خطبة عن (رَبُّكَ يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ)
أغسطس 24, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «هُوَ بَدْرُ التَّمَامِ وَمِسْكُ الْخِتَامِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
في الصحيحين: (قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ -صلى الله عليه وسلم- «مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنَى بُيُوتًا فَأَحْسَنَهَا وَأَجْمَلَهَا وَأَكْمَلَهَا إِلاَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيُعْجِبُهُمُ الْبُنْيَانُ فَيَقُولُونَ أَلاَّ وَضَعْتَ هَا هُنَا لَبِنَةً فَيَتِمَّ بُنْيَانُكَ». فَقَالَ مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- «فَكُنْتُ أَنَا اللَّبِنَةَ». وفي رواية: (قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ». وفي رواية: «فَأَنَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ جِئْتُ فَخَتَمْتُ الأَنْبِيَاءَ».
إخوة الإسلام
يقول اللهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة:3). فمَا أَعْظَمَهُ مِنْ صَرْحٍ، وَمَا أَبْهَاهُ مِنْ بُنْيَانٍ، صَرْحُ الْهُدَى، الَّذِي رَفَعَ اللَّهُ قَوَاعِدَهُ بِالأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، صَرْحٌ يُمَجَّدُ، وَمَجْدٌ يَتَشَيَّدُ، تَعَاقَبَتْ عَلَيْهِ النُّبُوَّاتُ، وَتَنَزَّلَتْ بِهِ الرِّسَالاَتُ ،فَكُلُّ نَبِيٍّ يَبْنِي فِي زَاوِيَةٍ، وَكُلُّ رَسُولٍ يُشَيِّدُ فِي نَاحِيَةٍ، وَالْعَالَمُ يَرْتَقِبُ، وَالْبَشَرِيَّةُ تَتَشَوَّفُ: مَتَى يَكْتَمِلُ الْبَهَاءُ؟، وَمَتَى يَنْتَهِي الْبَنَاءُ؟.
حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ جَلَّ جَلاَلُهُ بِشَمْسِ الْمُصْطَفَى ﷺ، فَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا، وَبِلَبِنَةِ التَّمَامِ، فَسَدَّتِ الثُّلْمَةَ، وَأَكْمَلَتِ الْبُنْيَانَ، فَلاَ شَرِيعَةَ بَعْدَ شَرِيعَتِهِ، وَلاَ نَبِيَّ بَعْدَ بَعْثَتِهِ، وَلاَ كَمَالَ يَعْلُو كَمَالَ دِينِهِ، فَيَا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ، تَجِلُّ عَنِ الشُّكْرِ، وَيَا لَهُ مِنْ مَقَامٍ، يَمْلأُ الْقُلُوبَ عِزّاً وَيَقِيناً، فإِنَّ الاِعْتِزَازَ بِهَذَا الْكَمَالِ النَّبَوِيِّ، لَيْسَ مُجَرَّدَ عَاطِفَةٍ جَيَّاشَةٍ، تُبَثُّ فِي الْمَحَافِلِ، وَلاَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ عَلَى الأَلْسُنِ، بَلْ هُوَ شُهُودٌ يَقِينِيٌّ، يَبْنِي الْعَقِيدَةَ، وَيُقِيمُ السُّلُوكَ، وَيَدْفَعُ لِلْعَمَلِ وَالإِصْلاَحِ.
وفي الحديث المتقدم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتاً فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلاَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلاَّ وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ» (رواه البخاري ومسلم).
فتَأَمَّلُوا هَذَا الْمَثَلَ النَّبَوِيَّ الْبَلِيغَ، الَّذِي يَأْخُذُ بِالأَلْبَابِ، وَيُسَجِّلُ الْحَقَائِقَ الْكُبْرَى، فِي كَلِمَاتٍ كَالشَّهْبِ، فالنَّبِي ﷺ يَبْدَأُ هَذَا الْبَيَانَ بِاسْتِخْدَامِ أُسْلُوبِ ضَرْبِ الأَمْثَالِ، وَهُوَ أُسْلُوبٌ شَرِيفٌ، يَقْرُبُ المَعَانِي الإِيمَانِيَّةَ العَمِيقَةَ، وَالأُمُورَ العَقَدِيَّةَ الغَيْبِيَّةَ لِعُقُولِ النَّاسِ، بِتَصْوِيرٍ حِسِّيٍّ بَهِيٍّ، تَرَاهُ القُلُوبُ، وَتَسْتَرْوِحُ جَمَالَهُ.
لَقَدْ حَوَّلَ الحديثُ الشَّرِيفُ مَفْهُومَ النُّبُوَّاتِ المُتَعَاقِبَةِ عَبْرَ التَّارِيخِ إِلَى صَرْحٍ مَعْمَارِيٍّ مُتَكَامِلٍ، يَطُوفُ بِهِ النَّاسُ، وَيَنْظُرُونَ إِلَى حُسْنِهِ وجماله، وَيَعْجَبُونَ مِنْ دِقَّةِ بِنَائِهِ، فَيَكُونُ الأَثَرُ فِي النُّفُوسِ أَعْظَمَ وَأَبْقَى.
ثُمَّ انْظُرُوا كيف يُعْلِنُ هَذَا الْمَثَلُ الحَقِيقَةَ الْكُبْرَى، وهي أنَّ دِينَ الأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ، وَمِشْكَاةَ الْمُرْسَلِينَ وَاحِدَةٌ، فَالشَّرَائِعُ الإِلَهِيَّةُ، مِنْ لَدُنْ (آدَمَ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى) (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)، تَنْبَعُ مِنْ مَصْدَرٍ وَاحِدٍ، وَتَسْتَنِدُ إِلَى أَصْلٍ لاَ يَتَغَيَّرُ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ.
فَمَا جَاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ لِيَهْدِمَ مَا بَنَاهُ الإِخْوَةُ الأَنْبِيَاءُ مِنْ قَبْلِهِ، وَلاَ لِيُنَاقِضَ الأُصُولَ الَّتِي أُرْسِلُوا بِهَا، بَلْ جَاءَ لِيُكْمِلَ الْصَرْحَ، وَيَسُدَّ النَّقْصَ، وَيَضَعَ خَاتَمَ الْكَمَالِ، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى:13).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وفِي هَذَا الحَدِيثِ يتبين لنا: مَقَامُ النَّبِيِّ ﷺ كَالْلَّبِنَةِ المُمَكَّنَةِ المِتْمَمَةِ؛ وكَيْفَ صَارَ ﷺ هُوَ هَذِهِ اللَّبِنَةَ، الَّتِي أُكْمِلَ بِهَا المَبْنَى، فَفِي بَعْثَتِهِ وَشَرِيعَتِهِ اسْتَقَرَّتِ الأَحْكَامُ، وَتَمَّتِ المَكَارِمُ الأخَلاَقِيَّةُ، وَأُحْكِمَتِ التَّشْرِيعَاتُ، الَّتِي تُنَظِّمُ حَيَاةَ البَشَرِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، فَلَمْ تَبْقَ ثُلْمَةٌ فِي جِدَارِ الهِدَايَةِ إِلاَّ وَسَدَّهَا، وَلاَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الخَيْرِ إِلاَّ دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ. وفي الحديث: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: «تَرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إِلاَّ ذَكَرَ لَنَا مِنْهُ عِلْماً» (رواه أحمد وصححه الألباني).
وفي مسند أحمد: (قَالَ صلى الله عليه وسلم: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلاَّ هَالِكٌ وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفاً كَثِيراً فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْداً حَبَشِيًّا عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ).
وقوله في الحديث المتقدم: «فَكُنْتُ أَنَا اللَّبِنَةَ». وفي رواية: (قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ»، فهو يَتَطَابَقُ وَيَتَآزَرُ مَعَ صَرِيحِ آيَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ؛ فَقَدْ جَاءَتْ آيَاتُ الذِّكْرِ الحَكِيمِ مُصَدِّقَةً لِهَذَا المَثَلِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:40)، وَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (آل عمران:50). فَالقُرْآنُ يَشْهَدُ بِأَنَّ الرِّسَالَةَ النَّبَوِيَّةَ هِيَ التَّمَامُ، وَأَنَّ المِثَاقَ الَّذِي أُخِذَ عَلَى الأَنْبِيَاءِ قَدْ حَقَّقَهُ اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ.
وفي الحديث بَيَانُ شِدَّةِ حَاجَةِ البَشَرِيَّةِ قَاطِبَةً إِلَى بَعْثَتِهِ ﷺ؛ فَالْبِنَاءُ المَجِيدُ -مَهْمَا بَلَغَ مِنْ حُسْنِ الحِجَارَةِ، وَجَمَالِ التَّشْيِيدِ- يَظَلُّ نَاقِصاً، تَعْتَرِيهِ الثَّغَرَاتُ، وَتَتَطَلَّعُ أَبْصَارُ الطَّائِفِينَ إِلَى سَدِّ خَلَلِهِ، فَلَقَدْ كَانَتِ الأَرْضُ يَوْمَ بُعِثَ -ﷺ- تُمَادُّ فِي الظَّلاَمِ، وَتَعِيشُ فِي جَاهِلِيَّةٍ جَهْلاَءَ، وَتَضْطَرِبُ فِي ظُلُمَاتِ الشِّرْكِ، وَالتَّشَرُّعِ البَاطِلِ، فَكَانَت الأَرْضُ فِي حَاجَةٍ لَهَفَى، وَعَطَشٍ شَدِيدٍ، إِلَى هَذِهِ اللَّبِنَةِ؛ لِتَسُدَّ النَّقْصَ الشَّرْعِيَّ، وَالأَخْلاَقِيَّ، وَتُعِيدَ لِلإِنْسَانِيَّةِ رُشْدَهَا، وَكَرَامَتَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107).
وقوله -ﷺ-: (فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ): فيه عُمُومُ الرِّسَالَةِ لِلثَّقَلَيْنِ (الإِنْسِ وَالْجِنِّ) وَخُلُودُهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلَمَّا كَانَتْ شَرِيعَتُهُ ﷺ هِيَ اللَّبِنَةَ الأَخِيرَةَ وَالخِتَامِيَّةَ، فِي هَذَا البِنَاءِ الإِلَهِيِّ، واقْتَضَتِ الحِكْمَةُ الرَّبَّانِيَّةُ أَنْ لاَ تَكُونَ رِسَالَتُهُ خَاصَّةً بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، أَوْ جِيلٍ دُونَ جِيلٍ، بَلْ بَعَثَهُ اللَّهُ لِلإِنْسِ وَالجِنِّ جَمِيعاً، صَالِحَةً وَمُصْلِحَةً لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، مُسْتَوْعِبَةً لِكُلِّ أُمُورِ الحَيَاةِ وَنَوَازِلِهَا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف:158).
وقوله -ﷺ-: (فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ): فِيه دَحْض البَاطِلِ وَتَصْحِيح العَقَائِدِ، وإِبْطَالُ وَتَكْذِيبُ كُلِّ مَنْ ادَّعَى النُّبُوَّةَ بَعْدَهُ ﷺ، فهَذَا الحَدِيث يَقْطَعُ دَابِرَ كُلِّ كَذَّابٍ أَفَّاكٍ، يَخْرُجُ عَلَى الأُمَّةِ، يَزْعُمِ النُّبُوَّةِ أَوْ الوَحْيِ؛ إِذْ كَيْفَ تُوضَعُ لَبِنَةٌ فِي جِدَارٍ قَدْ تَمَّ وَاكْتَمَلَ وَاسْتَقَرَّ؟، فَكُلُّ دَعْوَى لِلْنُّبُوَّةِ بَعْدَهُ ﷺ هِيَ دَعْوَى بَاطِلَةٌ، مُصَادِمَةٌ لِكَمَالِ البِنَاءِ وَخَاتَمةِ الرِّسَالَةِ، فَمَنْ ادَّعَى النُّبُوَّةَ بَعْدَهُ فَقَدْ كَفَرَ بِمُحَكَمِ التَّنْزِيلِ. وفي الحديث: (عَنْ ثَوْبَانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلاَثُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي» (رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني).
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية «هُوَ بَدْرُ التَّمَامِ وَمِسْكُ الْخِتَامِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
أما عن الأَثَر السُّلُوكِي وَالْعَمَلِي لِهَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ فِي حَيَاةِ المُسْلِمِ: فإِذْ إِذَا كَانَ نَبِيُّكُمْ ﷺ هُوَ اللَّبِنَةَ الَّتِي اكْتَمَلَ بِهَا صَرْحُ الدِّينِ، فَمَاذَا أَنْتُمْ فَاعِلُونَ فِي جِدَارِ هَذِهِ الأُمَّةِ؟. فإِنَّ الإِيمَانَ بِخَاتَمِيَّةِ الرِّسَالَةِ، وَكَمَالِ الدِّينِ، لَيْسَ عَقِيدَةً تُسَجَّلُ فِي السُّطُورِ، أَوْ مَعْرِفَةً تُحْفَظُ فِي الصُّدُورِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ نَهْضَةٌ فِي النُّفُوسِ، وَعَزِيمَةٌ فِي الْقُلُوبِ، وَعَمَلٌ طَائِلٌ فِي الْوَاقِعِ، فكَيْفَ نَبْغِي الشَّرَائِعَ مِنْ غَيْرِ دِينِنَا وَقَدْ كَمُلَ؟، وَكَيْفَ نَلْتَمِسُ الأَخْلاَقَ مِنْ سِوَى هَدْيِ نَبِيِّنَا وَقَدْ تَمَّ؟، وَكَيْفَ نَرْضَى بِالاِسْتِيرَادِ الفِكْرِيِّ، وَالسُّلُوكِيِّ، مِنْ مَنَاهِجَ بَشَرِيَّةٍ قَاصِرَةٍ، وَعِنْدَنَا الكِتَابُ المَعْصُومُ، وَالسُّنَّةُ المَاهِرَةُ المطهرة؟.
أَلاَ فَلْيَعْلَمْ كُلُّ (مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ)، أَنَّهُ لَبِنَةٌ فِي هَذَا الْبُنْيَانِ العَظِيمِ؛ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ لَبِنَةَ عِزٍّ، وَتَمْكِينٍ، وَإِصْلاَحٍ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ ثُلْمَةَ ضَعْفٍ وَوَهَنٍ وَفَسَادٍ!.
فكُنْ لَبِنَةً صَالِحَةً فِي بَيْتِكَ، بِتَرْبِيَةِ أَوْلاَدِكَ عَلَى التَّقْوَى وَالقُرْآنِ، وكُنْ لَبِنَةً قَوِيَّةً فِي مُجْتَمَعِكَ، بِإِقَامَةِ الْعَدْلِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ وَإِتْقَانِ العَمَلِ، وكُنْ لَبِنَةً مُشْرِقَةً فِي أُمَّتِكَ، بِأَنْ تَكُونَ دَاعِياً إِلَى الْخَيْرِ، آمِراً بِالْمَعْرُوفِ، نَاهِياً عَنِ الْمُنْكَرِ، مُصْلِحاً بَيْنَ النَّاسِ.
وَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ يُؤْتَى الإِسْلاَمُ مِنْ قِبَلِكَ، أَوْ أَنْ تَكُونَ سَبَباً فِي ثُلْمَةٍ فِي جِدَارِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وفي الحديث: (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً» وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) (رواه البخاري ومسلم).
وفي الحديث: (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ» (رواه مسلم).
إِنَّ اسْتِحْضَارَ المؤمن لهَذَا الكَمَالِ الشَّرْعِيِّ، يَفْتَحُ لِه بَصِيرَةً عَمِيقَةً، يُدْرِكُ مِنْ خِلاَلِهَا أَنَّ المَنْهَجَ الإِسْلاَمِيَّ هُوَ الحَقِيقَةُ المُمَكَّنَةُ فِي الوُجُودِ، فَتَزْدَادُ القُلُوبُ طُمَأْنِينَةً، وَتَرْسُخُ الأَقْدَامُ ثَبَاتاً، وَتَتَنَشَّطُ العَزَائِمُ لِلْعَمَلِ وَالبِنَاءِ.
فكَيْفَ لاَ تَنْشَرِحُ الصُّدُورُ إِجْلاَلاً لِمَنْ كَانَ بَدْرَ التَّمَامِ وَمِسْكَ الخِتَامِ؟، وَكَيْفَ لاَ يَقُومُ العَبْدُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ طَاقَاتِهِ لِيَكُونَ لَبِنَةً صَالِحَةً فِي جِدَارِ هَذِهِ الأُمَّةِ المَرُوحَةِ؟.
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاشْكُرُوا اللَّهَ عَلَى نِعْمَةِ الإِسْلاَمِ، وَاعْتَزُّوا بِدِينِكُمُ الْكَمَالِ، وَاتَّبِعُوا نَبِيَّكُمُ الْخَاتَمَ ظَاهِراً وَبَاطِناً، وَكُونُوا فِي أُمَّتِكُمْ لَبِنَاتِ إِصْلاَحٍ وَبِنَاءٍ، لِتَفُوزُوا بِرِضْوَانٍ مِنَ اللَّهِ وَأَجْرٍ كَبِيرٍ.
الدعاء
