خطبة عن (رَمَضَانُ شَهْرُ التَّغْيِيرِ)
فبراير 24, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الصِّيَامُ بَيْنَ العَادَةِ وَالعِبَادَةِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة:5]. (وَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (رواه البخاري ومسلم).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ الْفَرْقَ الْجَوْهَرِيَّ بَيْنَ مَنْ يَجْعَلُ صِيَامَهُ عِبَادَةً تَرْفَعُهُ فِي الدَّرَجَاتِ، وَبَيْنَ مَنْ يَجْعَلُهُ عَادَةً يَتَوارَثُهَا عَنِ الْآبَاءِ، هُوَ “النِّيَّةُ”، وَاسْتِحْضَارُ الْقَلْبِ،
فَالْعَادَةُ: هِيَ فِعْلٌ يَقُومُ بِهِ الْإِنْسَانُ بِحُكْمِ التَّكْرَارِ وَالتَّقْلِيدِ، أَمَّا الْعِبَادَةُ: فَهِيَ طَاعَةٌ مَقْصُودَةٌ لِوَجْهِ اللهِ، مَقْرُونَةٌ بِالْحُبِّ وَالتَّعْظِيمِ،
وإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ رَمَضَانُ فَيَصُومُونَ لأَنَّ النَّاسَ صَائِمُونَ، وَيَمْتَنِعُونَ عَنِ الطَّعَامِ، لأَنَّ هَذَا هُوَ نِظَامُ الْمُجْتَمَعِ مِنْ حَوْلِهِمْ، وَهَذَا خَطَرٌ عَظِيمٌ، قَدْ يَحْرِمُ الْعَبْدَ مِنْ حَقِيقَةِ التَّقْوَى، الَّتِي هِيَ ثَمَرَةُ الصِّيَامِ الكُبْرَى؛ حَيْثُ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].
ومِنْ عَلَامَاتِ تَحَوُّلِ الصِّيَامِ إِلَى “عَادَةٍ“: أَنْ يَهْتَمَّ الْمَرْءُ بِتَنْوِيعِ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ أَكْثَرَ مِنِ اهْتِمَامِهِ بِتَطْهِيرِ مَشَاعِرِهِ وَقَلْبِهِ، وَأَنْ يَقْضِيَ نَهَارَهُ فِي النَّوْمِ، أَوْ بَيْنَ الشَّاشَاتِ، لِيَقْتُلَ الْوَقْتَ، فَلَا يَشْعُرُ بِأَلَمِ الْجُوعِ الَّذِي يُذَكِّرُهُ بِالْفُقَرَاءِ، وَلَا بِلَذَّةِ الْمُنَاجَاةِ الَّتِي تُقَرِّبُهُ مِنَ السَّمَاءِ، فإِنَّ الصِّيَامَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِي السُّلُوكِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (رواه البخاري). فَإِذَا كَانَ الصِّيَامُ لَا يَمْنَعُ صَاحِبَهُ عَنِ الْغِيبَةِ، وَلَا يَكُفُّهُ عَنِ الظُّلْمِ، فَهُوَ إِلَى الْعَادَةِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الْعِبَادَةِ.
ولِكَيْ نَنْقُلَ صِيَامَنَا مِنْ دَائِرَةِ الْعَادَةِ إِلَى رِحَابِ الْعِبَادَةِ، يَجِبُ أَنْ نَسْتَصْحِبَ “الِاحْتِسَابَ”، فَقَدْ شَرَطَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لِنَيْلِ الْمَغْفِرَةِ، فَقَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (رواه البخاري ومسلم).
وَالِاحْتِسَابُ هُوَ أَنْ تَنْتَظِرَ الأَجْرَ مِنَ اللهِ وَحْدَهُ، وَأَنْ تَسْتَشْعِرَ فِي كُلِّ لَحْظَةِ ظَمَأٍ أَنَّكَ تُؤَدِّي فَرِيضَةً يُحِبُّهَا اللهُ، والصِّيَامُ الْعِبَادَةُ: هُوَ الَّذِي يَصُومُ فِيهِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَاللِّسَانُ عَنِ الْمَحَارِمِ، كَمَا يَصُومُ الْبَطْنُ عَنِ الطَّعَامِ.
وتَأَمَّلُوا حَالَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، كَيْفَ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ مَعَ الصَّوْمِ كَمَدْرَسَةٍ لِلتَّغْيِيرِ، لَا كَمَوْسِمٍ لِلتَّخْدِيرِ، فكَانُوا يَرَوْنَ فِيهِ فُرْصَةً لِتَجْدِيدِ الْإِيمَانِ وَقَهْرِ الشَّهَوَاتِ،
فَإِذَا رَأَيْتَ نَفْسَكَ تَتَغَيَّرُ لِلأَفْضَلِ، وَتَزْدَادُ رِقَّةً فِي الْقَلْبِ، وَحِرْصاً عَلَى الصَّلَاةِ، فَأَبْشِرْ بِأَنَّ صِيَامَكَ عِبَادَةٌ مَقْبُولَةٌ بِإِذْنِ اللهِ،
أَمَّا مَنْ خَرَجَ مِنْ رَمَضَانَ كَمَا دَخَلَ، لَمْ يَتَغَيَّرْ خُلُقُهُ وَلَمْ تَتَهَذَّبْ نَفْسُهُ، فَلْيُرَاجِعْ نِيَّتَهُ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ قَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ» (رواه البخاري).
والْخُرُوج مِنْ مَصْيَدَةِ “الْعَادَةِ” يَتَطَلَّبُ مِنا تَعْظِيماً لِهَذِهِ الشَّعِيرَةِ، وتَعْظِيمُ الصِّيَامِ يَكُونُ بِالتَّفَكُّرِ فِي حِكْمَتِهِ، وَبِالْإِقْبَالِ عَلَى اللهِ بِكُلِّيَّتِنَا، فلَا تَجْعَلُوا يَوْمَ صَوْمِكُمْ وَيَوْمَ فِطْرِكُمْ سَوَاءً، بَلْ اجْعَلُوا لِلصَّائِمِ سَمْتًا وَوَقَارًا، فإِنَّ الْعَادَةَ تَقْتُلُ الإِحْسَاسَ بِعَظَمَةِ الزَّمَانِ، أَمَّا الْعِبَادَةُ فَتَجْعَلُكَ تَسْتَغِلُّ كُلَّ دَقِيقَةٍ فِي ذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ إِحْسَانٍ.
ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَنْتَظِرُ غُرُوبَ الشَّمْسِ لِيَعُودَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ غَفْلَةٍ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ كَانَ ثِقْلاً وَعَادَةً، أَمَّا مَنْ كَانَ صَوْمُهُ عِبَادَةً، فَإِنَّهُ يَجِدُ فِي الإِفْطَارِ قُوَّةً عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ، وَفِي السَّحُورِ بَرَكَةً تُعِينُهُ عَلَى طَاعَةِ النَّهَارِ، فكُنْ يَقِظاً، وَاجْعَلْ صِيَامَكَ خَالِصاً لِوَجْهِ اللهِ، لَا تَبْتَغِي بِهِ مَحْمَدَةً مِنَ النَّاسِ، وَلَا تَقْلِيداً لِأَحَدٍ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فلِنُعَاهِدِ اللهَ أَنْ يَكُونَ رَمَضَانُ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِي حَيَاتِنَا، لِنُحَوِّلْ عَادَاتِنَا إِلَى عِبَادَاتٍ بِتَصْحِيحِ النِّيَّةِ؛ فَنَأْكُلُ لِنَتَقَوَّى عَلَى الطَّاعَةِ، وَنَنَامُ لِنَسْتَعِينَ عَلَى القِيَامِ، وَنَصُومُ شَوْقاً إِلَى مَرْضَاةِ الرَّحْمَنِ. فَاللَّهُمَّ اجْعَلْ صِيَامَنَا صِيَامَ الْمُخْلِصِينَ، وَقِيَامَنَا قِيَامَ الْمُخْبِتِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ حَظُّهُمْ مِنْ صِيَامِهِمُ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (الصِّيَامُ بَيْنَ العَادَةِ وَالعِبَادَةِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
إِنَّ مِنَ المَخَاطِرِ الَّتِي تَتَهَدَّدُ عِبَادَاتِنَا هِيَ “طُولُ الأَمَدِ”؛ فَإِذَا اعْتَادَ المَرْءُ فِعْلَ شَيْءٍ تَحَوَّلَ عِنْدَهُ إِلَى حَرَكَةٍ آلِيَّةٍ يَفْعَلُهَا بَدَنُهُ وَلَا يَشْعُرُ بِهَا قَلْبُهُ،
وَالصِّيَامُ -يَا عِبَادَ اللهِ- لَيْسَ “نِظَامًا غِذَائِيًّا” سَنَوِيًّا، وَلَا هُوَ “تَقْلِيدٌ” نُقَلِّدُ فِيهِ الآبَاءَ وَالمُجْتَمَعَ ، بَلْ هُوَ طَاعَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اليَقِينِ.
والسؤال: كَيْفَ نُحَوِّلُ صِيَامَنَا مِنْ “عَادَةٍ” إِلَى “عِبَادَةٍ” خَالِصَةٍ؟، أَوَّلًا: بتَجْدِيد النِّيَّةِ كُلَّ يَوْمٍ: لَا تَنْوِ الصِّيَامَ بِمُجَرَّدِ أَنَّكَ سَتَتَسَحَّرُ، بَلْ قُلْ فِي نَفْسِكَ: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَصُومُ هَذَا اليَوْمَ تَقَرُّباً إِلَيْكَ وَامْتِثَالاً لِأَمْرِكَ”.
ثَانِيًا: اسْتِشْعَارُ الرَّقَابَةِ: فتَذَكَّرْ أَنَّكَ تَمْتَنِعُ عَنِ المَاءِ البَارِدِ فِي الغُرْفَةِ المُغْلَقَةِ لِأَنَّ اللهَ يَرَاكَ، فهَذَا الِاسْتِشْعَارُ هُوَ رُوحُ العِبَادَةِ، فَانْقُلْ هَذِهِ الرَّقَابَةَ إِلَى لِسَانِكَ وَسَمْعِكَ وَبَصَرِكَ.
ثَالِثًا: عليك بالقِيَام بِأَعْمَالٍ “غَيْرِ اعْتِيَادِيَّةٍ”: فكَسْرُ العَادَةِ يَكُونُ بِالتَّنَوُّعِ؛ بصَدَقَة خَفِيَّة، أو رَكَعَات فِي جَوْفِ اللَّيْلِ لَمْ تَعْتَدْ عَلَيْهَا، أو بعَفْو عَنْ مُسِيءٍ كُنْتَ تَهْجُرُهُ، فهَذِهِ الأَفْعَالُ تَنْفِي عَنْ صِيَامِكَ صِفَةَ الرَّتَابَةِ، وَتَجْعَلُهُ حَيًّا.
عِبَادَ اللهِ.. إِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْ جُوعِنَا وَعَطَشِنَا، وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ قُلُوبَنَا، قال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} الحج:37.
فَلَا تَكُونُوا آلاتٍ تَصُومُ، بَلْ كُونُوا أَرْوَاحًا تَرْقَى، وَنُفُوسًا تَتَهَذَّبُ.
فاللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الإِخْلَاصَ فِي القَوْلِ وَالعَمَلِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ صِيَامَنَا عِبَادَةً تُقَرِّبُنَا إِلَيْكَ، وَلَا تَجْعَلْهُ عَادَةً تَمُرُّ عَلَيْنَا. اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَنُفُوسَنَا مِنَ العُجْبِ. اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا المستضعفين، وَتَقَبَّلْ مِنَّا الصِّيَامَ وَالقِيَامَ، وَاعْتِقْ رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
الدعاء
