خطبة عن (أعمال السر بين العبد وربه)
أبريل 13, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (مِنْ وَصَايَا لُقْمَانَ: الإِيمَانُ وَعَدَمُ الشِّرْكِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان (12)، (13)]. وَفي الحديث: (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ” [رواه البخاري ومسلم].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ أَوَّلَ مَا نَطَقَتْ بِهِ حِكْمَةُ لُقْمَانَ، وَأَعْظَمَ مَا قَدَّمَهُ لابْنِهِ مِنْ نَصِيحَةٍ، هِيَ قَضِيَّةُ التَّوْحِيدِ، وَصَفَاءِ العَقِيدَةِ، فَقَدْ بَدَأَ بِالأَهَمِّ قَبْلَ المُهِمِّ؛ لِأَنَّ العَمَلَ بِلَا تَوْحِيدٍ هَبَاءٌ مَنْثُورٌ، وَالعُمْرَ بِلَا إِيمَانٍ ضَيَاعٌ مَحْضٌ، فلُقْمَانُ الحَكِيمُ لَمْ يَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ ابْنِهِ فُنُونَ الدُّنْيَا أَوْ كَسْبِ العَيْشِ، بَلْ بَدَأَ بِتَعْرِيفِهِ بِحَقِّ اللهِ العَظِيمِ؛ لِأَنَّ مَنْ عَرَفَ اللهَ هَانَ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ، وَمَنْ جَهِلَ اللهَ لَمْ يَنْفَعْهُ كُلُّ شَيْءٍ، فالتَّوْحِيدُ هُوَ المِرْسَاةُ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا القُلُوبُ فِي عَوَاصِفِ الحَيَاةِ.
وتَأَمَّلُوا فِي قَوْلِهِ: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ}: إنه نِدَاءٌ مِلْؤُهُ الشَّفَقَةُ وَالحُبُّ، وَالشِّرْكُ -عِبَادَ اللهِ- لَيْسَ فَقَطْ سُجُوداً لِصَنَمٍ، بَلْ هُوَ صَرْفُ أَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ لِغَيْرِ اللهِ، أَوِ اعْتِقَادُ أَنَّ مَعَ اللهِ مُتَصَرِّفاً فِي هَذَا الكَوْنِ، والشِّرْك يُحْبِطُ العَمَلَ، قال تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (65)، (66) الزمر، والشِّرْك يُوجِبُ الخُلُودَ فِي النَّارِ، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (10) التغابن،
والشِّرْكُ يُذِلُّ النَّفْسَ البَشَرِيَّةَ لِغَيْرِ خَالِقِهَا، والشِّرْكُ ظُلْمٌ؛ لِأَنَّكَ وَضَعْتَ العِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَسَوَّيْتَ المَخْلُوقَ الضَّعِيفَ بِالخَالِقِ القَوِيِّ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الظُّلْمِ مِنْ ظُلْمٍ؟، قال تعالى: (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) (97) الأنبياء
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ الحِكْمَةَ اللَّقْمَانِيَّةَ تُرْشِدُنَا إِلَى أَنَّ الإِيمَانَ الصَّادِقَ يَسْتَلْزِمُ “الشُّكْرَ”، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سِيَاقِ قِصَّتِهِ: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ}، فَالشُّكْرُ هُوَ رَأْسُ الإِيمَانِ، وَهُوَ الِاعْتِرَافُ بِالنِّعْمَةِ بَاطِناً، وَالثَّنَاءُ بِهَا ظَاهِراً، وَاسْتِعْمَالُهَا فِي طَاعَةِ اللهِ، ومَنْ لَمْ يَشْكُرِ اللهَ عَلَى نِعْمَةِ الإِيجَادِ وَالإِمْدَادِ، فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْكُفْرَانِ، فالإِيمَانُ وَالشُّكْرُ قَرِينَانِ، فَالإِيمَانُ يَعْرِفُكَ بِالمُنْعِمِ، وَالشُّكْرُ يَرْبِطُكَ بِالنِّعْمَةِ، وَبِهِمَا يَنْجُو العَبْدُ مِنْ عَذَابِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء:147].
ومن الملاحظ أنَّ رَبْطَ العَقِيدَةِ بِالمُرَاقَبَةِ هُوَ جَوْهَرُ وَصِيَّةِ لُقْمَانَ، فحِينَ قَالَ: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} [لقمان:16]. فهَذَا هُوَ الإِيمَانُ الحَقُّ؛ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ عِلْمَ اللهِ مُحِيطٌ بِكَ، لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْكَ خَافِيَةٌ، وإِنَّ اسْتِشْعَارَ عَظَمَةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ يَقْلَعُ جُذُورَ الشِّرْكِ مِنَ القَلْبِ، فَمَنْ كَانَ اللهُ مَعَهُ بِعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، كَيْفَ يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهِ؟، وَكَيْفَ يَطْلُبُ الرِّزْقَ أَوْ النَّصْرَ مِنْ سِوَاهُ؟، وإِنَّ تَرْبِيَةَ الأَبْنَاءِ عَلَى مُرَاقَبَةِ اللهِ هِيَ الحِصْنُ الحَصِينُ لَهُمْ فِي غَيْبَتِهِمْ وَحُضُورِهِمْ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء:48]. وَفي الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ” [رواه مسلم]. فإِنَّ الثَّبَاتَ عَلَى الإِيمَانِ فِي زَمَنِ الفِتَنِ يَتَطَلَّبُ تَجْدِيداً دَائِماً لِلْعَقِيدَةِ، وَحَذَراً مُسْتَمِرّاً مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ كَالرِّيَاءِ وَطَلَبِ المَحْمَدَةِ مِنْ غَيْرِ اللهِ، ولُقْمَانُ الحَكِيمُ عَلَّمَنَا أَنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ كَلِمَةً تُقَالُ، بَلْ هُوَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ، يَبْدَأُ بِتَوْحِيدِ اللهِ، وَيَنْقَادُ بِالصَّلَاةِ، وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فَالَّذِي يَعْرِفُ قَدْرَ رَبِّهِ لَا يَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَتَطَاوَلُ عَلَى خَلْقِهِ، بَلْ يَمْشِي فِي الأَرْضِ هَوْناً، مُخْبِتاً لِرَبِّ العَالَمِينَ.
فلِنَأْخُذْ مِنْ وَصَايَا لُقْمَانَ دَرْساً فِي التَّرْبِيَةِ الإِيمَانِيَّةِ؛ فَلَا نَشْغَلْ أَبْنَاءَنَا بِتَحْصِيلِ الدُّنْيَا وَنَنْسَى غَرْسَ التَّوْحِيدِ فِي نُفُوسِهِمْ، وعَلِّمُوهُمْ أَنَّ القُلُوبَ لَا تَسْكُنُ إِلَّا بِذِكْرِ اللهِ، وَأَنَّ الجِبَاهَ لَا تَسْجُدُ إِلَّا لِعَظَمَةِ اللهِ، فمَنْ كَانَ هَمُّهُ الآخِرَةَ وَتَوْحِيدَ رَبِّهِ، كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، ففي سنن الترمذي: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهَ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ».
ونَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَنْ يُحْيِيَنَا عَلَى التَّوْحِيدِ، وَأَنْ يُمِيتَنَا عَلَى التَّوْحِيدِ، وَأَنْ يَحْشُرَنَا فِي زُمْرَةِ المُوَحِّدِينَ. اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشِّرْكَ جَلِيَّهُ وَخَفِيَّهُ، وَاجْعَلْ أَعْمَالَنَا خَالِصَةً لِوَجْهِكَ الكَرِيمِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (مِنْ وَصَايَا لُقْمَانَ: الإِيمَانُ وَعَدَمُ الشِّرْكِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان (12)، (13)].
إخوة الإسلام
فلقمان لَمْ يَبْدَأْ وصيته بِأُمُورِ الدُّنْيَا، وَلَا بِجَمْعِ المَالِ، بَلْ بَدَأَ بِالقَاعِدَةِ الَّتِي لَا يَقُومُ بِنَاءٌ إِلَّا عَلَيْهَا: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}. وتَأَمَّلُوا فِي عُمْقِ هَذِهِ الوَصِيَّةِ:
أولا: المَحَبَّةُ قَبْلَ المَوْعِظَةِ: فقَالَ لُقْمَانُ: {يَا بُنَيَّ}. فهَذَا نِدَاءُ الحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ، فإِنَّ تَرْسِيخَ العَقِيدَةِ فِي نُفُوسِ الأَبْنَاءِ لَا يَكُونُ بِالقَسْوَةِ، بَلْ بِالرَّحْمَةِ، ولَقَدْ أَرَادَ لُقْمَانُ أَنْ يَقُولَ لِابْنِهِ: “يَا بَهْجَةَ عَيْنِي، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَعْظَمَ خَطَرٍ فِي الوُجُودِ، وَهُوَ الشِّرْكُ”، والسؤال: لِمَاذَا كَانَ الشِّرْكُ ظُلْماً؟، ولم وَصَفَ اللهُ الشِّرْكَ بِأَنَّهُ {ظُلْمٌ عَظِيمٌ}؟، فَالظُّلْمُ فِي اللُّغَةِ هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَهَلْ هُنَاكَ ظُلْمٌ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يَرْزُقَكَ اللهُ وَتَشْكُرَ غَيْرَهُ؟، وَأَنْ يَخْلُقَكَ اللهُ وَتَسْجُدَ لِسِوَاهُ؟، وَأَنْ يَكُونَ نَافِعُكَ وَضَارُّكَ هُوَ اللهُ، ثُمَّ تَتَعَلَّقَ بِالأَسْبَابِ أَوِ البَشَرِ؟، إِنَّهُ اعْتِدَاءٌ صَارِخٌ عَلَى حَقِّ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ.
ثانيا: الشِّرْكُ الخَفِيُّ وَخَطَرُهُ عَلَى القُلُوبِ: فالشِّرْكُ لَيْسَ فَقَطْ أَنْ تَسْجُدَ لِصَنَمٍ، بَلْ هُنَاكَ الشِّرْكُ الخَفِيُّ؛ أَنْ يَمْتَلِئَ القَلْبُ بِخَوْفٍ مِنْ مَخْلُوقٍ كَمَا يَخَافُ مِنَ اللهِ، أَوْ بِرَجَاءٍ فِي بَشَرٍ كَمَا يَرْجُو اللهَ، أَوْ بِرِيَاءٍ يَمْحَقُ الأَعْمَالَ. لُقْمَانُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ قَلْبُ ابْنِهِ “حُرًّا” لَا يَنْحَنِي إِلَّا لِلْوَاحِدِ القَهَّارِ.
والسؤال: إِذَا نَجَحْنَا فِي غَرْسِ التَّوْحِيدِ كَمَا فَعَلَ لُقْمَانُ، مَاذَا سَيَحْدُثُ؟، والجواب: أَوَّلًا: الطُّمَأْنِينَةُ النَّفْسِيَّةُ: المُوَحِّدُ لَا يَعْرِفُ التَّشَتُّتَ؛ رَبُّهُ وَاحِدٌ، وَطَرِيقُهُ وَاحِدٌ، وَغَايَتُهُ رِضَا اللهِ، فَلَا يَنْكَسِرُ أَمَامَ الظُّرُوفِ، وَلَا يَيْأَسُ عِنْدَ الكُرُوبِ.
ثَانِيًا: حُرِّيَّةُ الإِنْسَانِ: التَّوْحِيدُ يُحَرِّرُ العَبْدَ مِنْ عُبُودِيَّةِ العَبِيدِ. لَا بَشَرٌ يَمْلِكُ لَكَ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، وَلَا رِزْقًا وَلَا أَجَلًا. هَذَا اليَقِينُ هُوَ الَّذِي صَنَعَ العُظَمَاءَ فِي تَارِيخِنَا.
ثَالِثًا: القَبُولُ فِي الآخِرَةِ: فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ “لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ” خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، التَّوْحِيدُ هُوَ المِفْتَاحُ الَّذِي لَا تَنْفَتِحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ إِلَّا بِهِ.
فيَا عِبَادَ اللهِ.. اِقْتَدُوا بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ لُقْمَانَ، وعَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمْ أَنَّ اللهَ رَقِيبٌ، وَأَنَّ اللهَ قَرِيبٌ، وَأَنَّ اللهَ مُجِيبٌ، اجْعَلُوا كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ هِيَ أَوَّلَ مَا يَسْمَعُونَ وَآخِرَ مَا يَفْهَمُونَ.
فاللَّهُمَّ أَحْيِنَا عَلَى التَّوْحِيدِ، وَأَمِتْنَا عَلَى التَّوْحِيدِ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ قُلُوبَنَا مُعَلَّقَةً بِكَ وَحْدَكَ، وَلَا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ.
الدعاء
