خطبة عن (مَنْهَجُ القُرْآنِ في تهذيب الانسان)
أغسطس 24, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (رَبُّكَ يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) البقرة:144. وفي الصحيحين (البخاري ومسلم): (عَنْ عَائِشَةَ – رضي الله عنها – قَالَتْ كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللاَّتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَأَقُولُ أَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ) (الأحزاب:51)، قُلْتُ مَا أُرَى رَبَّكَ إِلاَّ يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ).
إخوة الإسلام
حقا ما قالته أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها)، في وصف رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «مَا أُرَى رَبَّكَ إِلاَّ يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ»، فمَا أَعْظَمَهُ مِنْ مَقَامٍ، يَقْصُرُ عَنْ بَلَاغَتِهِ الْبُلَغَاءُ، وَمَا أَجْلَهَا مِنْ كَرَامَةٍ، يَتَضَاءَلُ أَمَامَهَا الْوُجُودُ، إنه مَقَامُ الْخِلَّةِ وَالْمَحَبَّةِ الْإِلَهِيَّةِ، الَّذِي اخْتَصَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّدَ الْأَنَامِ، وَمُصْطَفَى الْأَنَبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، نَبِيَّنَا مُحَمَّداً ﷺ، صَاحِبُ الْوَجْهِ الْأَنْوَرِ، وَالْجَبِينِ الْأَزْهَرِ، الَّذِي لَمْ تُشْرِقِ الْأَرْضُ بِمِثْلِ نُورِ هِدَايَتِهِ.
إِنَّهَا مَنْزِلَةٌ جَلِيلَةٌ، يَقِفُ عِنْدَهَا الْقَلْبُ خَاشِعاً مَبْهُوراً؛ حَيْثُ بَلَغَ مِنْ عِظَمِ قَدْرِهِ ﷺ عِنْدَ رَبِّهِ، وَكَرَمِ مَكَانَتِهِ فِي الْمَلَإِ الْأَعْلَى، أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَانَ يَرْعَى خَاطِرَهُ الشَّرِيفَ، وَيُجِيبُ مُرَادَهُ، وَيُجَرِّي الْأَحْكَامَ وَالْفَتَاوَى فِي السَّمَاوَاتِ، تَلْبِيَةً لِرَغَبَاتِهِ وَهَوَاهُ الشَّرِيفِ، حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَبُثَّ بَيْنَ يَدَيِ مَوْلَاهُ دُعَاءً، أَوْ يَبْتَهِلَ إِلَيْهِ بِرَجَاءٍ.
وتَأَمَّلُوا هَذَا اللَّفْظَ الْمُعْجِزَ مِنْ (أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ): «مَا أُرَى رَبَّكَ إِلاَّ يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ»، فهي لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِجَابَةٍ لِلدُّعَاءِ، بَلْ هِيَ “مُسَارَعَةٌ” إِلهِيَّةٌ فِي مَرْضَاتِهِ، وَتَبْدِيرٌ رَبَّانِيٌّ فِي تَحْقِيقِ رَغَبَاتِهِ، فَكُلُّ مَا يَسُرُّ قَلْبَ الْمُصْطَفَى ﷺ فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ مَقْضِيٌّ مَشْهُودٌ،
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَإِنَّ السَّفَرَ فِي سِيرَتِهِ، وَالتَّنْقِيبَ فِي آيَاتِ التَّنْزِيلِ، لَيَكْشِفَانِ لَنَا عَنْ صُوَرٍ تَبْهَرُ الْأَلْبَابَ، مِنْ هَذَا الْإِكْرَامِ الْإِلَهِيِّ: أَوَّلاً: تَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ مُدَارَاةً لِخَاطِرِهِ: فقد ظَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ الْهِجْرَةِ يَتَوَجَّهُ فِي صَلَاتِهِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَضْعَةَ عَشَرَ شَهْراً، وَكَانَ قَلْبُهُ يَتَحَرَّقُ شَوْقاً وَرَغْبَةً فِي أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ هِيَ (كَعْبَةَ) أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، فَمَا نَطَقَ بِلِسَانِهِ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ وَأَدَباً، بَلْ كَانَ يكْتَفِي بِأَنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ، يَتَشَوَّفُ الْوَحْيَ، فَمَاذَا كَانَ الْجَوَابُ؟،
لقد جَاءَهُ الْأَمْرُ الرَّبَّانِيُّ، الَّذِي يُسَجِّلُ هَذِهِ الْمَحَبَّةَ فِي خَالِدِ الصُّحُفِ، فقال الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (البقرة: 144). فلَمْ يَقُلْ جَلَّ جَلَالُهُ: “قِبْلَةً أَمَرْنَاكَ بِهَا”، بَلْ قَالَ: “تَرْضَاهَا”، لِأَنَّ رِضَاهُ ﷺ هُوَ الْمَطْلُوبُ عِنْدَ رَبِّ الْعِزَّةِ.
وجاء في تفسير البغوي “معالم التنزيل”: (.. وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُصَلُّونَ بِمَكَّةَ إِلَى الْكَعْبَةِ فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى المدينة أمره أَنْ يُصَلِّيَ نَحْوَ صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى تَصْدِيقِ الْيَهُودِ إِيَّاهُ إِذَا صَلَّى إِلَى قِبْلَتِهِمْ مَعَ مَا يَجِدُونَ مِنْ نَعْتِهِ فِي التَّوْرَاةِ، فَصَلَّى بَعْدَ الْهِجْرَةِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ،
وكان يجب أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ قِبْلَةَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلام،.. فَقَالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «وَدِدْتُ لَوْ حَوَّلَنِي اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَإِنَّهَا قِبْلَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ»، فَقَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ مِثْلُكَ وَأَنْتَ كَرِيمٌ عَلَى رَبِّكَ فَسَلْ أَنْتَ رَبَّكَ فَإِنَّكَ عِنْدَ الله عزّ وجلّ بمكان، فعرج جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَى السَّمَاءِ رَجَاءَ أَنْ يَنْزِلَ جِبْرِيلُ بِمَا يُحِبُّ مِنْ أَمْرِ الْقِبْلَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ)، ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً ﴾، فَلْنُحَوِّلُنَّكَ إِلَى قِبْلَةٍ ﴿ تَرْضاها ﴾، أَيْ: تُحِبُّهَا وَتَهْوَاهَا)،
ثَانِياً: مَعَاتَبَةُ مَنْ خَالَفَ هَوَاهُ فِي طَهَارَةِ بَيْتِهِ: حِينَ تَكَلَّمَ أَهْلُ الْإِفْكِ فِي عِرْضِ الطَّاهِرَةِ عَائِشَةَ، وَتَأَخَّرَ الْوَحْيُ لِحِكْمَةٍ، كَانَ قَلْبُ النَّبِيِّ ﷺ يَتَقَطَّعُ أَلَماً، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ هَذَا الْكَرْبَ عَنْ نَبِيِّهِ، لَمْ يُنْزِلْ بَرَاءَتَهَا عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، بَلْ أَنْزَلَ قُرْآناً يُتْلَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي سُورَةِ النُّورِ، يُبَرِّئُ عِرْضَهُ، وَيُطَهِّرُ بَيْتَهُ، وَيَكْشِفُ غَمَّتَهُ، كَيْمَا تَقَرَّ عَيْنُهُ وَيَزُولَ حُزْنُهُ.
ثَالِثاً: الِاسْتِجَابَةُ الْفَوْرِيَّةُ لِدَعَوَاتِهِ فِي الدُّنْيَا: فمَا رَفَعَ ﷺ كَفَّيْهِ فِي مَوْطِنِ شِدَّةٍ، أَوْ لَأْوَاءَ، إِلاَّ وَكَانَتِ الإِجَابَةُ كَفَلَقِ الصُّبْحِ، فكَانَ يَسْتَسْقِي عَلَى الْمِنْبَرِ وَالسَّمَاءُ لَيْسَ فِيهَا قَزَعَةٌ، فَمَا يَنْزِلُ مِنْ جَذْعِهِ حَتَّى تَمْطُرَ السَّمَاءُ كَأَفْوَاهِ الْقِرَبِ. ففي الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَيْنَاكَ وَمَا لَنَا بَعِيرٌ يَئِطُّ، وَلَا صَبِيٌّ يَغْطِطُ، ثُمَّ أَنْشَدَ شِعْراً، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مُغِيثاً مَرِيئاً مَرِيعاً…»، فَمَا رَدَّ يَدَيْهِ حَتَّى أَلْقَتِ السَّمَاءُ بِأَرْوَاقِهَا، وَجَاءَ أَهْلُ السَّوِيقِ يَصْرُخُونَ: الْغَرَقَ الْغَرَقَ، فَقَالَ ﷺ: «حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا» (رواه البخاري ومسلم). وَفِي يَوْمِ بَدْرٍ، شَخَصَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ يُنَاشِدُ رَبَّهُ وَيَسْقُطُ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ» (رواه مسلم)، فَمَا طَالَبَ حَتَّى تَنَزَّلَتِ الْمَلَائِكَةُ مُرْدِفِينَ، وَتَحَقَّقَ النَّصْرُ الْمُبِينُ،
ومن ذلك أيضا: ما جاء في قصة النفر الذين استأنسوا بمجلس رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأطالوا المكث فيه، حتى تأذى النبي – صلى الله عليه وسلم – من طول مكثهم، ولشدة حيائه استحى أن يقول لهم : قوموا .. أو اخرجوا، فنزلت آيات تأمر الصحابة – رضي الله عنهم – بعدم المكث عنده فوق الحاجة، ففي الصحيحين: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ …كَانَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – عَرُوسًا بِزَيْنَبَ فَقَالَتْ لِي أُمُّ سُلَيْمٍ لَوْ أَهْدَيْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – هَدِيَّةً فَقُلْتُ لَهَا افْعَلِي. فَعَمَدَتْ إِلَى تَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَاتَّخَذَتْ حَيْسَةً فِى بُرْمَةٍ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا مَعِي إِلَيْهِ، فَانْطَلَقْتُ بِهَا إِلَيْهِ فَقَالَ لِي «ضَعْهَا». ثُمَّ أَمَرَنِي فَقَالَ «ادْعُ لِي رِجَالاً – سَمَّاهُمْ – وَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ». قَالَ فَفَعَلْتُ الَّذِي أَمَرَنِي فَرَجَعْتُ فَإِذَا الْبَيْتُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى تِلْكَ الْحَيْسَةِ، وَتَكَلَّمَ بِهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً، يَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَيَقُولُ لَهُمُ «اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ». قَالَ حَتَّى تَصَدَّعُوا كُلُّهُمْ عَنْهَا، فَخَرَجَ مِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ، وَبَقِىَ نَفَرٌ يَتَحَدَّثُونَ، قَالَ وَجَعَلْتُ أَغْتَمُّ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – نَحْوَ الْحُجُرَاتِ، وَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِ فَقُلْتُ إِنَّهُمْ قَدْ ذَهَبُوا. فَرَجَعَ فَدَخَلَ الْبَيْتَ، وَأَرْخَى السِّتْرَ، وَإِنِّي لَفِي الْحُجْرَةِ، وَهْوَ يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِىِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَّ فَيَسْتَحْيِى مِنْكُمْ وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِى مِنَ الْحَقِّ) (53) الاحزاب
ومن ذلك أيضا: ما ينزل من الآيات عند حزنه – صلى الله عليه وسلم – وضيق صدره، فتكون تلك الآيات بلسماً على قلبه – صلى الله عليه وسلم- إذ يقول له ربه: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) الانعام (33)، وقال الله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) الحجر (97) (99) ،
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ
الخُطْبَةُ الثانية (رَبُّكَ يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (الضحى:5). فإِذَا كَانَتْ هَذِهِ بَعْضَ مَظَاهِرِ إِكْرَامِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ الْفَانِيَةِ، فَكَيْفَ بِمَقَامِهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ؟، فهُنَاكَ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، حِينَ تَسْقُطُ الْأَعْذَارُ، وَتُلْجِمُ الشَّمْسُ الْخَلَائِقَ بِالْعَرَقِ، وَيَجْثُو الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ عَلَى الرُّكَبِ مِنَ الْهَوْلِ، يَقُولُ كُلُّ خَلِيلٍ وَنَبِيٍّ: “نَفْسِي نَفْسِي، فإِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ”.
هُنَالِكَ، يَتَقَدَّمُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، بَدْرُ التَّمَامِ، وَمِسْكُ الْخِتَامِ ﷺ، فَيَخِرُّ سَاجِداً تَحْتَ الْعَرْشِ، وَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ مَا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى بَشَرٍ قَبْلَهُ، ففي صحيح البخاري: (..ائْتُوا مُحَمَّدًا – صلى الله عليه وسلم – عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. فَيَأْتُونِي فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّى فَيُؤْذَنُ {لِي} فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُقَالُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ،ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي – مِثْلَهُ – ثُمَّ أَشْفَعُ ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ {ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ} ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلاَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ».
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
وتَأَمَّلُوا فلَمْ يُعَجِّلْ نَبِيُّكُمْ ﷺ دَعْوَتَهُ الْمُسْتَجَابَةَ فِي الدُّنْيَا لِنَفْسِهِ أَوْ لِأَهْلِهِ، بَلِ ادَّخَرَهَا لَكُمْ، ادَّخَرَهَا لِأُمَّتِهِ الْمُذْنِبَةِ الْمُخْطِئَةِ لِتَكُونَ لَهُمْ أَمَاناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا في الحديث: (قَالَ ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً» (رواه مسلم).
فَيَا لَهُ مِنْ نَبِيٍّ رَحِيمٍ، وَيَا لَهُ مِنْ حَبِيبٍ كَرِيمٍ، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة:128).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فوَازِنُوا بَيْنَ هَذَا الْإِكْرَامِ الْإِلَهِيِّ لِنَبِيِّكُمْ، وَبَيْنَ وَاقِعِكُمْ مَعَ سُنَّتِهِ، ومنها: تَعْظِيمُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ: فَمَنْ كَانَ رَبُّ الْعِزَّةِ يُسَارِعُ فِي هَوَاهُ، وَيَقْضِي شَأْنَهُ، فكَيْفَ يَحُقُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ يَقْدِمَ هَوَى نَفْسِهِ، أَوْ قَوْلَ غَيْرِهِ، عَلَى سُنَّتِهِ الشَّرِيفَةِ؟، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء: 65).
ومنها: شِدَّةُ الشَّوْقِ وَتَمَثُّلُ الْمَحَبَّةِ: وذلك بأَنْ تَكُونَ سِيرَتُهُ حَاضِرَةً فِي بُيُوتِكُمْ، وَمَعَ أَبْنَائِكُمْ، تُحْيُونَ سُنَّتَهُ فِي الْأَخْلَاقِ، وَالْمُعَامَلَاتِ، وَالصَّبْرِ، وَالصِّدْقِ، وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ.
ومنها: الإِكْثَارُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ: فَهِيَ مِفْتَاحُ الْفَرَجِ، وَتَفْرِيجُ الْكُرُوبِ، وَالسَّبَبُ الْأَعْظَمُ لِنَيْلِ قُرْبِهِ وَشَفَاعَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
فاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، صَلَاةً وَسَلَاماً دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ احْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ، وَأَوْرِدْنَا حَوْضَهُ، وَاسْقِنَا مِنْ يَدِهِ الشَّرِيفَةِ شَرْبَةً هَنِيئَةً مَرِيئَةً لَا نَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَداً، وَاجْمَعْنَا بِهِ فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
الدعاء
