَلَبُوا بِآلِهَتِهِمُ الزَّائِفَةِ. وَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ حِينَ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَجِيبُوهُ» قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا اللهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ».
إِنَّهَا عَقِيدَةُ الْعِزَّةِ الَّتِي لَا تَتَزَعْزَعُ؛ فَالْمُشْرِكُ يَسْتَنِدُ إِلَى حَجَرٍ هَشٍّ، لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، بَيْنَمَا الْمُؤْمِنُ يَسْتَنِدُ إِلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ.
فَالْجِرَاحُ قَدْ تَثْخُنُ الْأَجْسَادَ، وَالْآلَامُ قَدْ تَعْصِرُ الْقُلُوبَ، ولَكِنَّ الْيَقِينَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْمَوْلَى، يَجْعَلُ كُلَّ بَلَاءٍ هَيِّنًا، وَكُلَّ مُصِيبَةٍ صَغِيرَةً.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ النَّظَرَ الفَاحِصَ فِي السُّلُوكِ الْبَشَرِيِّ، يُثْبِتُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا عَدِمَ وَلَايَةَ اللهِ، تَاهَ فِي مَتَاهَاتِ الضَّلَالِ، وَتَقَاذَفَتْهُ أَمْوَاجُ الْحَيْرَةِ، فَيُصْبِحُ عَبْدًا لِهَوَاهُ، أَوْ عَبْدًا لِدِينَارِهِ، أَوْ خَاضِعًا لِخَوْفِهِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، فَيَعِيشُ فِي ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ.
أَمَّا إِذَا كَانَ اللهُ وَلِيَّهُ، فَقَدْ أَمِنَ مِنْ غَوَائِلِ الدَّهْرِ، وَاسْتَنَارَ بَصِيرَتُهُ، فَيَرَى الْحَقَّ حَقًّا، وَيَرْزُقُهُ اللهُ اتِّبَاعَهُ، وَيَرَى الْبَاطِلَ بَاطِلًا، وَيَرْزُقُهُ اللهُ اجْتِنَابَهُ.
وإِنَّ الصِّدْقَ مَعَ اللهِ فِي طَلَبِ وِلَايَتِهِ، يَقْتَضِي خُلُوصَ الْقَصْدِ، وَتَطْهِيرَ السَّرَائِرِ، وَتَحْقِيقَ الْعُبُودِيَّةِ الْكَامِلَةِ لَهُ وَحْدَهُ، دُونَ التِفَاتٍ إِلَى مَدْحِ الْمَادِحِينَ أَوْ ذَمِّ الذَّامِّينَ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية: (أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِذَا تَقَرَّرَ عِنْدَكُمْ: أَنَّ الْوَلَايَةَ الرَّبَّانِيَّةَ هِيَ مَدَارُ السَّعَادَةِ، فَكَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ الْوَلَايَةُ لِلْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا؟، والجواب: إِنَّ وَلَايَةَ اللهِ لِعَبْدِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ تَظْهَرُ فِي صُوَرٍ شَتَّى؛ مِنْهَا: الْحِفْظُ وَالْكِلَاءَةُ، وَالتَّوْفِيقُ لِلْطَّاعَاتِ، وَالْعِصْمَةُ مِنَ الْفِتَنِ، وَإِلْقَاءُ الْمَحَبَّةِ لَهُ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ.
وَإِنَّ وَسَائِلَ الْوُصُولِ إِلَى هَذِهِ الْوَلَايَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ: تَتَمَثَّلُ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْفَرَائِضِ، ثُمَّ الِاسْتِكْثَارِ مِنَ النَّوَافِلِ حَتَّى يُحِبَّهُ اللهُ، فَإِذَا أَحَبَّهُ كَانَ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ.
وَمِنْ ثِمَارِ هَذِهِ الْوَلَايَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ: طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ، وَانْشِرَاحُ الصَّدْرِ، وَالْكِفَايَةُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ وَغَمٍّ. وَأما كَيْفَ يَثْبُتُ الْعَبْدُ عَلَى هَذِهِ الْوَلَايَةِ؟، فالجواب: يَثْبُتُ عَلَيْهَا بِدَوَامِ الذِّكْرِ، وَلُزُومِ الِاسْتِغْفَارِ، وَمُصَاحَبَةِ الصَّالِحِينَ، وَالْفِرَارِ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تَقْطَعُ صِلَةَ الْعَبْدِ بِمَوْلَاهُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
أَمَّا وَلَايَةُ اللهِ لِعَبْدِهِ فِي الْآخِرَةِ: فَهِيَ الْجَائِزَةُ الْكُبْرَى، وَالنَّجَاةُ الْعُظْمَى؛ حِينَمَا تَنْقَطِعُ الْأَسْبَابُ، وَتَذْهَبُ الْأَنْسَابُ، وَيَقِفُ الْعِبَادُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، أَمَامَ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
هُنَاكَ تَتَجَلَّى وَلَايَةُ اللهِ لِأَوْلِيَائِهِ، بِتَأْمِينِهِمْ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَتَيْسِيرِ حِسَابِهِمْ، وَتَثْبِيتِ أَقْدَامِهِمْ عَلَى الصِّرَاطِ، ثُمَّ سَوْقِهِمْ زُمَرًا إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ، حَيْثُ يُقَالُ لَهُمْ: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) (49) الأعراف، ويُقال لهُم: (سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (32) النحل، ويُقَالُ لَهُمْ: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ) (70): (73) الزخرف
أما عن طريق الوصول: فَإِنَّ وَسِيلَةَ الْوُصُولِ إِلَى وَلَايَةِ الْآخِرَةِ: هِيَ حُسْنُ الْخَاتِمَةِ، النَّاتِجُ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا طَلَبَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ قَالَ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (101) يوسف.
ومن طريق الوصول: الصَّبْرُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَالصَّبْرُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَالصَّبْرُ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ الْمُؤْلِمَةِ، هِيَ الْقَنْطَرَةُ الَّتِي نَعْبُرُ بِهَا إِلَى تِلْكَ الْوَلَايَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ الدَّائِمَةِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ ثِمَارِه وَلَايَةُ اللهِ لِعَبْدِهِ فِي الْآخِرَةِ: الْفَوْزُ بِالرِّضْوَانِ الْأَكْبَرِ، وَالنَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللهِ الْكَرِيمِ، وَمُجَاوَرَةُ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. وفي صحيح مسلم: (عَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ – قَالَ – يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ فَيَقُولُونَ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ – قَالَ – فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فَأَقْبِلُوا عَلَى اللهِ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-، وَجَدِّدُوا عَهْدَ الْوَلَايَةِ مَعَهُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، وَاجْعَلُوا هَمَّكُمْ كُلَّهُ هَمًّا وَاحِدًا، وَهُوَ كَيْفَ يَكُونُ اللهُ رَاضِيًا عَنْكُمْ، فَإِنَّهُ مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ، أَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ كَانَ اللهُ مَوْلَاهُ، فَلَا يَضُرُّهُ كَيْدُ الْكَائِدِينَ، وَلَا خِذْلَانُ الْخَاذِلِينَ.
الدُّعَاءُ
