خطبة عن (مَسْؤُولِيَّةُ الجَوَارِحِ)
سبتمبر 12, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (من دلائل القدرة: آيَتَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) (12) الاسراء.
إخوة الإسلام
موعدنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع آية من كتاب الله تعالى: نتلوها، ونتدبر معانيها، ونتفهم مراميها، ونرتوي من نبعها الصافي، ونرتشف من رحيقها المختوم،
فأَعِيرُونِي القُلُوبَ قَبْلَ الآذَانِ، وَهَاتُوا الأَرْوَاحَ قبل الأبدان، لِنُصْغِيَ إِلَى كِتَابِ اللهِ، الَّذِي لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ، كِتَابٍ يَلْفِتُ أَنْظَارَنَا إِلَى هَذَا الكَوْنِ البَدِيعِ، لِنَرَى فِيهِ آيَاتِ القُدْرَةِ، وَعَظَمَةِ التَّدْبِيرِ، فَيَسْتَكِينُ العَقْلُ، وَتَخْشَعُ الجَوَارِحُ، وَيَسْجُدُ القَلْبُ لِعَظَمَةِ الخَالِقِ المُتَكَبِّرِ سبحانه.
فتَأَمَّلُوا فِي هَذَا المَشْهَدِ، الَّذِي يَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ أَمَامَ أَعْيُنِنَا، حَتَّى أَلِفْنَاهُ، وَغَفَلْنَا عَنْ بَدِيعِ مَا فِيهِ ،فظَلاَمٌ يَغْمُرُ الآفَاقَ، ثُمَّ يَعْقُبُهُ نُورٌ يَبْثُقُ، فَيَمْلَأُ الدُّنْيَا ضِيَاءً وَإِشْرَاقًا، وشَمْسٌ تَشْرُقُ فِي المَشْرِقِ، بِدِقَّةٍ لاَ تَخْتَلُّ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَقَمَرٌ يَنْمُو، ثُمَّ يَضْمَحِلُّ، فِي مَنَازِلَ حُسِبَتْ بِالمِقْدَارِ.
وحقا ما قال ربنا: (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (96) الانعام،
وقال تعالى: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ) الاعراف:54،
وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ) (5)، (6) يونس،
وقال تعالى: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (39)، (40) يس.
فتِلْكَ الحركات للأجرام السماوية، لَيْسَتْ حَرَكَاتٍ مِيكَانِيكِيَّةً صَمَّاءَ، وَلاَ ظَوَاهِرَ طَبِيعِيَّةً عَابِرَةً،
بَلْ هِيَ رَسَائِلُ إِلهِيَّةٌ، مُبِينَةٌ لقدرة الخالق سبحانه وتعالى، وبديع صنعه.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فافْتَحُوا مَصَاحِفَ القُلُوبِ عَلَى (سُورَةِ الإِسْرَاءِ)، وَاسْمَعُوا قَوْلَ الجَبَّارِ، الَّذِي يَلْفِتُ البَصَرَ وَالبَصِيرَةَ، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾،
فأَيُّ بَلَاغَةٍ، وَأَيُّ إِعْجَازٍ يَسْكُنُ هَذَا النَّصَّ القُرْآنِيَّ الجَلِيلَ؟، فتَأَمَّلُوا فِي التَّعْبِيرِ المُعْجِزِ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾، فسَمَّاهُمَا اللهُ ﴿آيَتَيْنِ﴾؛ أَيْ دَلِيلَيْنِ قَاطِعَيْنِ وَبُرْهَانَيْنِ سَاطِعَيْنِ، عَلَى وُجُودِ اللهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَبَدِيعِ صُنْعِهِ.
ثُمَّ يَنْقُلُنَا القُرْآنُ إِلَى دِقَّةِ التَّصْرِيفِ، وَاللَّطَائِفِ البَلَاغِيَّةِ فقال تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾:
فآيَةُ اللَّيْلِ هِيَ القَمَرُ؛ جَعَلَهُ اللهُ مُظْلِمًا، مَمْحُوَّ الضَّوْءِ الذَّاتِيِّ، لِيَكُونَ سَكَنًا، وَرَاحَةً لِلأَبْدَانِ بَعْدَ العَنَاءِ، وَقِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: بَلْ كَانَ القَمَرُ يَقْتَرِنُ فِي الضِّيَاءِ بِالشَّمْسِ فِي بِدَاءِ الخَلْقِ، فَمَحَا اللهُ ضَوْءَهُ لِيَتَمَيَّزَ اللَّيْلُ عَنِ النَّهَارِ.
وَتَأَمَّلُوا لَفْظَ ﴿مَحَوْنَا﴾؛ فَالمَحْوُ يُفِيدُ السَّكِينَاتِ، وَإِزَالَةَ التَّعَبِ، وَسَتْرَ العُيُوبِ وَالأَوْزَارِ.
﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾: فآيَةُ النَّهَارِ هِيَ الشَّمْسُ، أَوْ النَّهَارُ كُلُّهُ، وَانْظُرُوا إِلَى البَلَاغَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُبْصِرَةً﴾؛ لَمْ يَقُلْ “مُبْصَرَةً” أَوْ “مُضِيئَةً” فَحَسْبُ، بَلْ جَعَلَ النَّهَارَ نَفْسَهُ كَأَنَّهُ صَاحِبُ بَصَرٍ يُبْصِرُ، لِيُبَيِّنَ أَنَّ الضَّوْءَ جُعِلَ سَبَبًا لِكَيْ يُبْصِرَ النَّاسُ غَايَاتِهِمْ، وَتَسْتَقِيمَ مَعَاشَاتُهُمْ، وَتَسِيرَ الحَيَاةُ فِي طَرِيقِهَا المَرْسُومِ.
فمن أبصر هذه الآيات، واستعمل عقله وفكره، آمن بالخالق الأعظم، وانقاد له كما تنقاد هذه المخلوقات لأمره، وكان من المسبحين.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَتَأَمَّلُوا فِي صُنْعِ الله، الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ، فَمَا خَلَقَ الله هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَهُ، ولكنه تقدير العزيز الحكيم.
قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (190)، (191) آل عمران.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (من دلائل القدرة: آيَتَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فيَا مَنْ تَرْجُونَ الحِكْمَةَ، وَالفَهْمَ عَنِ اللهِ: تَفَكَّرُوا فِي الحِكَمِ البَالِغَةِ، وَالغَايَاتِ السَّامِيَةِ، الَّتِي أَوْضَحَهَا القُرْآنُ الكَرِيمُ، مِنْ خَلْقِ هَذَا النِّظَامِ الكَوْنِيِّ العَجِيبِ:
أَوَّلًا: الِابْتِغَاءُ مِنْ فَضْلِ اللهِ: قَالَ تَعَالَى: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فجَعَلَ اللهُ النَّهَارَ مُبْصِرًا، لِتَسْعَوْا فِيهِ لِكَسْبِ الحَلاَلِ، وَإِعْمَارِ الأَرْضِ، وَعِمَارَةِ الحَيَاةِ، ولِتَعْلَمُوا أَنَّ العَمَلَ وَالسَّعْيَ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ عِبَادَةٌ، وَأَنَّ الكَرِيمَ يَبْسُطُ فَضْلَهُ لِلسَّاعِينَ لاَ لِلْقَاعِدِينَ.
ثَانِيًا: العِلْمُ بِالحِسَابِ، وَتَنْظِيمُ العُمْرِ: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾،
فلَوْلاَ انْقِسَامُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَلَوْلاَ جَرَيَانُ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ، لَمَا عَرَفَ الإِنْسَانُ كَيْفَ يَحْسُبُ أَيَّامَهُ، وَلاَ كَيْفَ يُؤَرِّخُ أَعْوَامَهُ، وَلاَ كَيْفَ يُؤَدِّي عِبَادَاتِهِ المُوَقَّتَةَ مِنْ: صَلاَةٍ، وَصِيَامٍ، وَحَجٍّ، وَعِدَدٍ، وَمُعَامَلاَتٍ،
فجَعَلَ اللهُ الكَوْنَ كَلَّهُ سَاعَةً حَاسِبَةً دَقِيقَةً، لِتَعْلَمُوا أَنَّ العُمْرَ أَنْفَاسٌ تُحْسَبُ، وَأَيَّامٌ تُحْصَى، وَأَنَّ كُلَّ شُرُوقٍ وَغُرُوبٍ، يَقْرُبُكَ مِنَ الأَجَلِ خُطْوَةً.
ثَالِثًا: شُمُولُ التَّفْصِيلِ وَالإِحْكَامِ: فتَأْتِي الخَاتِمَةُ الَّتِي تَسْكُبُ اليَقِينَ فِي الصُّدُورِ:
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾،
اللهُ أَكْبَرُ، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾؛ فَلَا عَبَثَ فِي الخَلْقِ، وَلاَ صُدْفَةَ فِي الكَوْنِ، وَلاَ إِهْمَالَ فِي التَّشْرِيعِ، فقد فَصَّلَ اللهُ آيَاتِ الكَوْنِ الدَّالَّةَ عَلَى قُدْرَتِهِ، وَفَصَّلَ آيَاتِ القُرْآنِ الدَّالَّةَ عَلَى شَرِيعَتِهِ، كَي لاَ يَبْقَى لِلإِنْسَانِ حُجَّةٌ، وَلاَ يَعِيشَ فِي عَمَايَةٍ.
أَيُّهَا الـمُؤْمِنُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي هَذَا الرَّبْطِ الإِيمَانِيِّ البَدِيعِ: فكَمَا أَنَّ اللهَ يَمْحُو ظَلاَمَ اللَّيْلِ بِضِيَاءِ النَّهَارِ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَمْحُو ظُلُمَاتِ الهُمُومِ، وَالكُرُوبِ، وَالذُّنُوبِ بِنُورِ التَّوْبَةِ وَالإِيمَانِ،
وَكَمَا أَنَّ الشَّمْسَ تَشْرُقُ بَعْدَ طُولِ العتْمَةِ، فَإِنَّ الفَرَجَ يَأْتِي بَعْدَ الشِّدَّةِ، وَالنَّصْرَ يَأْتِي بَعْدَ البَلَاءِ
فَيَا مَنْ أَرْهَقَتْهُ ظُلُمَاتُ الحَيَاةِ: اسْتَبْشِرْ بِنُورِ اللهِ، وَنَظِّمْ أَيَّامَكَ وَأَعْوَامَكَ فِي طَاعَتِهِ،
وَاحْسِبْ عُمْرَكَ بِالمِيزَانِ الدَّقِيقِ، قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبَ، وَاجْعَلْ مِنْ كُلِّ شُرُوقٍ نَهَارٍ بِدَايَةً جَدِيدَةً لِعَهْدٍ صَادِقٍ مَعَ اللهِ.
فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
الدعاء
