خطبة عن (نَقَاءُ الْقَلْبِ وَصَفَاءُ السَّرِيرَةِ)
أغسطس 29, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (هل يحق للعبد أن يُحاسب سيده؟)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) (22)، (23) الأنبياء، وقال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (2)، (3) العنكبوت، وفي سنن الترمذي: (عَنْ سَعْدٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً قَالَ «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاَؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاَءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ».
إخوة الإسلام
(هل يحق للعبد أن يُحاسب سيده؟)، وللإجابة على هذا السؤال، سوف يكون لقاؤنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع: «أَدَبُ العَبْدِ مَعَ رَبِّهِ عِنْدَ نُزُولِ البَلاَءِ، وَعَظَمَةِ الحِكْمَةِ الإِلَهِيَّةِ»،
فَإِنَّ أَعْظَمَ مَا يُمَحَّصُ بِهِ إِيمَانُ العَبْدِ، وَيَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقُ يَقِينِهِ مِنْ زَيْفِهِ، هُوَ مَوْقِفُهُ حِينَ تَتَنَزَّلُ المِحَنُ، وَتَشْتَدُّ أُمُورُ الدُّنْيَا، وَتَتَوَالَى الِابْتِلاَءَاتُ عَلَى الأَفْرَادِ وَالأُمَمِ،
فَإِنَّ أَكْبَرَ الْمَصَائِبِ لَيْسَتْ تِلْكَ الَّتِي تُصِيبُ الأَبْدَانَ، أَوْ تَنَالُ مِنَ الأَمْوَالِ، بَلْ إِنَّ الأَشَدَّ وَالأَخْطَرَ هِيَ: المصَائِبُ الَّتِي تَمَسُّ العَقَائِدَ، وَتُفْسِدُ القُلُوبَ.
وَنحن اليوم فِي زَمَانٍ طَغَتْ فِيهِ المَادَّةُ، وَقَلَّتْ فِيهِ البَصِيرَةُ، وَانْخَدَعَ فِيهِ بعض النَّاسِ بِعُقُولِهِمُ القَاصِرَةِ، حَتَّى سَمِعْنَا فِي أَوْسَاطِ (المَحْزُونِينَ والمكروبين والجاهلين والشامتين) كَلِمَاتٍ شائنة ووقحة، يَقْشَعِرُّ مِنْهَا جِلْدُ المُؤْمِنِ، وَتَهْتَزُّ لَهَا أَرْكَانُ العَقِيدَةِ.
إننا اليوم نَسْمَعُ مَنْ يَقُولُ بِجُرأةٍ صَارِخَةٍ: “لِمَاذَا لاَ يُنْقُذُ اللَّهُ المَسَاكِينَ وَالمُسْتَضْعَفِينَ؟”، و”أَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ مِنَ الأَطْفَالِ وَالمُعَذَّبِينَ؟”، وَ”لِمَاذَا يَتْرُكُ اللَّهُ الظَّالِمِينَ يَبْطِشُونَ، وَلاَ يُهْلِكُهُمْ الله فِي التَّوِّ وَاللَّحْظَةِ دون عقاب؟!”، (أين عدل الله؟)، (أين قدرة الله؟)، أين وأين وأين….)
فَيَا لِلْجَهْلِ العَمِيقِ!، وَيَا لَلْجُرأةِ عَلَى مَقَامِ رَبِّ العَالَمِينَ!، لقد أَنَسى الشيطان هَؤُلاَءِ مَنْ هُم؟، وَمَنْ هُوَ اللَّهُ جَلَّ جَلاَلُهُ؟، أَنساهم حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ، حَتَّى نَصَّبُوا أَنْفُسَهُمْ حُكَّاماً، أَوْ مُحَاسِبِينَ لِلْخَالِقِ العَلِيمِ الحَكِيمِ سبحانه وتعالى؟!.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
اعلموا أنَّ أَوَّلَ حَجَرِ زَاوِيَةٍ (فِي عَقِيدَةِ المُسْلِمِ)، يُدَمِّرُ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ التي استمعنا إليها، وهُوَ: أَنْ يَعْلَمَ العَبْدُ حَقِيقَةَ مِلْكِيَّتِهِ لِلَّهِ؛ فنحن عبيد لله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة:156).
فنَحْنُ مِلْكٌ خَالِصٌ لِلَّهِ، خَلَقَنَا مِنْ عَدَمٍ، وَأَوْجَدَنَا بِقُدْرَتِهِ، وَتَكَفَّلَ بِأَرْزَاقِنَا، فَلَهُ الأَمْرُ كُلُّهُ، مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ، لاَ رَادَّ لِقَضَائِهِ، وَلاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.
فالله تعالى هُوَ المَالِكُ القَهَّارُ، الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِي مُلْكِهِ كَيْفَ يَشَاءُ، فَكَيْفَ لِلعبد الْمَمْلُوكِ، الَّذِي لاَ يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً، أَنْ يَقِفَ مُعْتَرِضاً عَلَى مَالِكِهِ وَخَالِقِهِ؟!.
ثُمَّ إِنَّ هَؤُلاَءِ (المعْتَرِضِينَ)، وهؤلاء المتلفظين بهذه الكلمات (الكفرية)، قَدْ ضَلُّوا فِي فَهْمِ طَبِيعَةِ هَذِهِ الدَّارِ التي نعيش فيها، وظَنُّوا أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ جَزَاءٍ، أَوْ دَارُ نَعِيمٍ خَالِدٍ، وَرَاحَةٍ مُطْلَقَةٍ، وَنَسُوا أَنَّ اللَّهَ مَا خَلَقَ الدُّنْيَا إِلاَّ لِتَكُونَ مَيْدَاناً لِلِابْتِلاَءِ، وَسَاحَةً لِلِامْتِحَانِ، وَمَزْرَعَةً لِلآخِرَةِ، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الملك:2).
فالإِيمَان لَيْسَ دَعْوَى بَرَّاقَةً، تُقَالُ بِاللِّسَانِ فِي أَوْقَاتِ الرَّخَاءِ وَالسَّلاَمَةِ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ، تُصْقَلُ فِي كِيرِ المَحَكَّاتِ وَالشَّدَائِدِ، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت:2-3).
فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَمَا وَعَدَ عِبَادَهُ بِالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ، أَخْبَرَهُمْ أَيْضاً بِأَنَّ بَلاَءَ السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالْخَوْفَ وَالْجُوعَ، أُمُورٌ حَتْمِيَّةٌ فِي هَذِهِ الدَّارِ؛ فقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة:155).
فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ طَرِيقَ الإِيمَانِ مفْرُوشٌ بِالوُرُودِ، أَوْ أَنَّ اللَّهَ يَمْنَعُ عَنْ أَوْلِيَائِهِ المِحَنَ، فَقَدْ جَهِلَ سُنَنَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة:214).
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
ولتتضح لكم الصورة: تَأَمَّلُوا جِيلَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- مَعَ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُمْ سَادَةُ الخَلْقِ، وَأَطْهَرُ القُلُوبِ، وَأَكْرَمُ مَنْ مَشَى عَلَى الأَرْضِ، فهَلْ سَمِعْتُمْ يَوْماً أَنَّ أَحَداً مِنْهُمْ فِي مَكَّةَ، أَوْ المَدِينَةِ، تَسَاءَلَ: “لِمَاذَا لاَ يَرْحَمُنَا اللَّهُ؟!” أَوْ “لِمَاذَا يَتْرُكُ أَعْدَاءَنَا يَبْطِشُونَ بِنَا؟!”؟، بل كَانَ سَيِّدُ الخَلْقِ ﷺ يَمُرُّ بِعَمَّارٍ بن ياسر وَأَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَهُمْ يُعذبون فِي رَمْضَاءِ مَكَّةَ، تُحْرَقُ أَجْسَادُهُمْ، وَتُرَضُّ عِظَامُهُمْ، فَمَا كَانَ مِنْهُ ﷺ إِلاَّ أَنْ صَبَّرَهُمْ، وَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلاَّ الرِّضَا وَالتَّسْلِيمُ، قَالَ ﷺ: «صَبْراً آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الجَنَّةُ» (رواه الحاكم في المستدرك وصححه).
ويُطْرَحُ بِلاَلٌ بن رباح – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَلَى رِمَالِ مَكَّةَ الملْتَهَبَةِ، وَتُوضَعُ الصَّخْرَةُ العَظِيمَةُ عَلَى صَدْرِهِ، فَلاَ يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ: “أَحَدٌ أَحَدٌ!”، أَيْ أَنَّ الرَّبَّ الَّذِي يَبْتَلِينِي هُوَ وَاحِدٌ، أَقَرُّ لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ، وَلم يتَّهِمُهُ فِي حِكْمَتِهِ.
ويُوضَعُ سَلاَ الجَزُورِ- وَهُوَ أَمْعَاءُ الشَّاةِ المُلَطَّخَةُ بِالدَّمِ وَالْفَرْثِ- عَلَى ظَهْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ سَاجِدٌ لربه عِنْدَ الكَعْبَةِ، وَيُشَجُّ وَجْهُهُ فِي غزوة أُحُدٍ، وَتُكْسَرُ رَبَاعِيَتُهُ، فَمَا كَانَ يَقُولُ إِلاَّ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» (رواه البخاري ومسلم).
هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء هم أصحابه، لم يتسخط منهم أحد، ولم يتلفظوا بمثل هذه الألفاظ الوقحة، التي نسمعها اليوم، بل ثَبَتُوا أَمَامَ هَذِهِ الابتلاءات العَاصِفَةِ، لِأَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، عَلِيمٌ بِأَحْوَالِ عِبَادِهِ، حَكِيمٌ فِي أَفْعَالِهِ، يَضَعُ الأُمُورَ فِي مَوَاضِعِهَا الدَّقِيقَةِ، الَّتِي تَقْصُرُ عَنْ أَدْرَاكِهَا العُقُولُ البَشَرِيَّةُ القَاصِرَةُ.
ففي صحيح البخاري: (عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ»
وفي الصحيحين: (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ، فَقَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلاَّ بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ قَالَ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ. ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فَمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ». فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».
فنحن نعلم يقينا: أن الانسان لاَ يَرَى إِلاَّ زَاوِيَةً ضَيِّقَةً مِنَ لَّوْحَةِ الحياة الدنيا، أَمَّا الحَكِيمُ الخَبِيرُ، فَيَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَيُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وهو سبحانه وتعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء :23). وَاعْلَمُوا أَنَّ المَرَاتِبَ العَالِيَةَ عِنْدَ اللَّهِ لاَ تُنَالُ إِلاَّ عَلَى جِسْرٍ مِنَ الصَّبْرِ وَالِاحْتِسَابِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (هل يحق للعبد أن يُحاسب سيده؟)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ (الأحزاب:22). فإِذَا كَانَتْ امْتِحَانَاتُ الدُّنْيَا تَبْدُو شَاقَّةً وَطَوِيلَةً، فَإِنَّ طَالِبَ الجَنَّةِ يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الحَيَاةَ الدنيا لَيْسَتْ سِوَى لَحْظَةٍ عَابِرَةٍ، إِذَا مَا قُورِنَتْ بِالأَبَدِ،
وفِي هَذِهِ الدُّنْيَا: لاَ يُمْنَحُ الطَّالِبُ الشَّهَادَةَ المَرْمُوقَةَ فِي الجَامِعَاتِ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ أَبْوَابَهَا، بَلْ بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ السَّهَرِ، وَالمُذَاكَرَةِ، وَالِامْتِحَانَاتِ الصَّعْبَةِ، فَكَيْفَ يَظُنُّ الإِنْسَانُ أَنَّهُ سَيَنَالُ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَمُجَاوَرَةَ الأَنْبِيَاءِ، دُونَ أَنْ يَمُرَّ بِمَيَدَانِ الِاخْتِبَارِ، والابتلاء، والفتن والتمحيص؟
ولِقَدْ قَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ أَنْ تَكُونَ الجَنَّةُ لِلصَّابِرِينَ، قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ (الإنسان: 12)، وَقَالَ جَلَّ وَعَلاَ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10).
بَلْ إِنَّ الصَّادِقِينَ لاَ يُفَاجَؤُونَ بِعِظَمِ البَلاَءِ، لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ بَلاَءً هُمْ أَحَبُّ الخَلْقِ إِلَى اللَّهِ، ففي الحديث: (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ؛ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ فِي بَلَائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، فَمَا يَبْرَحُ البَلَاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (رواه الترمذي)
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَتَأَمَّلُوا هَذَا المَشْهَدَ العَظِيمَ، الَّذِي يَمْحُو كُلَّ بؤْسٍ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، ففي الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْراً قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ! وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْساً فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْساً قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ! مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلاَ رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ» (رواه مسلم). سُبْحَانَ اللَّهِ!، غَمْسَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ، تُنْسِي صَاحِبَهَا آلاَمَ العُمْرِ، وَجِرَاحَ السِّنِينَ، وَفَقْدَ الأَحِبَّةِ، وَمَرَارَةَ الِابْتِلاَءِ، فَمَا بَالُ هؤلاء الذين يَسْتَعْجِلُونَ وَيَعْتَرِضُونَ، وَكَأَنَّ الدُّنْيَا هِيَ النِّهَايَةُ، وهي دار الجزاء؟.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
فاحْذَرُوا سَقَطَاتِ الأَلْسُنِ، وَشُؤْمَ الكَلِمَاتِ في هذا الزمان، مثل: “لِمَاذَا لاَ يُنْقُذُ اللَّهُ المَسَاكِينَ وَالمُسْتَضْعَفِينَ؟”، و”أَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ مِنَ الأَطْفَالِ وَالمُعَذَّبِينَ؟”، وَ”لِمَاذَا يَتْرُكُ اللَّهُ الظَّالِمِينَ يَبْطِشُونَ وَلاَ يُهْلِكُهُمْ فِي التَّوِّ وَاللَّحْظَةِ دون عقاب؟!”، (أين عدل الله؟)، (أين قدرة الله؟)…
فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ يُرِيدُ بِهَا التَّعْبِيرَ عَنْ غَضَبِهِ، أَوْ حُزْنِهِ، فَتَكُونُ سَبَباً فِي مَقْتِ اللَّهِ لَهُ، وَهَلاَكِهِ فِي الآخِرَةِ، ففي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «.. وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (رواه البخاري).
فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَالْزَمُوا الأدَبَ مَعَ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ، وَقُولُوا حِينَ يتَنَزُّل القَضَاء: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة:51).
واعلموا أن الله عليم حكيم عدل، لا يُسأل عما يفعل، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء :23). وقال تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (68): (70) القصص
الدعاء
