خطبة عن (تَدْبِيرُ الْـقَدَرِ: (عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)
يوليو 22, 2026الخطبة الأولى (انْتَبِهْ وَاحْذَرْ أَنْ يُؤْتَى الْإِسْلَامُ مِنْ قِبَلِكَ!)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ففي سنن أبي داود: (عن سَهْل ابْن الْحَنْظَلِيَّةِ: أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ حُنَيْنٍ فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَتْ عَشِيَّةً فَحَضَرْتُ الصَّلاَةَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي انْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حَتَّى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا فَإِذَا أَنَا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ آبَائِهِمْ بِظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ وَشَائِهِمُ اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقَالَ : «تِلْكَ غَنِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ». ثُمَّ قَالَ: «مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ». قَالَ أَنَسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَارْكَبْ». فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «اسْتَقْبِلْ هَذَا الشِّعْبَ حَتَّى تَكُونَ فِي أَعْلاَهُ وَلاَ نُغَرَّنَّ مِنْ قِبَلِكَ اللَّيْلَةَ». فَلَمَّا أَصْبَحْنَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى مُصَلاَّهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: «هَلْ أَحْسَسْتُمْ فَارِسَكُمْ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحْسَسْنَاهُ. فَثُوِّبَ بِالصَّلاَةِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ حَتَّى إِذَا قَضَى صَلاَتَهُ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَبْشِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ فَارِسُكُمْ». فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى خِلاَلِ الشَّجَرِ فِي الشِّعْبِ فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي انْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمَّا أَصْبَحْتُ اطَّلَعْتُ الشِّعْبَيْنِ كِلَيْهِمَا فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «هَلْ نَزَلْتَ اللَّيْلَةَ». قَالَ: لاَ إِلاَّ مُصَلِّيًا أَوْ قَاضِيًا حَاجَةً. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «قَدْ أَوْجَبْتَ فَلاَ عَلَيْكَ أَنْ لاَ تَعْمَلَ بَعْدَهَا». (وأثر عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): أنه قال: «كلٌّ منا على ثغر من ثغور الإسلام، فاللهَ اللهَ! أن يؤتى الإسلام من قِبَلِنا».
إخوة الإسلام
فإِنَّ هُنَاكَ كَلِمَاتٍ تَهُزُّ كِيَانَ الْمُسْلِمِ كُلَّمَا سَمِعَهَا، وَتُحَرِّكُ مَشَاعِرَهُ كُلَّمَا تَفَكَّرَ فِيهَا، كَلِمَةٌ لَوْ اتَّخَذْنَاهَا شِعَارًا فِي حَيَاتِنَا، لَعَادَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَمْجَادُهَا، وَلَوْ وَضَعَهَا كُلُّ شَابٍّ وَفَتَاةٍ أَمَامَ أَعْيُنِهِمَا، لَأَصْبَحَتْ أُمَّتُنَا -وَاللهِ- أَفْضَلَ الْأُمَمِ، إِنَّهَا صَرْخَةُ الْفَارُوقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حِينَ قَالَ: «كُلٌّ مِنَّا عَلَى ثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الْإِسْلَامِ، فَاللهَ اللهَ أَنْ يُؤْتَى الْإِسْلَامُ مِنْ قِبَلِنَا!».
وَالْثَّغْرُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَالْحَرْبِ: هُوَ مَوْطِنُ الضَّعْفِ وَالْخَلَلِ عَلَى الْحُدُودِ، والَّذِي يَتَسَلَّلُ مِنْهُ
الْأَعْدَاءُ، وَعُمَرُ (رضي الله عنه)- بِنَظَرِهِ الثَّاقِبِ- يُخْبِرُ كُلَّ فَرْدٍ مِنَّا، طَبِيبًا كَانَ أَوْ مُهَنْدِسًا، تَاجِرًا أَوْ طَالِبًا، أَبًا أَوْ أُمًّا، أَنَّهُ يَحْمِلُ جُزْءًا مِنْ حِمَى هَذَا الدِّينِ، فَمَنِ اسْتَهَانَ بِوَاجِبِهِ، أَوْ غَفِلَ عَنْ ثَغْرِهِ، فَقَدْ فَتَحَ لِلْأَعْدَاءِ بَابًا لِلطَّعْنِ فِي الْإِسْلَامِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا هَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةَ (أي مسؤولية المسلم تجاه دينه)، فِي ضَوْءِ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: أَوَّلًا: مَسْؤُولِيَّةُ الْقُدْوَةِ وَخَطَرُ الْفِتْنَةِ: يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى لِسَانِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ وَأَتْبَاعِهِ: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة:5]. فهَلْ تَأَمَّلْتُمْ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْعَجِيبَةِ؟، إِنَّ مِنْ مَعَانِيهَا: يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْ أَعْمَالَنَا، أَوْ تَقْصِيرَنَا، أَوْ سُوءَ أَخْلَاقِنَا، أَوْ ضَعْفَنَا، سَبَبًا يَظُنُّ بِهِ الْكَافِرُونَ أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ، وَأَنَّ دِينَنَا بَاطِلٌ، فَيَبْتَعِدُوا عَنْهُ!.
نَعَمْ، حِينَمَا يَرَى غَيْرُ الْمُسْلِمِ مُسْلِمًا يَكْذِبُ، أَوْ يَغُشُّ، أَوْ يَظْلِمُ، أَوْ يَتَكَاسَلُ، فإِنَّهُ لَا يَقُولُ: “فُلَانٌ أَخْطَأَ”، بَلْ يَقُولُ “هَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ!”، فَيَكُونُ الْمُسْلِمُ بِسُوءِ صَنِيعِهِ، فِتْنَةً وَصَادًّا عَنْ سَبِيلِ اللهِ، مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ.
ثَانِيًا: الْأَمْرُ بِالِالْتِزَامِ التَّامِّ (الدُّخُولُ فِي السِّلْمِ كَافَّةً): وَلِكَيْمَا نَحْمِيَ هَذَا الْإِسْلَامَ مِنْ أَنْ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِنَا، أَمَرَنَا اللهُ بِالْأَخْذِ بِالدِّينِ بِكُلِّيَّتِهِ، لَا أَنْ نَنْتَقِيَ مِنْهُ مَا يُعْجِبُنَا، وَنَتْرُكَ مَا يَشُقُّ عَلَيْنَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:208].
فإِنَّ الِالْتِزَامَ التَّامَّ بِأَخْلَاقِ الدِّينِ، وَمُعَامَلَاتِهِ، وَعِبَادَاتِهِ، هُوَ الْحِصْنُ الْحَصِينُ لِلْإِسْلَامِ. فَأَخْلَاقُكَ، وَكَلِمَاتُكَ، وَأَمَانَتُكَ فِي عَمَلِكَ، هِيَ الْوَاجِهَةُ الَّتِي يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ مِنْ خِلَالِهَا.
ثَالِثًا: الْإِسْلَامُ دِينُ الْمَسْؤُولِيَّةِ الْجَمَاعِيَّةِ: فإِنَّ قَضِيَّةَ الْعَمَلِ لِلْمُعْتَقَدِ، لَيْسَتْ حِكْرًا عَلَى الْعُلَمَاءِ وَالدُّعَاةِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ مَسْؤُولِيَّةُ الْجَمِيعِ. فالكُلٌّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَبِنَةً فِي جِدَارِ الدِّفَاعِ عَنْ هَذَا الدِّينِ.
وَلَقَدْ ضَرَبَ لَنَا رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَأَصْحَابُهُ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي الْيَقَظَةِ، وَعَدَمِ الْغَفْلَةِ عَنِ الثُّغُورِ. رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: (عن سَهْل ابْن الْحَنْظَلِيَّةِ: أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ حُنَيْنٍ فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَتْ عَشِيَّةً فَحَضَرْتُ الصَّلاَةَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي انْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حَتَّى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا فَإِذَا أَنَا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ آبَائِهِمْ بِظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ وَشَائِهِمُ اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقَالَ : «تِلْكَ غَنِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ». ثُمَّ قَالَ: «مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ». قَالَ أَنَسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَارْكَبْ». فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «اسْتَقْبِلْ هَذَا الشِّعْبَ حَتَّى تَكُونَ فِي أَعْلاَهُ وَلاَ نُغَرَّنَّ مِنْ قِبَلِكَ اللَّيْلَةَ». فَلَمَّا أَصْبَحْنَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى مُصَلاَّهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: «هَلْ أَحْسَسْتُمْ فَارِسَكُمْ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحْسَسْنَاهُ.
فَثُوِّبَ بِالصَّلاَةِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ حَتَّى إِذَا قَضَى صَلاَتَهُ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَبْشِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ فَارِسُكُمْ». فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى خِلاَلِ الشَّجَرِ فِي الشِّعْبِ فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي انْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمَّا أَصْبَحْتُ اطَّلَعْتُ الشِّعْبَيْنِ كِلَيْهِمَا فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «هَلْ نَزَلْتَ اللَّيْلَةَ». قَالَ: لاَ إِلاَّ مُصَلِّيًا أَوْ قَاضِيًا حَاجَةً. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «قَدْ أَوْجَبْتَ فَلاَ عَلَيْكَ أَنْ لاَ تَعْمَلَ بَعْدَهَا».
لَقَدْ قَامَ هَذَا الْفَرْدُ بِوَاجِبِ الْحِرَاسَةِ، فَحَمَى الْجَيْشَ كُلَّهُ. وَكَذَلِكَ أَنْتَ فِي ثَغْرِكَ الْيَوْمَ؛ إِذَا قُمْتَ بِهِ حَمَيْتَ الْأُمَّةَ، وَإِذَا تَخَلَّيْتَ عَنْهُ عَرَّضْتَ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ لِلْخَطَرِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ (انْتَبِهْ وَاحْذَرْ أَنْ يُؤْتَى الْإِسْلَامُ مِنْ قِبَلِكَ!)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فاحْذَرُوا ثُمَّ احْذَرُوا، أَنْ يَكُونَ أَحَدُنَا خَرْقًا يَتَسَلَّلُ مِنْهُ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، لِيَطْعَنُوا فِي جَسَدِ أُمَّتِنَا، فإِنَّ الدِّفَاعَ عَنِ الْإِسْلَامِ الْيَوْمَ، لَيْسَ شِعَارَاتٍ بَرَّاقَةً، بَلْ هُوَ طَالِبٌ يَتَفَوَّقُ فِي دِرَاسَتِهِ، لِيُرِيَ الْعَالَمَ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الْعِلْمِ، وَتَاجِرٌ يَصْدُقُ فِي بَيْعِهِ، لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الْأَمَانَةِ، وَمُوَظَّفٌ يُتْقِنُ عَمَلَهُ، وَصَانِعٌ يَجْتَهِدُ فِي حِرْفَتِهِ، وَامْرَأَةٌ تُرَبِّي جِيلًا يَحْمِلُ هَمَّ هَذَا الدِّينِ.
وحِينَمَا نَقُولُ: “احْذَرْ أَنْ يُؤْتَى الْإِسْلَامُ مِنْ قِبَلِكَ”، فَنَحْنُ لَا نَتَحَدَّثُ عَنْ خَيَالٍ، بَلْ نَتَحَدَّثُ عَنْ وَاقِعٍ يَوْمِيٍّ نَعِيشُهُ، فتَعَالَوْا لِنَتَسَاءَلَ بِصِدْقٍ: أَيْنَ هِيَ هَذِهِ الثُّغُورُ الَّتِي نَقِفُ عَلَيْهَا الْيَوْمَ؟.
ثَغْرُ الْبَيْتِ وَالْأُسْرَةِ: فأَيُّهَا الْأَبُ، وَأَيَّتُهَا الْأُمُّ؛ بَيْتُكُمَا هُوَ أَوَّلُ ثُغُورِ الْإِسْلَامِ. إِذَا نَشَأَ أَوْلَادُكُمَا
عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَعَلَى عَدَمِ تَوْقِيرِ شَعَائِرِ الدِّينِ، وَعَلَى التَّبَعِيَّةِ الْعَمْيَاءِ لِأَفْكَارِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ؛ فَقَدْ أُتِيَ الْإِسْلَامُ مِنْ قِبَلِكُمَا، وَانْهَدَمَ الْحِصْنُ مِنْ دَاخِلِهِ.
ثَغْرُ الْعَمَلِ وَالْوَظِيفَةِ: أَيُّهَا الْمُوَظَّفُ، وَأَيُّهَا التَّاجِرُ، وَأَيُّهَا الطَّبِيبُ، وَأَيُّهَا الْمُهَنْدِسُ؛ إِذَا تَأَخَّرْتَ عَنْ دَوَامِكَ، أَوْ قَصَّرْتَ فِي أَدَاءِ وَاجِبِكَ، أَوْ غَشَشْتَ فِي سِلْعَتِكَ، أَوْ أَخَذْتَ رِشْوَةً لِتَسْهِيلِ أَمْرٍ؛ فَأَنْتَ لَمْ تَضُرَّ نَفْسَكَ فَحَسْبُ، بَلْ فَتَحْتَ خَرْقًا فِي ثَغْرِ الْإِسْلَامِ. سَيَقُولُ النَّاسُ: “هَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْلِمُونَ لَا يُتْقِنُونَ عَمَلًا، وَلَا يَصْدُقُونَ قَوْلًا!”.
ثَغْرُ الْفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ (مَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ): فيَا شَبَابَ الْإِسْلَامِ؛ هَذِهِ الْهَوَاتِفُ الَّتِي فِي أَيْدِيكُمْ هِيَ ثُغُورٌ حَقِيقِيَّةٌ. مَنْ يَنْشُرُ شَائِعَةً، أَوْ يَسُبُّ وَيَشْتِمُ بِأَسْمَاءَ مُسْتَعَارَةٍ، أَوْ يَنْشُرُ رَذِيلَةً، أَوْ يُسِيءُ إِلَى قِيَمِ الدِّينِ بِمَقْطَعٍ هَازِلٍ؛ فَقَدْ خَانَ ثَغْرَهُ، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ رَخِيصَةً عِنْدَ النَّاظِرِينَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ الدِّفَاعَ عَنِ الْإِسْلَامِ الْيَوْمَ لَيْسَ بِالْأَمَانِيِّ، بَلْ بِالْإِيجَابِيَّةِ الْفَعَّالَةِ. كُلٌّ مِنَّا سَيَقِفُ وَحْدَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى، وَسَيُسْأَلُ عَنْ ثَغْرِهِ: هَلْ حَفِظَ أَمْ ضَيَّعَ؟
فَاحْذَرُوا الْغَفْلَةَ، وَكُونُوا عَلَى أُهْبَةِ الِاسْتِعْدَادِ حِرَاسَةً لِدِينِكُمْ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَعَظِيمِ الِاسْتِقَامَةِ، وَجَمِيلِ الْأَعْمَالِ. وَاجْعَلُوا نِدَاءَ الْفَارُوقِ دُسْتُورًا لَكُمْ: «اللهَ اللهَ أَنْ يُؤْتَى الْإِسْلَامُ مِنْ قِبَلِي».
وإِيَّاكُمْ وَالْمَوَاقِفَ السَّلْبِيَّةَ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَقُولُوا “مَا بَالِي أَنَا؟ وَمَاذَا سَأُغْنِي وَحْدِي؟”.
إِنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْكُمْ هُوَ جَيْشٌ بِأَكْمَلِهِ إِذَا حَمَى ثَغْرَهُ. فَاسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَلْتَكُنْ صَيْحَةُ الْفَارُوقِ نَصْبَ أَعْيُنِكُمْ فِي كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ: «اللهَ اللهَ أَنْ يُؤْتَى الْإِسْلَامُ مِنْ قِبَلِي!». فَاتَّقُوا اللهَ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِكُمْ، وَاحْرِسُوا ثُغُورَكُمْ بِيَقَظَةٍ وَإِخْلَاصٍ.
الدُّعَاءُ
