خطبة عن (مِيلَادُ الرَّسُولِ)
أغسطس 26, 2026الخطبة الأولى (مِنْ وَصَايَا النَّبِيِّ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
في صحيح الترغيب والترهيب للألباني: (عن أبي ذر: قال قلت: يا رسول الله أوصني قال: (أُوصيكَ بتقوى اللهِ؛ فإنها رأسُ الأمرِ كلِّه، قلتُ: يا رسولَ اللهِ زِدْنِي. قال: عليك بتلاوةِ القرآنِ، وذِكرِ اللهِ؛ فإنَّهُ نورٌ لك في الأرضِ، وذخرٌ لك في السماءِ قلتُ: يا رسولَ اللهِ زِدْني. قال: إياك وكثرةَ الضحكِ؛ فإنَّهُ يُميتُ القلبَ، ويذهبُ بنورِ الوجهِ قلتُ: يا رسولَ اللهِ زِدْنِي. قال: عليك بالجهادِ؛ فإنَّهُ رهبانيةُ أُمَّتِي… قلتُ: يا رسولَ اللهِ زدني. قال: أَحِبَّ المساكين وجالِسْهُمْ. قلتُ: يا رسولَ اللهِ زدني. قال: انظر إلى من هو تحتَك، ولا تنظر إلى من هو فوقَك؛ فإنَّهُ أجدرُ أن لا تزدري نعمةَ اللهِ عندَك قلتُ: يا رسولَ اللهِ زِدْنِي. قال: قُلِ الحقَّ وإن كان مُرًّا) صحيح لغيره.
إخوة الإسلام
إِنَّ الأُمَّةَ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَحِينٍ، وَخَاصَّةً فِي هَذَا الزَّمَنِ، الَّذِي كَثُرَتْ فِيهِ الفِتَنُ، وَتَلاَطَمَتْ فِيهِ الشُّبُهَاتُ، وَالشَّهَوَاتُ، لَأَحْوَجُ مَا تَكُونُ إِلَى مَنَارَاتٍ هَادِيَةٍ، وَمَعَالِمَ وَاضِحَةٍ، تَسْتَمِدُّ مِنْهَا سَيْرَهَا إِلَى اللهِ جَلَّ وَعَلَا.
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ المَنَارَاتِ الَّتِي خَلَّدَهَا التَّارِيخُ الإِسْلَامِيُّ، هَذَا الحَدِيثُ الجَلِيلُ الَّذِي يَرْوِيهِ الصَّحَابِيُّ الزَّاهِدُ، القَوَّامُ بِالحَقِّ، (أَبُو ذَرٍّ الغِفَارِيُّ) (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ).
وتَأَمَّلُوا فِي هَذَا المَشْهَدِ التَّرْبَوِيِّ العَظِيمِ، ف(أَبُو ذَرٍّ) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، يَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، يَظْمَأُ إِلَى الحِكْمَةِ، وَيَسْتَجْدِي الزَّادَ لِلآخِرَةِ، يَعْلَمُ أَنَّ أَلْفَاظَ النُّبُوَّةِ، هِيَ أَنْوَارُ القُلُوبِ، فَلَمْ يَكْتَفِ بِوَصِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلاَ بِثَنْتَيْنِ، بَلْ كُلَّمَا صَبَّ لَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) نَهْرًا مِنَ الخَيْرِ، قَالَ بِشَغَفٍ وَتَطَلُّعٍ: «يَا رَسُولَ اللهِ زِدْنِي».. وَالنَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَرْمُقُهُ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ، وَيَسْكُبُ فِي صَدْرِهِ مَعَالِمَ الدَّسْتُورِ الخَالِدِ، الَّذِي يَبْنِي الإِنْسَانَ الظَّاهِرَ وَالبَاطِنَ.
فتَعَالَوْا بِنَا نَقِفُ مَعَ الأَرْكِانِ الأُولَى مِنْ هَذِهِ الوَصَايَا الجَامِعَةِ لِنَسْتَبِينَ عِلَلَ القُلُوبِ وَدَوَاءَهَا:
الوَصِيَّةُ الأُولَى: ﴿أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ؛ فَإِنَّهَا رَأْسُ الأَمْرِ كُلِّهِ﴾، فقد بَدَأَ النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في وصيته (بِالتَّقْوَى)؛ لِأَنَّ التَّقْوَى هِيَ الجَذْرُ الثَّابِتُ، الَّذِي إِذَا سَقَطَ، سَقَطَتْ كُلُّ الفُرُوعِ، فالتَّقْوَى لَيْسَتْ كَلِمَةً يُلَاكُ بِهَا اللِّسَانُ، وَلاَ مَظْهَرًا يُتَصَنَّعُ بِهِ فِي المَجَالِسِ؛ بَلْ هِيَ الخَوْفُ مِنَ الجَلِيلِ، وَالعَمَلُ بِالتَّنْزِيلِ، وَالقَنَاعَةُ بِالقَلِيلِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِيَوْمِ الرَّحِيلِ.
إِنَّهَا السِّيَاجُ الَّذِي يَحْمِيكَ حِينَ تُغْلَقُ الأَبْوَابُ، وَتُرْخَى السُّتُورُ، وَيَغِيبُ عنك نَظَرُ المَخْلُوقِينَ، لِذَا كَانَتْ التَّقْوَى هِيَ “رَأْسُ الأَمْرِ كُلِّهِ”؛ أَيْ: إِنَّ طَاعَةً بِلاَ تَقْوَى، كَالجَسَدِ بِلاَ رُوحٍ، وَإِنَّ حَيَاةً خَالِيَةً مِنَ التَّقْوَى، هِيَ الضَّيَاعُ وَالخُسْرَانُ المُبِينُ.
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو ذَرٍّ: «يَا رَسُولَ اللهِ زِدْنِي»، فَيَأْتِيهِ الغَيْثُ النَّبَوِيُّ الثَّانِي: الوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ: ﴿عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ القُرْآنِ، وَذِكْرِ اللهِ؛ فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي الأَرْضِ، وَذُخْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ﴾
يَا اللهُ، مَا أَعْظَمَ هَذَا الوَصْفَ!، فالقُرْآنُ وَالذِّكْرُ؛ هُمَا كُسِيرَةُ الرُّوحِ، وَغِذَاءُ القَلْبِ، وَصَقْلُ العَقْلِ. وتَأَمَّلُوا الثَّمَرَتَيْنِ الَّتَيْنِ عَقَدَهُمَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِلذَّاكِرِ، التَّالِي لِكِتَابِ اللهِ: ﴿نُورٌ لَكَ فِي الأَرْضِ﴾: يَمْشِي بِهِ العَبْدُ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَيُبْصِرُ بِهِ الحَقَّ، إِذَا اشْتَبَهَتْ الأُمُورُ، وَيَهْتَدِي بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الفِتَنِ، وَيُجْعَلُ لَهُ بِهِ القَبُولُ، وَالهَيْبَةُ فِي قُلُوبِ العِبَادِ،
﴿وَذُخْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ﴾: أي: رَصِيدٌ لاَ تَنَالُهُ أَيْدِي السُّرَّاقِ، وَلاَ تُسْقِطُهُ الأَزَمَاتُ الإِقْتِصَادِيَّةُ؛ ثَرْوَةٌ إِيمَانِيَّةٌ مُدَّخَرَةٌ عِنْدَ رَبِّ العَرْشِ، تُثْقِلُ مَوَازِينَكَ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ.
فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذَا النُّورِ وَالذُّخْرِ؟!، وكَمْ مِنْ سَاعَاتٍ تضيع أَمَامَ الشَّاشَاتِ، وَكَمْ مِنْ أَوْقَاتٍ تُتْلَفُ فِي قِيلٍ وَقَالٍ، بَيْنَمَا المُصْحَفُ يَعْلُوهُ الغُبَارُ، وَالأَلْسِنَةُ جَافَّةٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ؟.
فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ المَلْهُوفُ: «يَا رَسُولَ اللهِ زِدْنِي»، فَيَنْتَقِلُ بِهِ النَّبِيُّ إِلَى بَابِ الصِّيَانَةِ وَالتَّزْكِيَةِ:
الوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ: ﴿إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ؛ فَإِنَّهُ يُمِيتُ القَلْبَ، وَيَذْهَبُ بِنُورِ الوَجْهِ﴾.
فتَأَمَّلُوا أَيُّهَا الكِرَامُ؛ فالنَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لَمْ يَنْهَ عَنِ الضَّحِكِ مُطْلَقًا، وَلاَ عَنِ التَّبَسُّمِ وَالمَزَاحِ المَشْرُوعِ؛ فَقَدْ كَانَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَبْسَطَ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَكْثَرَهُمْ تَبَسُّمًا، وَكَانَ يُمازِحُ أَصْحَابَهُ، وَلاَ يَقُولُ إِلاَّ حَقًّا.
وَلَكِنَّ المَحْذُورَ هُوَ ﴿كَثْرَةُ الضَّحِكِ﴾؛ أَيْ: هَذِهِ الحَالَةُ مِنَ السَّخَفِ الدَّائِمِ، وَالإِفْرَاطِ فِي التَّفَاهَةِ، وَالاهْتِزَازِ الَّذِي يُفْقِدُ المَرْءَ هَيْبَتَهُ وَوَقَارَهُ.
إِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ وَالاسْتِهْتَارِ كَالسُّمِّ البَطِيءِ؛ يَقْسُو بِهِ القَلْبُ حَتَّى يَمُوتَ، فَلَا يَتَأَثَّرُ بِمَوْعِظَةٍ، وَلاَ يَدْمَعُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَيُمَحَى بِهِ نُورُ الوَجْهِ، الَّذِي يَمْنَحُهُ اللهُ لِلصَّالِحِينَ المَخْبِتِينَ.
فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: «يَا رَسُولَ اللهِ زِدْنِي»، الوَصِيَّةُ الرَّابِعَةُ: ﴿عَلَيْكَ بِالجِهَادِ؛ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي﴾
فالأُمَمُ السَّابِقَةُ كَانَتْ رَهْبَانِيَّتُهَا فِي الِانْزِوَاءِ فِي الصَّوَامِعِ وَالكُهُوفِ، وَالفِرَارِ مِنَ المُجْتَمَعِ. أَمَّا فِي إِسْلَامِنَا العَظِيمِ، فَإِنَّ “الرَّهْبَانِيَّةَ” الحَقِيقِيَّةَ هِيَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ بَذْلُ النَّفْسِ وَالمَالِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ، وَمُقَاوَمَةُ البَاطِلِ، وَكَذَلِكَ جِهَادُ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ، وَالـصَّبْرُ فِي مَيَادِينَ الحَيَاةِ، إِنَّهُ عِبَادَةٌ إِيجَابِيَّةٌ حَيَّةٌ، تَصْنَعُ الأَبْطَالَ، وَتَحْمِي ثُغُورَ الأُمَّةِ، وَتَبْنِي المَجْدَ العَزِيزَ!
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (مِنْ وَصَايَا النَّبِيِّ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ونَسْتَكْمِلُ هَذَا القَبَسَ النَّبَوِيَّ الشَّرِيفَ: فَحِينَمَا لَمْ يَرْتَوِ قَلْبُ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: «يَا رَسُولَ اللهِ زِدْنِي»، نَقَلَهُ المُصْطَفَى (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِلَى مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، الَّتِي تُصْلِحُ المَعَامَلاَتِ مَعَ الخَلْقِ، وَتُعَالِجُ أَمْرَاضَ القُلُوبِ الدَّفِينَةِ: الوَصِيَّةُ الخَامِسَةُ: ﴿أَحِبَّ المَسَاكِينَ وَجَالِسْهُمْ﴾
فتَأَمَّلُوا هَذِهِ العَاطِفَةَ الإِسْلَامِيَّةَ النَّبِيلَةَ، فلَمْ يَقُلْ “أَطْعِمِ المَسَاكِينَ” فَحَسْبُ، بَلْ قَالَ: ﴿أَحِبَّ المَسَاكِينَ وَجَالِسْهُمْ﴾، فإِنَّ إِطْعَامَ الفَقِيرِ قَدْ يَكُونُ صَدَقَةً، أَوْ إِحْسَانًا مَادِّيًّا، أَمَّا «المَحَبَّةُ وَالمُجَالَسَةُ» فَهِيَ الَّتِي تُسْقِطُ الفَوَارِقَ الطبَقِيَّةَ، وَتَغْسِلُ مِنَ القَلْبِ أَدْرَانَ الكِبْرِ وَالعُجْبِ وَالغُرُورِ.
فحِينَ تَجْلِسُ إِلَى المِسْكِينِ، وَتَأْكُلُ مَعَهُ، وَتَسْتَمِعُ إِلَى أَلَمِهِ، وَتَمْسَحُ عَلَى رَأْسِ يَتِيمِهِ، فَأَنْتَ تُدَاوِي قَلْبَكَ أَنْتَ، قَبْلَ أَنْ تُدَاوِيَ فَقْرَهُ هو، وتَتَعَلَّمُ التَّوَاضُعَ، وَتَعْرِفُ قِيمَةَ النِّعَمِ، وَتَسْتَشْعِرُ أُخُوَّةَ الدِّينِ، الَّتِي لاَ تُفَرِّقُ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ.
فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: «يَا رَسُولَ اللهِ زِدْنِي»، فَقَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): الوَصِيَّةُ السَّادِسَةُ: ﴿انْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ تَحْتَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكَ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرِيَ نِعْمَةَ اللهِ عِنْدَكَ﴾.
اللهُ أَكْبَرُ، هَذَا هُوَ الدَّوَاءُ النَّفْسِيُّ العَجِيبُ لِلْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا، وَالعِلاَجُ المَاحِقُ لِلْحَسَدِ وَالاحْتِقَارِ ،فنَحْنُ نَعِيشُ فِي عَصْرٍ ضَاعَفَتْ فِيهِ مَظَاهِرُ التَّفَاخُرِ وَمَوَاقِعُ التَّواصُلِ حَالَةَ “العَمَى المَادِّيِّ”؛ فَيَظَلُّ المَرْءُ يَنْظُرُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فِي المَالِ، وَالمَرْكَبِ، وَالقَصْرِ، وَالتِّجَارَةِ، فَيَسْتَصْغِرُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَسْخَطُ عَلَى قَدَرِ اللهِ، وَيَعِيشُ فِي هَمٍّ دَائِمٍ وَسَخَطٍ لَا يَنْتَهِي.
ولَكِنَّ المَنَهْجَ النَّبَوِيَّ يَقُولُ لَكَ: فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، انْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَقَلَّ مِنْكَ، انْظُرْ إِلَى المَرِيضِ الَّذِي يَرِفُلُ فِي الآلاَمِ، وَأَنْتَ صَحِيحٌ، انْظُرْ إِلَى الـمَشردِ، وَأَنْتَ فِي بَيْتٍ آَمِنٍ، وانْظُرْ إِلَى المَحْرُومِ، وَأَنْتَ تَجِدُ قُوتَ يَوْمِكَ، حِينَئِذٍ يَمْتَلِئُ قَلْبُكَ شُكْرًا وَإِجْلَالًا، وَتَقُولُ مِنْ أَعْمَاقِكَ: “اـحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا”.
أَمَّا فِي أُمُورِ الآخِرَةِ وَالدِّينِ، فَانْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكَ، لِتَسْتَقِلَّ عَمَلَكَ، وَتَسَارِعَ فِي الخَيْرَاتِ.
فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ الشَّائِقُ: «يَا رَسُولَ اللهِ زِدْنِي»، فَخَتَمَ لَهُ النَّبِيُّ بِعِمَادِ الشَّجَاعَةِ وَالأَمَانَةِ: الوَصِيَّةُ السَّابِعَةُ: ﴿قُلِ الحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا﴾، فهَذِهِ هِيَ صِفَةُ الرِّجَالِ الصَّادِقِينَ، وَالمُصْلِحِينَ الثَّابِتِينَ، أَنْ تَقُولَ الحَقَّ حَيْثُمَا كُنْتَ، ولاَ تَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ.
فالحَقُّ قَدْ يَكُونُ مُرًّا عَلَى النَّفْسِ، ثَقِيلًا عَلَى الأَهْوَاِء، مُخَالِفًا لِلْمَصَالِحِ الشَّخْصِيَّةِ؛ وَلَكِنَّ المُؤْمِنَ الصَّادِقَ لاَ يُدَاهِنُ فِي دِينِهِ، وَلاَ يَشْهَدُ بِالزُّورِ، وَلاَ يُجَامِلُ فِي بَاطِلٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ إِرْضَاءَ اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ يَعْقُبُهُ العِزُّ، وَأَنَّ إِرْضَاءَ النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ يَعْقُبُهُ الذُّلُّ وَالمَهَانَةُ.
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
تِلْكَ هِيَ الوَصَايَا الثَّمَان الَّتِي أَهْدَاهَا رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِأَبِي ذَرٍّ، وللأمة في هذا الحديث، وَهِيَ هَدِيَّتُهُ لَنَا- مَعْشَرَ الـمُسْلِمِينَ- فِي كُلِّ زَمَانٍ ومكان، فَخُذُوهَا بِقُوَّةٍ، وَاجْعَلُوهَا مَنَاهِجَ عَمَلٍ فِي بُيُوتِكُمْ، وَأَسْوَاقِكُمْ، وَمَعَامَلَاتِكُمْ؛ لِتَفُوزُوا بِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَنَعِيمِ الآخِرَةِ.
فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
الدعاء
