خطبة عن (من دلائل القدرة: آيَتَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)
سبتمبر 12, 2026الخطبة الأولى (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الْعَصْرِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (1): (3) الْعَصْر.
إخوة الإسلام
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم: هو دراسة السورة القرآنية كوحدة واحدة، واستخراج فكرتها المحورية، ومقاصدها الأساسية، وذلك بدلاً من تفسير الآيات بشكل منفصل،
ويهدف هذا المنهج إلى إبراز الجوانب العقائدية، والإيمانية، والأخلاقية، التي تربط بين آيات السورة الواحدة، بشكل متناسق ومترابط.
واليوم – إن شاء الله تعالى- قِفُوا مَعِي مَوْقِفَ المُتَأَمِّلِ المُنْصِتِ، لِأَعْظَمِ سُورَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، الَّتِي اقْتَضَبَتْ مَظَاهِرَ الوُجُودِ، وَاخْتَصَرَتْ دَسَاتِيرَ الحَيَاةِ، وَوَضَعَتْ الفَاصِلَ الحَاسِمَ بَيْنَ الشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ.
إِنَّهَا السُّورَةُ الَّتِي قَالَ عَنْهَا الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ :«لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى خَلْقِهِ حُجَّةً إِلَّا هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ»!،
أَتَدْرُونَ لِمَاذَا كَفَتْهُمْ؟!، لِأَنَّهَا لَمْ تَتْرُكْ زَاوِيَةً مِنْ زَوَايَا الفِكْرِ، وَلاَ مَسَارًا مِنْ مَسَارَاتِ العَمَلِ، إِلاَّ وَأَلمتْ بِهِ؛ لِتَقُولَ لِلإِنْسَانِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ: هَاهُنَا طَرِيقُ النَّجَاةِ، وَهَاهُنَا مَهْوًى الهَلاَكِ!،
إنها: (سُورَةُ الْعَصْرِ)، هَذِهِ السُّورَة تُعَدُّ مِنْ أَقْصَرِ سُوَرِ القُرْآنِ كَلِمَاتٍ، وَأَعْظَمِهَا فِي البَشَرِيَّةِ أَثَرًا، وَأَجْمَعِهَا لِمَنَاهِجِ الحَيَاةِ.
وَهَلْ تَعْلَمُونَ كَيْفَ كَانَ الصَّحَابَةُ يَتَعَامَلُونَ مَعَهَا؟، ثَبَتَ عَنْ أَبِي مَدِينَةَ الدَّارِمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ الرَّجُلاَنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِذَا الِتَقَيَا لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَقْرَأَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، ثُمَّ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ». فيَا لَهُ مِنْ مِيثَاقٍ يَوْمِيٍّ، يَفْتَرِقُونَ لِيُذَكِّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَخَاهُ، بِأَنَّ الوَقْتَ يَتَسَرَّبُ، وَأَنَّ الخُسْرَانَ يُطَوِّقُ العَالَمَ، وَلاَ نَجَاةَ إِلاَّ بِالعَهْدِ المَشْرُوطِ، (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
والتَّفْسِيرُ المَوْضُوعِيُّ لِهَذِهِ السُّورَةِ، يَدُورُ حَوْلَ مِحْوَرٍ كُلِّيٍّ وهو: قَانُونُ النَّجَاةِ المَشْرُوطَةِ ،وَبَيَانُ الخُسْرَانِ العَامِّ، الَّذِي يَسْتَوْعِبُ الجِنْسَ البَشَرِيَّ، إِلاَّ مَنْ حَقَّقَ الأَرْكَانَ الأَرْبَعَةَ.
وتَأَمَّلُوا فِي المَطْلَعِ المَهِيبِ: ﴿وَالْعَصْرِ﴾، فيَقْسِمُ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ، وَهُوَ العَظِيمُ، الَّذِي لاَ يَحْتَاجُ إِلَى قَسَمٍ، بِـ “العَصْرِ”،
وَالعَصْرُ هُوَ الزَّمَنُ، وهُوَ الدَّهْرُ، الَّذِي يَتَقَلَّبُ فِيهِ البَشَرُ، وهُوَ سَاعَاتُكُمُ الَّتِي تَمْضِي، وَأَنْفَاسُكُمُ الَّتِي تُحْسَبُ، وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، اللَّذَانِ يَبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ، وَيُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ.
وجاء في بعض أقوال العلماء أنه (وقت العصر من النهار)، ولِمَكانةِ وقتِ العصرِ وشرفِهِ، فضَّلَ اللهُ فيهِ بعضَ العباداتِ، فخَصَّ صلاةَ العصرِ مِنْ بينِ الصلواتِ، فأمرَنَا بالاهتمامِ بِهَا، والمحافظةِ عليهَا، قالَ تعالَى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة:238]. فقيل عن (الصَّلاةِ الوُسْطَى): هي صلاة العصر.
والسؤال: لِمَاذَا أَقْسَمَ اللهُ بِالزَّمَنِ بالذَّاتِ؟!، والجواب: لِيُنَبِّهَ هَذَا الإِنْسَانَ الغَافِلَ، أَنَّ الزَّمَنَ هُوَ رَأْسُ مَالِهِ الحَقِيقِيُّ؛ فَأَنْتَ لَسْتَ سِوَى أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، كُلَّمَا غَرَبَتْ شَمْسُ يَوْمٍ، انْطَوَتْ صَفْحَةٌ مِنْ كِتَابِكَ، وَذَهَبَ بَعْضُكَ، وَاقْتَرَبْتَ خُطْوَةً إِلَى قَبْرِكَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
لذا فواجب على المسلم أن يستغل أيام حياته كلها، ولا يتركها تمر عليه بدون فائدة، وأن يعلم أن وقته وعمره، هو رأس ماله، فيتخذ له من الوقت والعمر سبيلًا إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى. قال الله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:112-114].
فالزمان مَركَبُ الإنسانِ إلى الآخرة؛ يحملُ فيه متاعَه وبضاعتَه، وهو مزرعةُ الأعمال؛ فكل يومٍ يمرُّ على الإنسان يُقدِّمُه إلى الآخرة، ورأسُ مالِ الإنسانِ عمرُه، فإذا أضاعَه في اللهوِ واللعبِ، فهو خاسرٌ؛ فأيُّ خسارةٍ أعظم من حرمانه من مُناجاة ربِّه؟، “فكلُّ الناسِ يغدو؛ فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، أَوْ مُوبِقُهَا”.
وفي صَخَبِ الحياةِ، وخِضَمِّها المتلاطمِ بموجاتِ الخسرانِ والضلالِ؛ يَظهَر عبادٌ لله مخلصون، ورجالٌ صالحون، وأولياءُ متقون، آمَنوا بربِّهم، إيمانًا حمَلَهم على التقوى، والهدى، وحبَّب إليهم الحقَّ، وزيَّنه في قلوبهم، ورغَّبَهم في العمل الصالح، وحالَ بينَهم وبين اتباع الهوى، فكان هذا الإيمانُ وقايةً لهم من الشر، وقائدًا لهم إلى الخير.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
ثُمَّ يَأْتِي المَقْسُومُ عَلَيْهِ فِي قِمَّةِ التَّأْكِيدِ وَالحَسْمِ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾،
فتَأَمَّلُوا أَدَوَاتِ التَّأْكِيدِ فِي هَذِهِ الآيَةِ العَجِيبَةِ؛ أُكِّدَتْ بِـ (إِنَّ)، وَأُكِّدَتْ بِـ (اللاَّمِ فِي (لَفِي)، وَجِيءَ بِـ (فِي) الَّتِي تُفِيدُ الظَّرْفِيَّةَ،
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾: فكَأَنَّ البَشَرِيَّةَ كُلَّهَا قَدْ أُقْحِمَتْ، وَأُغْرِقَتْ فِي غِيَابَاتِ وِعَاءٍ الخُسْرَانِ،
(إِنَّ الْإِنْسَانَ)، “الإِنْسَانَ” بِأَلِفِ وَلاَمِ الجِنْسِ، تَشْمَلُ كُلَّ مخلوق بَشَرِيٍّ: المَلِكَ فِي قَصْرِهِ، وَالفَقِيرَ فِي كُوَخِهِ، والعَالِمَ فِي مَخْتَبَرِهِ، وَالتَّاجِرَ فِي سُوقِهِ، كُلُّ هَؤُلاَءِ فِي خُسْرَانٍ مَاحِقٍ، وَتَلَفٍ دَائِمٍ، وَهَلاَكٍ مُحَقَّقٍ، مَهْمَا كَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَعَلَتْ مَنَاصِبُهُمْ، وَشَادُوا مِنَ الحَضَارَاتِ وَالعِمَارَاتِ،
يقول عبد الله بن مسعود: (ما نَدِمتُ على شيء نَدَمي على يومٍ غربتْ شمسُه، نقص فيه أجَلِي ولم يَزددْ فيه عملي).
وقال الحسن البصري: (ما من يوم ينشق فجره، إلا وينادي: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة).
وكانَ الحسنُ البصريُّ يقُولُ فِي مَوْعِظَتِهِ: الْمُبَادَرَةَ الْمُبَادَرَةَ، فَإِنَّمَا هِيَ الْأَنْفَاسُ، لَوْ قَدْ حُبِسَت انْقَطَعَتْ عَنْكُمْ أَعْمَالُكُمُ الَّتِي تُقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا}.ثُمَّ يَبْكِي وَيَقُولُ: آخِرُ الْعَدَدِ خُرُوجُ نَفْسِكَ، آخِرُ الْعَدَدِ فِرَاقُ أَهْلِكَ، آخِرُ الْعَدَدِ دُخُولُكَ فِي قَبْرِكَ.
وفي صحيح البخاري: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رضي الله عنهما- قَالَ قَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم – « نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ».
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾: والخسارة الحقيقية هي أن يخسر الإنسان نفسه وأهله يوم القيامة، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزمر:15]
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)، وهنا تَتَنَفَّسُ البَشَرِيَّةُ الصُّبْحَ، مَعَ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ المُشْرِقِ: ﴿إِلَّا﴾، فمَنْ هُمْ هُؤُلاَءِ النَّاجُونَ مِنَ الطُّوفَانِ ؟، ومَنْ هُمُ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمْ رَبُّ العَزَّةِ، فَلَمْ يَطَلْهُمْ ذَلِكَ الخُسْرَانُ المُهْلِكُ؟،
إِنَّهُمُ الَّذِينَ الِتَزَمُوا بِـ الأَرْكَانِ الأَرْبَعَةِ المُتَكَامِلَةِ؛ الَّتِي لاَ يَغْنِي فِيهَا رُكْنٌ عَنْ رُكْنٍ، وَلاَ يُقْبَلُ فِيهَا بَعْضٌ دُونَ بَعْضٍ: الرُّكْنُ الأَوَّلُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: الإِيمَانُ الصَّادِقُ العَمِيقُ: وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ، وَالتَّصْدِيقُ الجَازِمُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَالإِيمَانُ بِكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. فالإِيمَانُ هُوَ البُؤْرَةُ الَّتِي تُضِيءُ لِلإِنْسَانِ حَقِيقَةَ الـوُجُودِ؛ فَبِدُونِ الإِيمَانِ، يَعِيشُ المَرْءُ كَالأنَعَامِ؛ يَأْكُلُ وَيَتَمَتَّعُ، ثُمَّ يَمُوتُ سُدًى.
وَالإِيمَانُ لَيْسَ الِاعْتِقَادَ البَارِدَ؛ بَلْ هُوَ يَقِينٌ يَهْتَزُّ لَهُ القَلْبُ، وَيَسْتَقِرُّ فِي السَّرِيرَةِ، فَيَصِيرُ العَبْدُ بِهِ مَوْصُولاً بِالسَّمَاءِ، لاَ يَخْشَى إِلاَّ اللهَ، وَلاَ يَرْجُو إِلاَّ اللهَ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: وهي التَّرْجَمَةُ العَمَلِيَّةُ لِلإِيمَانِ، فَكُلُّ إِيمَانٍ لاَ يُثْمِرُ عَمَلاً، هُوَ إِيمَانٌ مَغْشُوشٌ، وَأُمْنِيَّاتٌ كَاذِبَةٌ، فالإِيمَانُ شَجَرَةٌ، وَالعَمَلُ الصَّالِحُ ثَمَرَتُهَا؛ فَهَلْ يُنْتَفَعُ بِشَجَرَةٍ مَيِّتَةٍ لاَ ثَمَرَ فِيهَا؟.
وَالعَمَلُ الصَّالِحُ: هُوَ كُلُّ عَمَلٍ أُخْلِصَ فِيهِ لِلَّهِ، وَاتُّبِعَ فِيهِ هَدْيُ الرَّسُولِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ؛مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَبِرِّ الوَالِدَيْنِ، وَصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَالعِفَّةِ، وَالأَمَانَةِ، وَالصِّدْقِ فِي المَعَامَلَاتِ. فَلاَ يَقُولَنَّ قَائِلٌ: “أَنَا قَلْبِي أَبْيَضُ، وَإِيمَانِي فِي قَلْبِي، وَهُوَ مُضَيِّعٌ لِلْفَرَائِضِ، مُرْتَكِبٌ لِلْحُرُمَاتِ، كَلاَّ؛ فَلَوْ صَحَّ الإِيمَانُ فِي القَلْبِ، لَطَفَحَتْ آثَارُهُ عَلَى الجَوَارِحِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الْعَصْرِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
الرُّكْنُ الثالث: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾: وهذا هو البُعْدُ الإِصْلَاحِيُّ المُنْقِذُ لِلأُمَّةِ، وتَأَمَّلُوا صِيغَةَ التَّفَاعُلِ: “تَوَاصَوْا”، وَلَمْ يَقُلْ “أَمَرُوا”؛ لِأَنَّ التَّوَاصِيَ عَمَلِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ؛ يَتَوَاصَى الكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ، والعَالِمُ وَالمُتَعَلِّمُ.
وَهَذَا الرُّكْنُ يَعْنِي أَنَّ الإِسْلَامَ لاَ يَعْرِفُ السَّلَبِيَّةَ، وَلاَ يَرْضَى بِالصَّلاَحِ الفَرْدِيِّ المُنْعَزِلِ، فلاَ يَكْفِي أَنْ تَكُونَ صَالِحًا فِي نَفْسِكَ، كَافًّا خَيْرَكَ وَشَرَّكَ فِي بَيْتِكَ؛ بَلْ لاَبُدَّ أَنْ تَكُونَ مُصْلِحًا فِي مُجْتَمَعِكَ، تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ، وَتَنْشُرُ الخَيْرَ، وَتُعَلِّمُ الجَاهِلَ، وَتَنْصُرُ المَظْلُومَ، وَتَقِفُ فِي وَجْهِ البَاطِلِ، وَاسْمَعُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ القُرْآنِيَّةَ الخَالِدَةَ: الصَّالِحُ يُنْجِي نَفْسَهُ، وَأَمَّا المُصْلِحُ فَيُنْجِي اللهُ بِهِ الأُمَّةَ كُلَّهَا مِنَ الهَلَاكِ.
الرُّكْنُ الرابع: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: وهو الدِّرْعُ الحَصِينُ لِقَافِلَةِ الحَقِّ، والسؤال: لِمَاذَا جَاءَ التَّوَاصِي بِالصَّبْرِ، بَعْدَ التَّوَاصِي بِالحَقِّ مَبَاشَرَةً؟، والجواب: لِأَنَّ طَرِيقَ الحَقِّ الَّذِي يَسِيرُ فِيهِ المُصْلِحُونَ، لاَ يُكُونُ مَفْرُوشًا بِالوُرُودِ وَالرَّيَاحِينِ؛ بَلْ هُوَ مَمْلُوءٌ بِالشَّوْكِ، وَالعَقَبَاتِ، وَأَذَى المُنْحَرِفِينَ، وَسُخْرِيَةِ المُسْتَهْزِئِينَ، وَمُغْرِيَاتِ الشَّهَوَاتِ، فَفِي هَذِهِ اللَّحَظَاتِ الحَرِجَةِ ،عِنْدَمَا تَعْصِفُ الفِتَنُ، وَيَشْتَدُّ البَلاَءُ، وَيَقِلُّ النَّاصِرُ، يَحْتَاجُ المُؤْمِنُونَ إِلَى يَدٍ حَانِيَةٍ، تَتَوَاصَى فِيمَا بَيْنَهَا بِالصَّبْرِ؛ صَبْرٌ عَلَى ثَبَاتِ القَدَمِ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَصَبْرٌ عَنِ السُّقُوطِ فِي مَعَاصِي اللهِ، وَصَبْرٌ عَلَى المَصَائِبِ، وَأَقْدَارِ اللهِ المُؤْلِمَةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا التَّفْسِيرَ المَوْضُوعِيَّ لِسُورَةِ العَصْرِ؛ نَجِدْ أَنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَكَلَّفَ بِعِلاَجِ أَعْظَمِ الأَزَمَاتِ الَّتِي تَحْتَوِشُ عَالَمَنَا المُعَاصِرَ، فنَحْنُ نَعِيشُ اليَوْمَ فِي عَصْرِ السُّرْعَةِ وَالمَادِيَّاتِ؛ عَصْرٍ تَقَدَّمَتْ فِيهِ التِّكْنُولُوجْيَا، وَعَلَتْ فِيهِ المَبَانِي، وَاسْتَطَاعَ الإِنْسَانُ أَنْ يِصِلَ إِلَى أَقْصَى المَجَرَّاتِ ، وَلَكِنْ، هَلْ سَعِدَتِ البَشَرِيَّةُ؟!، كَلَّا وَاللهِ!، بَلْ نَرَى الجَنَفَ، وَالقَلَقَ، وَالانْحِرَافَ، وَالتَّفَكُّكَ الأُسَرِيَّ، وَمَوَاقِعَ التَّفَاهَةِ تَجْتَاحُ العُقُولَ؛ لِأَنَّ العَالَمَ أَخَذَ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ مِنَ المَادَّةِ، وَأَسْقَطَ الإِيمَانَ، وَالعَمَلَ الصَّالِحَ، وَالتَّوَاصِيَ بِالحَقِّ، وَالصَّبْرِ، فَمَاذَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ؟: خُسْرَانٌ رُوحِيٌّ ،وَأَخْلاَقِيٌّ مُرِيعٌ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
واسْمَعُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى هَذَا المَثَلِ البَدِيعِ الَّذِي خَطَّهُ الإِمَامُ الفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، حِينَمَا أَرَادَ أَنْ يُقَرِّبَ لَنَا المَعْنَى العَمِيقَ لِآيَةِ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾؛ فَقَالَ:
«اسْتَفَدْتُ مَعْنَى السُّورَةِ مِنْ بَائِعِ ثَلْجٍ؛ كَانَ يُنَادِي فِي السُّوقِ وَيَقُولُ: “ارْحَمُوا مَنْ يَذُوبُ رَأْسُ مَالِهِ، ارْحَمُوا مَنْ يَذُوبُ رَأْسُ مَالِهِ!”، فَقُلْتُ: هَذَا مَعْنَى ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾.
فَالزَّمَنُ يَمْضِي، وَالعُمُرُ يَذُوبُ كَالثَّلْجِ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَغِلَّهُ فِي الإِيمَانِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، مَاتَ رَأْسُ مَالِكَ وَخَسِرْتَ الخُسْرَانَ المُبِينَ»،
فَيَا لَهَا مِنْ صُورَةٍ تَقْشَعِرُّ مِنْهَا الأَبْدَانُ، رَأْسُ مَالِكَ لَيْسَ الدِّينَارَ وَلاَ الدِّرْهَمَ؛ رَأْسُ مَالِكَ هُوَ هَذِهِ السَّاعَةُ الَّتِي تَعِيشُهَا الانَ، هَذَا اليَوْمُ الَّذِي إِذَا انْقَضَى لاَ يَعُودُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ،
فَيَا خَسَارَةَ عُمُرٍ يُفْنَى فِي القِيلِ وَالقَالِ، وَيا خَسَارَةَ أَوْقَاتٍ تَتَبَدَّدُ فِي التَّصَفُّحِ الفَارِغِ، وَمُتَابَعَةِ سَقَطَاتِ النَّاسِ، وَتَضْيِيعِ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَةِ، وَيا غَبْنَ مَنْ يَمُوتُ ثُمَّ يَتَمَنَّى رَجْعَةً لِصَالِحِ عَمَلٍ ؛ فَيُقَالُ لَهُ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، لَقَدْ انْقَضَى العَصْرُ، وذهب العمر.
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
فاجْعَلُوا مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ العَظِيمَةِ مَنْهَجَ حَيَاةٍ يَوْمِيًّا، دَاخِلَ بُيُوتِكُمْ وَمَعَ أَبْنَائِكُمْ: فجَدِّدُوا الإِيمَانَ: بِكِثْرَةِ ذِكْرِ اللهِ، وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ الكَرِيمِ بِتَدَبُّرٍ، وَعِمَارَةِ القُلُوبِ بِالتَّوْحِيدِ.
وسَارِعُوا فِي الصَّالِحَاتِ: وَلاَ تَسْتَهِينُوا بِصَغِيرَةٍ مِنَ الخَيْرِ؛ فَرُبَّ رَكْعَةٍ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، أَوْ صَدَقَةٍ فِي خَفَاءٍ زَحْزَحَتْكَ عَنِ النَّارِ.
وتَوَاصَوْا بِالحَقِّ: فِي أُسَرِكُمْ؛ لاَ يَرَى الأَبُ ابْنَهُ يَتَهاوَنُ فِي الصَّلاَةِ وَيَسْكُتُ، ولاَ تَرَى الأُمُّ ابْنَتَهَا تَتَبَرَّجُ وَتَغْفَلُ؛ بَلْ نَصِيحَةٌ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ.
وتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ: إِذَا حَلَّتِ اللَّأْوَاءُ، وَأَظْلَمَتِ الفِتَنُ؛ فَاصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
الدعاء
