خطبة عن (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)
أغسطس 23, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (مَنْهَجُ القُرْآنِ في تهذيب الانسان)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا) (9): (11) الاسراء.
إخوة الإسلام
موعدنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع هذه الآيات المباركات من كتاب الله العزيز، فأَعِيرُونِي القُلُوبَ قَبْلَ الآذَانِ، وَهَاتُوا الأَرْوَاحَ، لِنُصْغِيَ إِلَى صَدَى بَيَانٍ يَتَنَزَّلُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، بَيَانٍ يَصْدَعُ فِي الظُّلُمَاتِ فَيُبَدِّدُهَا، وَيَقْرَعُ القُلُوبَ المَيِّتَةَ فَيُحْيِيهَا، وَيَأْخُذُ بِأَيْدِي البَشَرِيَّةِ التَّائِهَةِ فِي حَيْرَتِهَا إِلَى شَاطِئِ النَّجَاةِ وَالأَمَانِ،
وبداية فتَأَمَّلُوا فِي هَذَا العَالَمِ المَمْلُوءِ بِالصِّرَاعَاتِ، المَشْحُونِ بِالآَرَاءِ المُتَضَارِبَةِ، وَالأَهْوَاءِ المُتَصَارِعَةِ، فكَمْ بَحَثَتِ البَشَرِيَّةُ عَنْ طَرِيقٍ يَضْمَنُ لَهَا السَّعَادَةَ، وَكَمْ وَضَعَ الفَلَاسِفَةُ وَالحُكَّامُ مِنْ مَنَاهِجَ وَقَوَانِينَ، فَفَشِلَتْ كُلُّهَا، وَتَهَشَّمَتْ عَلَى صَخْرَةِ الوَاقِعِ، وَبَقِيَ الإِنْسَانُ شَقِيًّا، خَائِفًا، حَائِرًا، أَتَدْرُونَ لِمَاذَا؟، لِأَنَّهُمْ بَحَثُوا عَنِ الهِدَايَةِ فِي غَيْرِ المَعْنَى، وَعَنِ النُّورِ فِي غَيْرِ المِشْكَاةِ
فافْتَحُوا مَصَاحِفَ القُلُوبِ عَلَى سُورَةِ الإِسْرَاءِ، وَاسْمَعُوا إِعْلَانَ الجَبَّارِ، الَّذِي يُمَزِّقُ كُلَّ شَكٍّ، وَيَضَعُ المَنْهَجَ العَظِيمَ فِي صَدْرِ السُورَةِ المَبَارَكَةِ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾:
فأَيُّ إِعْجَازٍ، وَأَيُّ جَلَالٍ فِي هَذِهِ الكَلِمَاتِ؟، فتَأَمَّلُوا فِي البَلَاغَةِ المُعْجِزَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، فاسْمُ الإِشَارَةِ ﴿هَذَا﴾ يُفِيدُ التَّعْظِيمَ، وَالتَّنْبِيهَ، لِيَقُولَ لَكَ: هَذَا الكِتَابُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ، المَيْسُورُ لِلذِّكْرِ، هُوَ الَّذِي يَهْدِي، وَلَمْ يَقُلْ: “يَهْدِي لِلْطَّرِيقَةِ الأَقْوَمِ”، أَوْ “لِلْمِلَّةِ الأَقْوَمِ”، بَلْ حَذَفَ المَوْصُوفَ وَقَالَ: ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، لِيَشْمَلَ كُلَّ شَأْنٍ مِنْ شُؤُونِ الحَيَاةِ، فهو يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ فِي العَقِيدَةِ، فَلَا إِشْرَاكَ وَلَا خُرَافَةَ.. وفِي الأَخْلَاقِ، فَلَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ.. وفِي التَّشْرِيعِ، فَلَا ظُلْمَ وَلَا جَوْرَ.. وفِي السَّلاَمِ النَّفْسِيِّ، وَفِي بِنَاءِ الأُسْرَةِ، وَفِي إِقَامَةِ العَدْلِ بَيْنَ الـبَشَرِ.
ثُمَّ أَتَى القُرْآنُ بِالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ: ببِشَارَة أَهْلِ الإِيمَانِ وَالعَمَلِ: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾، فتَأَمَّلُوا؛ لَمْ يَكْتَفِ بِـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ بَلْ قَرَنَهَا بِـ ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾؛ لِأَنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ أُمْنِيَةً تُتَمَنَّى، بَلْ هُوَ مَا وَقَرَ فِي القَلْبِ، وَصَدَّقَهُ العَمَلُ، فَإِذَا اجْتَمَعَ الصِّدْقُ فِي القَلْبِ مَعَ السَّعْيِ بِالجَوَارِحِ، نَزَلَتِ البِشَارَةُ بِالأَجْرِ الَّذِي وَصَفَهُ اللهُ بِـ ﴿كَبِيرًا﴾ وَإِذَا وَصَفَ العَظِيمُ شَيْئًا بِأَنَّهُ كَبِيرٌ، فَلاَ يَسَعُ الخَيَالُ حَصْرَهُ.
ثُمَّ أَتَى القُرْآنُ بإِنْذَار الجَاحِدِينَ: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، فوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾؛ لِأَنَّ مَنْ كَذَّبَ بِاليَوْمِ الآخِرِ انْفَلَتَ مِنْ عِقَالِ التَّكْلِيفِ، وَاسْتَبَاحَ الظُّلْمَ، وَانْغَمَسَ فِي شَهَوَاتِهِ، فَأَعْتَدَ اللهُ لَهُ عَذَابًا مَيئُوسًا مِنْهُ، تُسْجَرُ بِهِ الأَجْسَادُ وَالأَرْوَاحُ.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَتَمَسَّكُوا بِهَذَا القُرْآنِ، لِتَكُونُوا مِنْ أَهْلِ هِدَايَتِهِ وَبِشَارَتِهِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (مَنْهَجُ القُرْآنِ في تهذيب الانسان)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فيَا مَنْ تَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَتَخَافُونَ عَذَابَهُ: اسْمَعُوا إِلَى القُرْآنِ العَظِيمِ، وَهُوَ يَنْتَقِلُ بِكُمُ انْتِقَالَةً نَفْسِيَّةً بَلِيغَةً، لِيَكْشِفَ لَنَا الـنَّقْصَ الـبَشَرِيَّ، وَيَشْرَحَ طَبِيعَةَ الإِنْسَانِ، حِينَ يَبْتَعِدُ عَنْ هِدَايَةِ الكِتَابِ، فيَقُولُ جَلَّ فِي عُلَاهُ فِي هذه الآيَةِ: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾،
اللهُ أَكْبَرُ، فأَيُّ مِرْآةٍ دَقِيقَةٍ هَذِهِ لِطَبِيعَةِ هَذَا الإِنْسَانِ الضَّعِيفِ؟، فتَأَمَّلُوا فِي البَلَاغَةِ السَّامِيَةِ: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾، فمِنْ طَبِيعَةِ الإِنْسَانِ إِذَا غَضِبَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ وَلَدِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَنْ يَدْعُوا بِالشَّرِّ وَالهَلَاكِ، بِنَفْسِ الحَرَارَةِ وَالحَمَاسَةِ وَالإِلْحَاحِ الَّتِي يَدْعُو بِهَا حِينَ يَطْلُبُ الخَيْرَ وَالعَافِيَةَ، وَمِنْ حِلْمِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ بِالعِبَادِ، أَنَّهُ لاَ يَسْتَجِيبُ هَذَا الدُّعَاءَ فِي لَحَظَاتِ الغَضَبِ؛ وَلَوْ اسْتَجَابَهُ لَهَلَكَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ يُونُسَ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ يونس:11. وقال تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ) الكهف:58. وقال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) فاطر:45.
ثُمَّ خَتَمَ الله تعالى هذه الآيَةَ بِعِلَّةِ هَذَا السُّلُوكِ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾، نَعَمْ؛ هَذِهِ طَبِيعَةُ الإِنْسَانِ.. العَجَلَةُ، فهو يَسْتَعْجِلُ المَطَالِبَ قَبْلَ أَوقاتِهَا، وَيَسْتَعْجِلُ الغَضَبَ قَبْلَ الرُّشْدِ، وَيَسْتَعْجِلُ ثَمَرَةَ الدُّنْيَا، وَيَنْسَى الآخِرَةَ.
وَمِنْ هُنَا تَتَجَلَّى العَلاَقَةُ البَدِيعَةُ بَيْنَ الآيَاتِ: فحِينَ يَعْلَمُ اللهُ أَنَّ الإِنْسَانَ جهول، وَعَجُولٌ، وَيَنْقَادُ لِعَوَاطِفِهِ الهَوْجَاءِ، أَنْزَلَ لَهُ ﴿هَذَا الْقُرْآنَ [الَّذِي] يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾؛ لِيَضْبِطَ حَرَكَةَ عَجَلَتِهِ، وَيُهَذِّبَ شَهْوَتَهُ، وَيُعَلِّمَهُ كَيْفَ يَدْعُو، وَكَيْفَ يَصْبِرُ، وَكَيْفَ يَمْشِي فِي الأَرْضِ عَلَى بَصِيرَةٍ. وقال تعالى: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (64) النحل.
أَيُّهَا الـمُؤْمِنُونَ
إِنَّ القُرْآنَ لَمْ يُنْزَلْ لِتُزَيَّنَ بِهِ الرُّفُوفُ، وَلاَ لِيُقْرَأَ عَلَى الأَمْوَاتِ، بَلْ أُنْزِلَ لِيَقُودَ الأَحْيَاءَ، فإِذَا حَارَتْ بِكَ الأَفْكَارُ؛ فَالْجَأْ إِلَى هِدَايَةِ القُرْآنِ، وَإِذَا ضَاقَتْ بِكَ الأَحْوَالُ؛ فَاسْتَمْسِكْ بِوَعْدِ القُرْآنِ، وَإِذَا دَعَتْكَ نَفْسُكَ إِلَى العَجَلَةِ وَالغَضَبِ؛ فَسَكِّنْهَا بِأَدَبِ القُرْآنِ،
وحقا ما قال ربنا: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) الاسراء: (9)
فاعْمَلُوا الصَّالِحَاتِ، وَاصْبِرُوا عَلَى هِدَايَةِ هَذَا الكِتَابِ، لِتَكُونُوا مِنْ بَشَائِرِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ الاسراء:9.
وَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
الدعاء
