خطبة عن (أَثَرُ العِبَادَاتِ فِي أَخْلَاقِ المُسْلِمِ وَسُلُوكِهِ)
يوليو 20, 2026خطبة عن (الصدق وآثاره)
يوليو 21, 2026الخطبة الأولى (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الكَافِرُونَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) [سورة الكافرون].
إخوة الإسلام
إن التفسير الموضوعي للقرآن الكريم: هو دراسة السورة القرآنية كوحدة واحدة، ثم استخراج فكرتها المحورية، ومقاصدها الأساسية، وذلك بدلاً من تفسير الآيات بشكل منفصل.
ويهدف هذا المنهج في التفسير: إلى إبراز الجوانب العقائدية، والإيمانية، والأخلاقية، التي تربط بين آيات السورة الواحدة، بشكل متناسق ومترابط.
واليوم- إن شاء الله تعالى- مع (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ (الكَافِرُونَ)، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى فِي قِصَارِ السُّوَرِ قَوَاعِدَ عَقَدِيَّةً رَاسِخَةً، تَعْصِمُ أُمَّةَ الإِسْلَامِ مِنَ الذَّوَبَانِ فِي مُجْتَمَعَاتِ الجَاهِلِيَّةِ ،وَ(سُورَة الكَافِرُونَ) هِيَ سُورَةُ “المُفَاصَلَةِ التَّامَّةِ” الَّتِي لَا تَقْبَلُ المُسَاوَمَةَ عَلَى أَصْلِ الدِّينِ، والنَّظَر إِلَى هَذِهِ السُّورَةِ (بِتَفْسِيرٍ مَوْضُوعِيٍّ) يَكْشِفُ عَنْ فِكْرَتِهَا المِحْوَرِيَّةِ العُظْمَى وهي: “الإِعْلَانُ الصَّرِيْحُ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ صُوَرِ الشِّرْكِ، وَوُجُوبُ خُلُوصِ العِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ دُونَ مُمَايَعَةٍ”.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وسَبَبُ نُزُولِ (سُورَةِ الكَافِرُونَ) يُجَلِّي لَنَا مَكْرَ أَهْلِ البَاطِلِ، فِي كُلِّ زَمَانٍ ومكان؛ فَقَدْ جَاءَ سَادَاتُ قُرَيْشٍ: (كَالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وَالعَاصِ بْنِ وَائِلٍ) إِلَى الرَّسُولِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَعَرَضُوا عَلَيْهِ طَرِيقَةً لِلصُّلْحِ وَالتَّقَارُبِ، فَقَالُوا: “يَا مُحَمَّدُ، هَلُمَّ فَلْنَعْبُدْ مَا تَعْبُدُ، وَتَعْبُدْ مَا نَعْبُدُ، فَنَشْتَرِكُ نَحْنُ وَأَنْتَ فِي الأَمْرِ؛ فَإِنْ كَانَ الَّذِي تَعْبُدُ خَيْراً مِمَّا نَعْبُدُ، كُنَّا قَدْ أَخَذْنَا مِنْهُ بِحَظٍّ ،وَإِنْ كَانَ مَا نَعْبُدُ خَيْراً مِمَّا تَعْبُدُ، كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ بِحَظٍّ”، فَقَطَعَ اللهُ هَذِهِ المُمَايَعَةَ، بِهَذَا الرَّدِّ الحَاسِمِ، فَأَمَرَ الله نَبِيَّهُ أَنْ يَصْدَعَ بِـقَوْلِهِ تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ).
وتَأَمَّلُوا اللفْظَ المُبَاشِرَ: (يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)؛ إِنَّهُ لَيْسَ خِطَاباً لِلتَّجْرِيحِ المَحْضِ، بَلْ هُوَ تَسْمِيَةٌ لِلأَشْيَاءِ بأسمائها، وبِحَقَائِقِهَا، فَمَنْ كَفَرَ بِالتَّوْحِيدِ، فِإِنَّمَا هُوَ كَافِرٌ، وَلَا وُجُودَ لِمِنْطَقَةٍ رَمَادِيَّةٍ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، (كما نسمع من بعض الجاهلين اليوم)،
ثُمَّ جَاءَ الحُكْمُ الفَصْلُ فِي الحَالِ وَالمُسْتَقْبَلِ: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)، فهُنَا نَفْيٌ قَاطِعٌ فِي الحَاضِرِ، لِكُلِّ مَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ أَهْلُ الأَوْثَانِ وَالشَّهَوَاتِ، وَإِعْلَانٌ بِأَنَّ مِحْرَابَ المُسْلِمِ طَاهِرٌ خَالِصٌ، لَا يَقْبَلُ أَنْ يُوضَعَ فِيهِ صَنَمٌ، أَوْ هَوَىً، أَوْ رَأْيٌ يُصَادِمُ شَرِيعَةَ اللهِ.
فقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾: لأنكم تَعْبُدُونَ غَيْرَ اللهِ، وَلَوْ عَبَدْتُمُوهُ وَأَشْرَكْتُمْ مَعَهُ غَيْرَهُ، فَعِبَادَتُكُمْ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ فللهِ الدِّين الْخَالِص، فَالرَّسُولُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُخْبِرُهُمْ بِأن المسلمين لا يَعْبُدُون إِلَّا اللهَ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا يَعْبُدُون مَا يَعْبُدُهُ الْمُشْرِكُون، َمِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَحْجَارِ، وَالْأَشْجَارِ، وَالْأَضْرِحَةِ، وَالْقُبُورِ، وَيقول لهم: أنا أَتَبَرَّأُ مِنْ ذَلِكَ، ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَعِبَادَاتِي غَيْرُ عِبَادَاتِكُمْ، وَمَعْبُودِي غَيْرُ مَعْبُودِكُمْ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ الكَثِيرَ مِنَ النَّاسِ يَتَسَاءَلُونَ عَنْ سِرِّ (التِّكْرَارِ) فِي السُّورَةِ، حِينَ يَقُولُ سُبْحَانَهُ: (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ)، وَالنَّظَرُ المَوْضُوعِيُّ لِلْبَلَاغَةِ القُرْآنِيَّةِ، يُبَيِّنُ أَنَّ الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ): هُمَا نَفْيٌ “لِلْفِعْلِ فِي الحَاضِرِ، والمُسْتَقْبَلِ”،
أَمَّا الجُمْلَتَانِ التَّالِيَتَانِ: (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ): فَهُمَا نَفْيٌ “لِقَبُولِ الصِّفَةِ وَالمَنْهَجِ”،
فَالْمَعْنَى: (لَنْ تَقَعَ مِنِّي عِبَادَةٌ لِأَصْنَامِكُمْ أَبَداً، وَلَيْسَ مِنْ طَبِيعَتِي، وَلَا مِنْ مَنْهَجِي، أَنْ أَسْلُكَ طَرِيقَكُمْ)، فهَذَا التَّأْكِيدُ، لَمْ يَدَعْ لِقُرَيْشٍ أَدْنَى أَمَلٍ، فِي أَنْ يَسْتَجِيبَ النَّبِيُّ- (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)- لِمُسَاوَمَاتِهِمْ، فَقُطِعَ دَابِرُ الطَّمَعِ فِي تَمْيِيعِ الدِّينِ،
وَعلى هذا، فقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، يُبَيِّنُ اللهُ عَلَى لِسَانِ رسوله مُحَمَّدٍ –(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)- للكافرين بِأَنَّهُمْ: (حَتَّى وَلَوْ عَبَدُوا اللهَ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ) فَإِنَّهَا تَبْطُلُ، إِذَا أَشْرَكُوا مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى؛ فَالشِّرْكُ يُبْطِلُ الْعِبَادَةَ،
كَمَا أَنَّ مِنْ مَعَانِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِذَا كَانَ الْخِطَابُ وُجِّهَ لِفِئَةٍ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وَصَنَادِيدِهِمْ؛ (فَإِنَّكُمْ لَنْ تَعْبُدُوا اللهَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَسَتَزْدَادُون بُعْدًا عَنِ الْحَقِّ).
وَفي قَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ تَأْكِيدٌ؛ (لِذَا كُرِّرَتْ)، كَيْلَا تَبْقَى مَظِنَّةٌ أَوْ شُبْهَةٌ، فَتَأْكِيدُ اللهِ لِنَفْي أَنَّ رسوله مُحَمَّدًا –(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)- وَأَتْبَاعَهُ من بعده، لَنْ يَعْبُدُوا مَعْبُودَاتِهِمْ، قَطْعًا لِأَطْمَاعِهِمْ فِي الْمُدَاهَنَةِ، وَأَنَّ هَذَا الدِّينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ إِلَّا الْخَالِصَ،
وَقَالَ الْأَخْفَشُ: (وَبَيَانُهَا لَا أَعْبُدُ السَّاعَةَ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ السَّاعَةَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَا عَبَدْتُمْ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَا أَعْبُدُ، فَزَالَ التَّوْكِيدُ، وَحَصَلَ التَّأْسِيسُ).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وخِتَام (سُورَةِ الكَافِرُونَ) المَوْضُوعِيِّ، يَضَعُ الحُدُودَ الفَاصِلَةَ، بَيْنَ أَهْلِ الحَقِّ، وَأَهْلِ البَاطِلِ: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)، فهَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ رِضاً بِالْكُفْرِ (كَمَا يَتَوَهَّمُ بَعْضُ المُنْهَزِمِينَ)، بَلْ هِيَ “مُنْتَهَى المُفَاصَلَةِ وَالتَّهْدِيدِ”، فَمَعْنَاهَا: (لَكُمْ طَرِيقُكُمُ الخَاسِرُ، الَّذِي تَتَحَمَّلُونَ عِقَابَهُ، وَلِي مَنْهَجِيَ الرَّاشِدُ، الَّذِي أَلْتَزِمُ حُدُودَهُ)،
وَقَدْ جَعَلَ الإِسْلَامُ لِهَذِهِ السُّورَةِ مَكَانَةً عُظْمَى؛ حَيْثُ تُسَمَّى مَعَ سُورَةِ الإِخْلَاصِ بِـ “المُقَشْقِشَتَيْنِ”؛ أَيِ المُطَهِّرَتَيْنِ مِنَ النِّفَاقِ وَالشِّرْكِ، وَكَانَ مِنْ سُنَّتِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) البَدَاءَةُ بِهِمَا فِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، وَرَكْعَتَيِ المَغْرِبِ، لِيَفْتَتِحَ المُسْلِمُ يَوْمَهُ وَيَخْتِمَهُ بِإِعْلَانِ البَرَاءَةِ التَّامَّةِ مِعْ كُلِّ بَاطِلٍ.
ففي قَوله تَعَالَى:﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾: إِعْلَانُ الانْفِصَالِ التَّامِّ، وَالْبَرَاءَةِ التَّامَّةِ، عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، والانْفِصَالِ عَنْهُ،
وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ يونس:41، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ الشورى:15، فَأَنْتُمْ -أي: الْمُشْرِكُونَ- لَكُمْ دِينُ الشِّرْكِ، وَأَنَا لِي دِينُ التَّوْحِيدِ؛ دِينُ الْإِسْلَامِ.
فَقَدْ كَانَ هَذَا الْمَزِيدُ مِنَ الْإِيضَاحِ وَالتَّأْكِيدِ، لِبَيَانِ الاخْتِلَافِ الْجَوْهَرِيِّ الْكَامِلِ، الَّذِي يَسْتَحِيلُ التَّوَافُقُ مَعَهُمْ؛ فَالتَّوْحِيدُ هُوَ سَبِيلُ اللهِ، وَسَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْكُفْرُ بِكَافَّةِ طُرُقِهِ وَسُبُلِهِ وَمَنَاهِجهِ الْمُخْتَلِفَةِ مَنْهَجٌ آخَرُ،
وَمَنْهَجُ التَّوْحِيدِ وَمَنْهَجُ الشِّرْكِ، مَنْهَجَانِ لَا يَلْتَقِيانِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا إِقْرَارٌ لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ التَّرْهِيبُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فصلت: (40)، وَلَيْسَ هَذَا إِقْرَارًا لَهُمْ؛ بَلْ تَخويفا وَتَحْذِيرًا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُحَاسَبُونَ عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي سَلَكُوهُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
والسؤال: كَيْفَ نُحَوِّلُ (سُورَةَ الكَافِرُونَ) إِلَى مَنْهَجٍ سُلُوكِيٍّ، فِي حَيَاتِنَا العَمَلِيَّةِ؟،
والجواب: أَوَّلاً: بِـ “الثَّبَاتِ عَلَى قِيَمِ الدِّينِ”، مَهْمَا كَثُرَتِ المُسَاوَمَاتُ، فَلَا نُجَامِلُ فِي ثَوَابِتِ الشَّرِيعَةِ، لِأَجْلِ رِضَا النَّاسِ، أَوْ مُجَارَاةِ العَصْرِ فِي مُحَرَّمَاتِهِ.
ثَانِيًا: أَنْ نَعْتَزَّ بِهُوِيَّتِنَا الإِسْلَامِيَّةِ؛ فَلَا نَتَشَبَّهُ بِأَهْلِ المَعَاصِي، فِي سُلُوكِيَّاتِهِمْ، أَوْ أَعْيَادِهِمْ، ولا في ملابسهم، ولا في قصة شعرهم، بَلْ يَكُونُ المُسْلِمُ مُمَيَّزاً، بِأَخْلَاقِهِ الحَسَنَةِ، وَاسْتِقَامَتِهِ النَّقِيَّةِ.
والمُجْتَمَعُ الَّذِي يَتَرَبَّى عَلَى مَفَاهِيمِ (سُورَةِ الكَافِرُونَ)، هُوَ مُجْتَمَعٌ قَوِيُّ البِنَاءِ، عَصِيٌّ عَلَى الِانْحِلَالِ، يَحْفَظُ لِنَفْسِهِ مَكَانَتَهُ السَّامِيَةَ، دُونَ أَنْ يَنْقَادَ خَلْفَ سَرَابِ الأُمَمِ المُنْحَرِفَةِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الكَافِرُونَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ومما سبق يتبين لنا أن (سُورَةَ الكَافِرُونَ): هي سورة مكية، عظيمة الشأن، تُعد بمثابة إعلان للبراءة التامة من الشرك، وتأكيدٍ لإخلاص العبادة لله وحده، وتتجلى أهميتها في فضائلها العظيمة، وأذكر لكم بعضا منها:
فمن فضائلها: أن في قراءتها براءة من الشرك: ففي مسند أحمد: (عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ جَبَلَةَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئاً أَقُولُهُ عِنْدَ مَنَامِي. قَالَ «إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ مِنَ اللَّيْلِ فَاقْرَأْ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ»
ومن فضائل (سورة الكافرون): أنها تعدل ربع القرآن: فقد روى الترمذي: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِذَا زُلْزِلَتْ تَعْدِلُ نِصْفَ الْقُرْآنِ وَ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) تَعْدِلُ رُبُعَ الْقُرْآنِ». وفَي رواية له: (وَمَنْ قَرَأَ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) عُدِلَتْ لَهُ بِرُبْعِ الْقُرْآنِ)
ومن فضائلها: أنها رقية: فَفي المعجم الأوسط للطبراني: (عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: (لدغت النبي صلى الله عليه وسلم عقرب وهو يصلي، فلما فرغ قال: لعن الله العقرب، لا يدع مصليا ولا غيره ، ثم دعا بماء وملح، وجعل يمسح عليها، ويقرأ (قل يا أيها الكافرون) و (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس).
ومن فضائلها: أنها تغيظ الشيطان: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَشَدُّ غَيْظًا لِإِبْلِيسَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا تَوْحِيدٌ وَبَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ).
ومن فضائل (سورة الكافرون): أن قراءتها سُّنة راتبة: فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْه- قَالَ: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَرَأَ فِي رَكْعَتَي الْفَجْرِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وفي مسند أحمد: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بِضْعاً وَعِشْرِينَ مَرَّةً أَوْ بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وَ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).
وفي سنن الترمذي: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَرَأَ فِي رَكْعَتَي الطَّوَافِ بِسُورَتَيِ الإِخْلاَصِ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وَ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).
وفي سنن النسائي: (عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُوتِرُ بِثَلاَثِ رَكَعَاتٍ كَانَ يَقْرَأُ فِي الأُولَى بِ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) وَفِى الثَّانِيَةِ بِ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وَفِى الثَّالِثَةِ بِ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَلْنَلْزَمْ مِعْمَارَ التَّوْحِيدِ، وَلْنَقْرَأْ هَذِهِ السُّورَةَ بِيَقِينِ الخَاضِعِينَ لِرَبِّ العَالَمِينَ. فاللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ وَالرِّيَاءِ، وثَبِّتْنَا عَلَى دِينِكَ، وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مَهْمَا تَمَوَّجَتِ الفِتَنُ، واجْعَلْنَا مِمَّنْ حَفِظَ عَهْدَ التَّوْحِيدِ، وَمَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ النَّقِيَّةِ،
الدعاء
