خطبة عن (أَهْلُ الاِصْطِفَاءِ)
سبتمبر 2, 2026الخطبة الأولى (مِن أركان بَيْعَة الإِسْلَامِ النُّصْح لِكُلِّ مُسْلِمٍ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
روى الإمام البخاري في صحيحه: (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ).
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليَوْمَ- إن شاء الله تعالى- مع حَدِيثٍ عِظَيم، يَرْسُمُ مَعَالِمَ المَجْتَمَعِ المُسْلِمِ المُتَمَاسِكِ، وَيَضَعُ أُصُولَ العَهْدِ الَّذِي بَايَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ الأَخْيَارُ رَسُولَ الهُدَى (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
نَعِيشُ اليَوْمَ مَعَ حَدِيثِ البيعة: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ».
فتَأَمَّلُوا هَذِهِ البَيْعَةَ الخَالِدَةَ، فالصَحَابِيّ الجَلِيل لَمْ يُبَايِعْ رَسُولَ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
عَلَى المُلْكِ وَالسُّلطَانِ، وَلَا عَلَى المَالِ وَالتِّجَارَةِ، بَلْ بَايَعَهُ عَلَى أَرْكَانٍ ثَلَاثَةٍ، يُشَكِّلُ كُلُّ رُكْنٍ مِنْهَا دِعَامَةً صَلْبَةً، فِي صَرحِ هَذَا الدِّينِ، وهي:
أَوَّلًا: إِقَامُ الصَّلَاةِ: وَهِيَ حَقُّ اللهِ البَدَنِيُّ المُقَدَّسُ، وَعِمَادُ الدِّينِ، الَّذِي لاَ يَسْقُطُ حَالًا، وَالصِّلَةُ المُبَاشِرَةُ بَيْنَ العَبْدِ وَرَبِّهِ؛ مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا نَوَّرَ اللهُ قَلْبَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ.
ففي موطإ الامام مالك: (عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ إِنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلاَةُ فَمَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ).
وفي صحيح مسلم: (وَالصَّلاَةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ)،
وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ يُحْتَطَبُ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مَرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ».
ثَانِيًا: ومن أركان البيعة: إِيتَاءُ الزَّكَاةِ، (احْتِسَابُ المَالِ وَطُهْرَةُ النُّفُوسِ): فَالزَّكَاة هِيَ حَقُّ المَالِ الوَاجِبُ، وَالرُّكْنُ الِاقْتِصَادِيُّ، الَّذِي يَبْنِي التَّكَافُلَ فِي الأُمَّةِ،
والزَّكَاةُ فِي الإِسْلَامِ لَيْسَتْ ضَرِيبَةً مَالِيَّةً تُؤْخَذُ كَرْهًا، وَلَا صَدَقَةً زَائِدَةً يَتَفَضَّلُ بِهَا الـغَنِيُّ مَنًّا وَأَذًى، بَلْ هِيَ حَقٌّ مَعْلُومٌ، افْتَرَضَهُ اللهُ فِي أَمْوَالِ الأَغْنِيَاءِ، لِيُرَدَّ عَلَى الـفُقَرَاءِ.
والزَّكَاة طُهْرَةٌ لِلنَّفْسِ وَالمَالِ: فَالزَّكَاةُ تُطَهِّرُ قَلْبَ المُعْطِي مِنَ الشُّحِّ، وَالبُخْلِ، وَعبَادَةِ الدِّينَارِ، وَتُطَهِّرُ قَلْبَ الآخِذِ مِنَ الحَسَدِ، وَالغِلِّ، وَالحَقَدِ.
والزَّكَاة حِمَايَةٌ لِلْمُجْتَمَعِ: فهِيَ الصَّمَامُ الَّذِي يَقِي المُجْتَمَعَ مِنْ هَزَّاتِ الفَقْرِ، وَيَقْضِي عَلَى الجَرِيمَةِ وَالِانْحِرَافِ، النَّاتِجَيْنِ عَنِ الحَاجَةِ، فَيَصِيرُ المُجْتَمَعُ المُسْلِمُ كَالجَسَدِ الوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى.
ثَالِثًا: ومن أركان البيعة: النُّصْحُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ: (مِحْوَرُ الأُخُوَّةِ وَفِقْهُ الدِّينِ): وَالنُّصْحُ هُوَ الخُلُقُ العَظِيمُ، الَّذِي خَصَّهُ الـنَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي هَذِهِ البَيْعَةِ؛ إِذْ قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كما فِي الصحيحين: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا لِمَنْ قَالَ «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ».
فَالنُّصْحُ لُغَةً هُوَ: الصَّفَاءُ وَالخُلُوصُ، تَقُولُ العَرَبُ: “نَصَحْتُ العَسَلَ” إِذَا صَفَّيْتَهُ مِنْ الشَّوَائِبِ وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ إِرَادَةُ الخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى مَا يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَكَفُّ الأَذَى عَنْهُ، وَتَمَنِّي الصَّلَاحِ لَهُ كَمَا يَتَمَنَّاهُ المَرْءُ لِنَفْسِهِ.
ومن أَهْدَاف النُّصْحِ وَأَهَمِّيَّتهُ فِي الأُمَّةِ: صَيَانَةُ المُجْتَمَعِ مِنَ التَهَاوِي: فالنُّصْحُ هُوَ الصِّمَامُ الَّذِي يَمْنَعُ السَّفِينَةَ مِنْ الغَرَقِ؛ فَبِالنَّصِيحَةِ يُسَدَّدُ الغَافِلُ، وَيُسْتَعْتَبُ المُقَصِّرُ، وَيُزْجَرُ الظَّالِمُ.
ومن أَهْدَاف النُّصْحِ وَأَهَمِّيَّتهُ فِي الأُمَّةِ: أَدَاءُ أَمَانَةِ الدَّعْوَةِ: فَالنُّصْحُ هُوَ وَظِيفَةُ الأَنْبِيَاءِ الَّتِي خَلَّدَهَا الـقُرْآنُ؛ قال تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾ الاعراف:62.
ومن أَهْدَاف النُّصْحِ وَأَهَمِّيَّتهُ فِي الأُمَّةِ: نَشْرُ الصَّفَاءِ وَإِزَالَةُ الغِشِّ: لاَ يَكُونُ المُسْلِمُ نَاصِحًا حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهَ لَهُ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ. فَالنَّاصِحُ لاَ يَغُشُّ فِي بَيْعٍ، وَلاَ يَكْذِبُ فِي حَدِيثٍ، وَلاَ يَخُونُ فِي عَهْدٍ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
أما عن أَسَالِيب النُّصْحِ، وَآدَابهُ الشَّرْعِيَّةُ: فكَمْ مِنْ نَاصِحٍ أَرَادَ الخَيْرَ، فَأَفْسَدَ لِجَهْلِهِ بِالأُسْلُوبِ، فَالنَّصِيحَةُ دَوَاءٌ مُرٌّ، إِلاَّ إِذَا مُزِجَ بِعَسَلِ الرِّفْقِ وَالحِكْمَةِ. فمن أَسَالِيب النُّصْحِ، وَآدَابهُ الشَّرْعِيَّةُ: الإِخْلَاص لِلَّهِ: بأَنْ يَنْصَحَ العَبْدُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ، لاَ لِيُظْهِرَ فَضْلَهُ وَعِلْمَهُ، وَلاَ لِيُهِينَ أَخَاهُ وَيَكْسِرَ كَبِرِيَاءَهُ.
ومن أَسَالِيب النُّصْحِ، وَآدَابهُ الـشَّرْعِيَّةُ: السِّرِيَّة وَالكِتْمَان: فالنَّصِيحَةُ فِي العَلَنِ فَضِيحَةٌ، قَالَ الإِمَامُ الـشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
تَعَهَّدْنِي بِنُصْحِكَ فِي انْفِرَادِي … وَجَنِّبْنِي النَّصِيحَةَ فِي الجَمَاعَةِ.
فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعٌ … مِنَ التَّوْبِيخِ لاَ أَرْضَى اسْتِمَاعَهُ.
ومن أَسَالِيب النُّصْحِ، وَآدَابهُ الشَّرْعِيَّةُ: الرِّفْق وَاللِّينُ فِي العِبَارَةِ: أي الِابْتِعَادُ عَنِ التَّجْرِيحِ وَالقَسْوَةِ؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ لِمُوسَى وَهَارُونَ عِنْدَمَا أَرْسَلَهُمَا إِلَى أَعْتَى طُغَاةِ الأَرْضِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ طه:44.
ومن أَسَالِيب النُّصْحِ وَآدَابهُ الشَّرْعِيَّةُ: العِلْمُ وَالثَّبُتُ: بأَنْ يَكُونَ النَّاصِحُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنَ الأَمْرِ، فَلاَ يَنْصَحَ فِي مَسَائِلَ خِلَافِيَّةٍ، أَوْ أُمُورٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى الظَّنِّ وَالشَّائِعَاتِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (مِن أركان بَيْعَة الإِسْلَامِ النُّصْح لِكُلِّ مُسْلِمٍ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِذَا عَلِمْنَا شَرَفَ النُّصْحِ وَأَهَمِّيَّتَهُ، فَإِنَّ ثَمَّةَ حُدُودًا وَأَحْكَامًا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَقِفَ عِنْدَهَا، ومنها: مَتَى يَجِبُ النُّصْحُ، وَمَتَى نَتَوَقَّفُ عَنْهُ؟، فنقول:
يَجِبُ النُّصْحُ: عِنْدَ رُؤْيَةِ المُخَالَفَةِ الصَّرِيحَةِ، أَوْ عِنْدَمَا يَسْتَنصِحُكَ أَخُوكَ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ».
وَمَتَى نَتَوَقَّفُ عن النصح، أَوْ نُغَيِّرُ الوَسِيلَةَ؟، والجواب: إِذَا أَدَّتِ النَّصِيحَةُ إِلَى مَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ مِنْ المُنْكَرِ الَّذِي نَنْهَى عَنْهُ.
فإِذَا بَلَغَ المَنْصُوحُ حَدَّ العِنَادِ وَالكِبْرِ وَمُوَاجَهَةِ النَّاصِحِ بِالأَذَى الشَّدِيدِ الَّذِي لاَ يُطَاقُ، فَهُنَا يَتَوَقَّفُ اللِّسَانُ، وَيَبْقَى الإِنْكَارُ بِالقَلْبِ وَالدُّعَاءُ لَهُ فِي ظَّهْرِ الغيب بِالهِدَايَةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
أما عن ثِمَار النُّصْحِ، وَنَجَاةُ النَّاصِحِينَ، فلنا عِبْرَةُ في قصة (أصحاب الـسَّبْتِ): فإِنَّ النَّصِيحَةَ هِيَ حَصَانَةُ الأُمَّةِ، وَسَبَبُ نَجَاتِهَا مِنْ العَذَابِ العَامِّ، وَلَنَا فِي قِصَّةِ “أَصحاب الـسَّبْتِ” فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ العِبْرَةُ البَالِغَةُ؛ حِينَ انْقَسَمَتِ القَرْيَةُ إِلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ:
فِرْقَةٍ عَصَتْ وَانْتَهَكَتْ حُرُمَاتِ اللهِ.
وَفِرْقَةٍ سَكَتَتْ وَقَالَتْ لِلنَّاصِحِينَ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (164) الأعراف
وَفِرْقَةٍ أَبَتْ إِلاَّ أَنْ تَقُومَ بِوَاجِبِ النُّصْحِ، فَقَالُوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾(164) الأعراف.
فَمَاذَا كَانَتْ عاقِبَةُ الجَمِيعِ حِينَ نَزَلَ بَأْسُ اللهِ؟، يَقُولُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا:
﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الأعراف: (163): (165)،
لَقَدْ أَنْجَى اللهُ النَّاصِحِينَ الَّذِينَ قَامُوا بِالحَقِّ، وَأَهْلَكَ الظَّالِمِينَ.
فَالنَّصِيحَةُ هِيَ طَوْقُ الـنَّجَاةِ الَّذِي يَدْفَعُ الـهَلَاكَ عَنْ الـمُجْتَمَعَاتِ.
ومن ثِمَار النُّصْحِ وَنَجَاةُ النَّاصِحِينَ: حُبُّ اللهِ لِلنَّاصِحِينَ: فإِنَّ النَّاصِحَ الصَّادِقَ يَنَالُ مَقَامًا سَامِيًا عِنْدَ اللهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْشِي فِي الأَرْضِ بِمَنَهَاجِ الأَنْبِيَاءِ. فالله تَعَالَى يُحِبُّ النَّاصِحِينَ الصَّادِقِينَ ؛لِأَنَّهُمْ خُلَفَاءُ أَنْبِيَائِهِ فِي الأَرْضِ، يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ، وَيَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ.
وَعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: “إِنَّكُمْ لَنْ تَنَالُوا مَا تُحِبُّونَ إِلاَّ بِتَرْكِ مَا تَشْتَهُونَ، وَلَنْ تَبْلُغُوا مَا تَرِجُونَ إِلاَّ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ، وَإِنَّ أَحَبَّ عِبَادِ اللهِ إِلَى اللهِ الَّذِينَ يُحَبِّبُونَ اللهَ إِلَى عِبَادِهِ، وَيُحَبِّبُونَ عِبَادَ اللهِ إِلَى اللهِ، وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ بِالنَّصِيحَةِ”.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
جَدِّدُوا العَهْدَ مَعَ اللهِ؛ أَقِيمُوا صَلَاتَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَامْلَأُوا قُلُوبَكُمْ وَأَلْسِنَتَكُمْ بِالنُّصْحِ لِإِخْوَانِكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ؛ لِتَكُونُوا مِنَ النَّاجِينَ المَحْبُوبِينَ عِنْدَ رَبِّ الـعَالَمِينَ. فَاتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا هُدَاةً مُهْتَدِينَ، نَاصِحِينَ أَمِينِينَ.
[الدُّعَاءُ]
