خطبة عن حديث (وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ وَطَعْمَهُ)
يوليو 29, 2026الخطبة الأولى (مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:13]. وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قَالَ «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا». وفي صحيح مسلم: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «… وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ».
إخوة الإسلام
إِنَّ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ مَجْبُولَةٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْوَالِهَا عَلَى طَلَبِ الرِّفْعَةِ وَالِافْتِخَارِ، وَتَحْصِيلِ التَّمَيُّزِ بَيْنَ الْأَقْرَانِ؛ فَكَمْ رَأَيْنَا فِي تَارِيخِ الْأُمَمِ، وَفِي وَاقِعِ النَّاسِ الْيَوْمَ، مَنْ يَتَّكِئُ عَلَى أَمْجَادِ آبَائِهِ، وَيَعْتَزُّ بِحَسَبِهِ وَنَسَبِهِ، وَيَظُنُّ أَنَّ انْتِمَاءَهُ إِلَى أُرُومَةٍ شَرِيفَةٍ، أَوْ قَبِيلَةٍ عَرِيقَةٍ، أن ذلك كَافٍ لِيَبْلُغَ بِهِ مَنَازِلَ الصَّالِحِينَ، أَوْ يَجْعَلَ لَهُ عِنْدَ اللهِ مَقَامًا مَحْمُودًا.
وَلَكِنَّ الْإِسْلَامَ جَاءَ لِيهَدِّمَ هَذِهِ الْمَوَازِينَ الْجَاهِلِيَّةَ الْمَقْلُوبَةَ، وَلِيَقْلَعَ مِنْ جُذُورِ الْمُجْتَمَعِ تِلْكَ النَّعَرَاتِ الْفَاخِرَةَ، الَّتِي لَا تُسْمِنُ وَلَا تُغْنِي مِنْ جُوعٍ فِي مِيزَانِ الْآخِرَةِ.
إِنَّ الْقَاعِدَةَ الرَّبَّانِيَّةَ الْعَدْلَ، الَّتِي أَرْسَاهَا الدِّينَ الْحَنِيفَ، تَقْضِي بِأَنَّ مِعْيَارَ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الْعِبَادِ، لَيْسَ بِالْأَنْسَابِ الْمَوْرُوثَةِ، وَلَا بِالْأَلْقَابِ الْمَنْصُوبَةِ، بَلْ بِالْإِيمَانِ الْقَلْبِيِّ الْخَالِصِ، وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، الَّتِي يُقَدِّمُهَا الْمَرْءُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ؛ (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، فَالْعِبْرَةُ كُلُّ الْعِبْرَةِ بِالسَّعْيِ الْـمُشْمِرِ، لَا بِالِاتِّكَالِ عَلَى جُهُودِ الْآخَرِينَ. وفي الصحيحين: (عَنْ عَلِيٍّ – رضي الله عنه – قَالَ كَانَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – فِي جَنَازَةٍ فَأَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِ الأَرْضَ فَقَالَ «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ قَالَ «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ». ثُمَّ قَرَأَ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) الآيَةَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ الْمَقْصُودَ الْأَسَاسِيَّ مِنْ هَذا اللقاء، هُوَ كشف الْأَوْهَامِ، الَّتِي تَعْتَرِي بَعْضَ مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، فَإِذَا هُوَ مُقَصِّرٌ فِي فَرَائِضِهِ، مُسْتَرْسِلٌ فِي شَهَوَاتِهِ، كَسُولٌ عَنِ الطَّاعَاتِ، ولَكِنَّهُ يُمَنِّي نَفْسَهُ بِالْخَلَاصِ، لِأَنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ فُلَانٍ، أَوْ عَقِبِ عِلَّانٍ!.
فمن قَصَّرَ في عمله الصالح، لن ينفعه شرف عائلته، أو نسبه، ليدخله الجنة، (يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ .. لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)، فالعبرة عند الله بالتقوى والعمل الصالح، (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، فمَن كان عَمَلُه ناقصًا، لم يُلْحِقْه نَسَبُه بمَرتبةِ أصحابِ الأعْمالِ؛ فيَنْبَغي ألَّا يُقَصِّرَ في العمَلِ مُتَّكِلًا على شَرَفِ النَّسَبِ، وفَضيلَةِ الآباءِ.
وَيَأْتِي الْبَيَانُ النَّبَوِيُّ الْحَاسِمُ، كما فِي صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثٍ جَامِعٍ: «…وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ».
فَالنَّسَبُ الشَّرِيفُ، لَا يَقْدِرُ أَنْ يَسْحَبَ الْعَبْدَ الْمُقَصِّرَ إِلَى الصَّفُوفِ الْمُتَقَدِّمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُمْكِنُ لِلْحَسَبِ، أَنْ يَسُدَّ خَلَلَ التَّفْرِيطِ؛ لِأَنَّ مِيزَانَ اللهِ لَا يُحَابِي أَحَدًا.
وَلَقَدْ أَكَّدَ الرَّسُولُ الْأَكْرَمُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَذَا الْأَصْلَ الْعَمَلِيَّ، عِنْدَمَا صَدَعَ بِالْحَقِّ، فِي أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ رَحِمًا، لِيُعْلِمَ الْأُمَّةَ، أَنَّ الْقَرَابَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ مِنْ خَيْرِ الْخَلْقِ، لَا تُغْنِي عَنِ التَّقْوَى شَيْئًا؛ فَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا… فَقَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا».
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
إِنَّ الْإِيمَانَ وَالْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ، هِيَ الْـمُعْتَبَرَةُ وَحْدَهَا فِي دِينِ الْإِسْلَامِ؛ فَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، جَعَلَ جَزَاءَ الْآخِرَةِ مَرْهُونًا بِسَعْيِ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ، لَا بِسَعْيِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّجْمِ: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم:39-40].
فَكُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، وَإِذَا أُقِيمَتِ الْقِيَامَةُ، تَقَطَّعَتْ حِبَالُ الْأَنْسَابِ الْمَادِّيَّةِ، وَانْفَضَّتْ مَجَالِسُ التَّفَاخُرِ، فَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:101].
وَيُعَزِّزُ هَذَا الْمَعْنَى السَّلَفِيَّ الْقَوِيمَ، مَا جَاءَ فِي صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ
اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ».
فَالْمَحَلُّ الَّذِي يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِ هُوَ الْقَلْبُ الْـمُعَمَّرُ بِالتَّقْوَى، وَالْجَوَارِحُ الْـمُسْتَجِيبَةُ بِالْطَّاعَةِ، وَلَيْسَ الْوَجْهُ الْـمُجَمَّلُ بِالنَّسَبِ، أَوْ الْـجَسَدُ الْـمُعَظَّمُ بِالْـجَاهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
نَعَمْ- فإِنَّ النَّسَبَ الشَّرِيفَ إِذَا جَاءَ مُقْتَرِنًا بِالْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَهُوَ خَيْرٌ إِلَى خَيْرٍ، وَنُورٌ عَلَى نُورٍ، وَفَضْلٌ يَغْبِطُ صَاحِبَهُ عَلَيْهِ الْخَلْقُ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ شَرَفِ الْمَعْدِنِ، وَشَرَفِ الْمَسْلَكِ والعمل.
أَمَّا إِذَا كَانَ النَّسَبُ مُجَرَّدًا عَنِ الْإِيمَانِ، خَالِيًا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَإِنَّهُ حَبْطٌ وَخَسَارٌ، وَلَا يُفِيدُ صَاحِبَهُ فَتِيلًا وَلَا نَقِيرًا؛ لِأَنَّ الْمِيزَانَ الْإِلَهِيَّ الْقَاطِعَ، هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ﴾. وقال تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) هود: (45)، (46).
وَمَا أَجْمَلَ وَأَبْلَغَ قَوْلَ الشَّاعِرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ:
لَعَمْرُكَ مَا الْإِنْسَانُ إِلَّا بِدِينِهِ … فَلَا تَتْرُكِ التَّقْوَى اتِّكَالًا عَلَى النَّسَبْ.
فَقَدْ رَفَعَ الْإِسْلَامُ سَلْمَانَ فَارِسٍ … وَوَضَعَ الشِّرْكُ النَّسِيبَ أَبَا لَهَبْ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ التَّمَعُّنَ فِي تَارِيخِ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُعْطِينَا النَّمَاذِجَ الْعَمَلِيَّةَ الْـمُبْهِرَةَ، لِهَذَا الْمِيزَانِ الْعَادِلِ؛ فَهَذَا بِلَالٌ الْحَبَشِيُّ، وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَصُهَيْبٌ الرُّومِيُّ، تَبَوَّؤُوا أَعْلَى مَنَازِلِ الشَّرَفِ وَالْقُرْبِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بِإِيمَانِهِمْ وَجِهَادِهِمْ،
بَيْنَمَا هَلَكَ أَبُو لَهَبٍ، وَهُوَ عَمُّ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَمِنْ صَمِيمِ بَنِي هَاشِمٍ، وَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِ قُرْآنًا يُتْلَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: 1-2]؛ فَلَمْ يَنْفَعْهُ قُرْبُ الرَّحِمِ، وَلَمْ يُنْقِذْهُ شَرَفُ الْقَبِيلَةِ مِنَ النَّارِ الْمُوقَدَةِ.
وهذه زينب بنت النبي (محمد) صلى الله عليه وسلم، لم تركن إلى نسبها في عبادة الله وطاعته، والتقرب إليه، بالفرائض والنوافل, ولم تقل يوما أن نسبي كافيني, بل جدّت، واجتهدت في العبادة، لدرجة أنها ربطت حبلا بين عمودين, تتعلّق به كلما فترت، وتعبت, كي تواصل العبادة والتقرب الى الله, ففي الصحيحين: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ – رضي الله عنه – قَالَ دَخَلَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ فَقَالَ «مَا هَذَا الْحَبْلُ». قَالُوا هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ. فَقَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «لاَ، حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ»
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَإِنَّ سُبُلَ الْعِلَاجِ لِمَرَضِ (التَّفَاخُرِ بِالْأَنْسَابِ)، الَّذِي يَعُدُّهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ، تَبْدَأُ: بِتَرْبِيَةِ النَّفْسِ عَلَى التَّوَاضُعِ، وَالنَّظَرِ إِلَى حَقِيقَةِ أَصْلِ الْبَشَرِ، الَّذِينَ خُلِقُوا كُلُّهُمْ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ بِالِانْشِغَالِ التَّامِّ بِإِصْلَاحِ الْعُيُوبِ الذَّاتِيَّةِ، وَالِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ.
واعلموا أن الثَّمَرَة الْعُظْمَى لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ هِيَ: الْفَوْزُ بِرِضْوَانِ اللهِ، وَدُخُولُ جَنَّاتِ النَّعِيمِ مَعَ الْمُتَّقِينَ، حَيْثُ لَا تَفَاضُلَ هُنَاكَ، إِلَّا بِقَدْرِ مَا قَدَّمَتِ الْأَيْدِي لِوَجْهِ الرَّحْمَنِ.
فَأَقْبِلُوا عَلَى الطَّاعَاتِ -عِبَادَ اللهِ- وَشَمِّرُوا عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ، وَلَا تَتَّكِلُوا عَلَى حَسَبٍ، وَلَا نَسَبٍ؛
فَإِنَّ مَوَازِينَ الْآخِرَةِ دَقِيقَةٌ، وَأَعْمَارَكُمْ مَعْدُودَةٌ، وَلَنْ يَصْحَبَكُمْ فِي قُبُورِكُمْ إِلَّا مَا قَدَّمْتُمْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ.
الدُّعَاءُ
