خطبة عن (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ)
يوليو 28, 2026الخطبة الأولى (وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ وَطَعْمَهُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:2]. ورُوي في الصحيحين: (عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ»، وفي رواية: «وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ وَطَعْمَهُ). وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (عَنْ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الـمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا».
إخوة الإسلام
لِقَاؤنَا اليَوْمَ فِي هَذَا المـِحْرَابِ العِلْمِيِّ الطَّوِيلِ، لَيْسَ عَنْ شِعَارَاتٍ ظَاهِرَةٍ، بَلْ عَنْ “سِرِّ السَّكِينَةِ البَاطِنِيَّةِ”، الَّتِي إِذَا اسْتَقَرَّتْ فِي نَفْسِ العَبْدِ المـُسْلِمِ، تَعَالَىٰ بِهَا عَنْ جِرَاحَاتِ الدُّنْيَا، وَذَابَتْ فِي رِحَابِهَا شَهَوَاتُ الأَرْضِ الفَانِيَةِ؛ إِنَّهُ مَوْضُوعُ: “حَلَاوَةِ الإِيمَانِ وَطَعْمِهِ“.
وَأَوَّلُ مَا يَجِبُ أَنْ نُؤَصِّلَهُ فِي عُقُولِ المُسْلِمِينَ: أَنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ كَتْلَةً صَامِتَةً جَامِدَةً، بَلْ هُوَ طَاقَةٌ حَيَّةٌ، تَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، وَتَنْقُصُ بِالمـَعْصِيَةِ، وَالغَفْلَةِ؛ كَمَا صَدَعَ بِهِ القُرْآنُ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:2]..
وَإِنَّ لِهَذَا الإِيمَانِ “طَعْمًا حَقِيقِيًّا” تَذُوقُهُ القُلُوبُ، وَ “حَلَاوَةً بَاطِنِيَّةً” أَجَلَّ وَأَعْظَمَ مِنْ حَلَاوَةِ المـَآكِلِ وَالمـَشَارِبِ، وَلَا يَجِدُ العَبْدُ هَذِهِ اللَّذَّةَ، إِلَّا إِذَا قَدَّمَ رِضَا مَوْلَاهُ عَلَىٰ هَوَىٰ نَفْسِهِ.
وَلَقَدْ حَصَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَسْبَابَ نَيْلِ هَذِهِ الحَلَاوَةِ فِي ثَلَاثَةِ أُمُورٍ اسْتِرَاتِيجِيَّةٍ؛
الأَمْرُ الأَوَّلُ: ﴿أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا﴾. وَالمـَقْصُودُ الصَّارِمُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَيْسَ تَمْطِيقًا بِالأَلْسِنَةِ، وَلَا طُرُقًا صُوفِيَّةً مُبْتَدَعَةً، بَلْ هُوَ “الِانْقِيَادُ الـمُطْلَقُ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ”؛ كَمَا قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:31].
وَمِنْ أَعْظَمِ الأَعْمَالِ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَىٰ صِنَاعَةِ هَذِهِ المـَحَبَّةِ: الإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَمُرَاقَبَتُهُ فِي الخَلَوَاتِ، وَإِيثَارُ مَرَاضِيهِ عِنْدَ تَعَارُضِ المـَصَالِحِ المـَادِّيَّةِ.
وَأَشْكَالُ هَذِهِ المـَحَبَّةِ تَظْهَرُ فِي لَذَّةِ السُّجُودِ، وَالشَّوْقِ إِلَىٰ المـَصَاحِفِ.
وَأَمَّا مَحَبَّةُ الرَّسُولِ ﷺ فَعَلَامَاتُهَا البَارِزَةُ هِيَ: تَعْظِيمُ سُنَّتِهِ، وَنَشْرُ حَدِيثِهِ، وَعَدَمُ تَقْدِيمِ قَوْلِ أَيِّ بَشَرٍ عَلَىٰ قَوْلِهِ؛ فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيْحِهِ: (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّىٰ أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»،
وَالسؤال: مَتَىٰ يَصِلُ العَبْدُ إِلَىٰ أَنْ يَكُونَ حُبُّهُمَا أَحَبَّ مِمَّا سِوَاهُمَا؟،
والجواب: يَصِلُ إِذَا وَقَفَ عِنْدَ الذَّنْبِ فَتَرَكَهُ إِجْلَالًا لِلَّهِ، وَإِذَا أَمَرَتْهُ السُّنَّةُ بِسَمْتٍ، أَوْ خُلُقٍ فِى بَيْتِهِ وَسُوقِهِ، نَفَّذَهُ، دُونَ خَوْفٍ مِنْ سُخْرِيَةِ التَّافِهِينَ، أَوْ غَمْزِ المـُرْتَابِينَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ثُمَّ نَنْتَقِلُ إِلَىٰ الأَمْرِ الثَّانِي مِنْ جَالِبَاتِ (حلاوة الإيمان): ﴿وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. وَهَذَا هُوَ “فِقْهُ الحُبِّ فِي اللَّهِ”، الَّذِي يُمَثِّلُ أَعْلَىٰ رَوَابِطِ الأَمْنِ الِاجْتِمَاعِيِّ؛ فَلَا يُحِبُّ المُسْلِمُ أَخَاهُ لِأَجْلِ تِجَارَةٍ مُشْتَرَكَةٍ، وَلَا لِمَصْلَحَةٍ سِيَاسِيَّةٍ، وَلَا لِقَرَابَةٍ عَصَبِيَّةٍ، بَلْ يُحِبُّهُ لِأَنَّهُ رَآهُ طَائِعًا لِلَّهِ، مُحَافِظًا عَلَىٰ صَلَاتِهِ، بَعِيدًا عَنِ المـُحَرَّمَاتِ.
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- «أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ. قَالَ هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا قَالَ لاَ غَيْرَ أَنِّى أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ ».
فمنَ عَلَامَات هَذَا الحُبِّ الرَّبَّانِيِّ، أَنَّهُ لَا يَزِيدُ بِالبِرِّ وَالعَطَاءِ المـَادِّيِّ، وَلَا يَنْقُصُ بِالجَفَاءِ؛ بَلْ يَبْقَىٰ رِبَاطًا مُقَدَّسًا، يَجْمَعُ الإخوة والأُمَّةَ كَالبُنْيَانِ المـَرْصُوصِ.
وَمِمَّا يُعِينُ عَلَىٰ تَحْقِيقِ هَذِهِ المـَحَبَّةِ النَّقِيَّةِ: إِفْشَاءُ السَّلَامِ فِي الشَّوَارِعِ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّىٰ تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».
وَمن أَثَر هَذَا الحُبِّ البَاطِنِيِّ فِي حَيَاةِ المُسْلِمِ: أَنَّهُ يَصْنَعُ مُجْتَمَعًا نَقِيًّا، يَتَفَقَّدُ فِيهِ الغَنِيُّ الفَقِيرَ، وَيَعْطِفُ فِيهِ الكَبِيرُ عَلَىٰ الصَّغِيرِ، وَيَنَالُ أَصْحَابُهُ أَعْظَمَ الكَرَامَاتِ يَوْمَ العَرْضِ، حَيْثُ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي»
فَاحْفَظُوا أُخُوَّتَكُمْ، وَطَهِّرُوا نِيَّاتِكُمْ عَنْ مَصَالِحِ الدُّنْيَا الزَّائِلَةِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ وَطَعْمَهُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:217]. وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فِي الأَمْرِ الثَّالِثِ): «وَأنْ أَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَرْجِعَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّار».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
تَعَالَوْا بِنَا لِنَسْتَرْسِلَ اسْتِرْسَالًا عِلْمِيًّا وَاسِعًا فِي تَشْرِيحِ هَذَا الرُّكْنِ الثَّالِثِ الَّذِي جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ سِيَاجًا لِحِمَايَةِ العَقِيدَةِ؛ وَهُوَ: ﴿أَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ﴾. وَفِي هَذَا الوَصْفِ البَلِيغِ رَبْطٌ بَيْنَ حَقِيقَةِ الأَلَمِ الحِسِّيِّ، وَالأَلَمِ المـَعْنُوِيِّ؛ فَالـمُؤْمِنُ الَّذِي ذَاقَ طَعْمَ التَّوْحِيدِ، وَعَرَفَ جَلَالَ اللَّهِ، يَرَىٰ أَنَّ فِكْرَةَ التَّخَلِّي عَنْ دِينِهِ، أَوْ الِانْحِرَافِ نَحْوِ أَهْوَاءِ الكُفْرِ وَالشُّبُهَاتِ، هِيَ أَشَدُّ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِنْ أَنْ تُلْقَىٰ جُثَّتُهُ فِي لَهَبٍ تَصْهَرُ الحِجَارَةَ!، وَهَذِهِ الكَرَاهِيَةُ لِلْكُفْرِ وَالمـِلَلِ المـُنْحَرِفَةِ، هِيَ الَّتِي تَمْنَحُهُ الثَّبَاتَ الصَّامِدَ فِي زَمَنِ الفِتَنِ النَّوَازِلِ.
ويسأل سائل: مَا هِيَ عَلَامَاتُ كَرَاهِيَةِ الكُفْرِ عَمَلِيًّا؟، فنقول: عَلَامَاتُهَا: أَنْ يَفْخَرَ المُسْلِمُ بِإِسْلَامِهِ، وَأَنْ يَجْتَنِبَ تَقْلِيدَ أَهْلِ الكُفْرِ فِي لَبْسِهِمْ، وَمَظَاهِرِهِمْ، وَأَعْيَادِهِمْ المـُنْحَرِفَةِ، وَأَنْ تَقْشَعِرَّ نَفْسُهُ عِنْدَ سَمَاعِ الإِلْحَادِ، أَوْ الطَّعْنِ فِي الشَّرِيعَةِ.
وَاُنْظُرُوا جَزَاءَ مَنْ ضَعُفَتْ نَفْسُهُ، فارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ، وَمَاتَ عَلَىٰ ذَلِكَ؛ فَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ بِـ “الحُبُوطِ الـمُطْلَقِ”؛ حَيْثُ تَحْتَرِقُ صَلَاتُهُ، وَزَكَاتُهُ، وَحَجُّهُ، وَكُلُّ جُهْدٍ بَذَلَهُ فِي دُنْيَاهُ، وَيُسَاقُ مَخْذُولًا إِلَىٰ خُلُودِ الأَبَدِ فِي سَعِيرِ جَهَنَّمَ. قال تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (217) البقرة
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ السُّؤَالَ المـَصِيرِيَّ اليَوْمَ: مَا هِيَ الأَعْمَالُ الَّتِي تُعِينُ المُؤْمِنَ عَلَىٰ الثَّبَاتِ عَلَىٰ دِينِهِ حَتَّىٰ يَلْقَىٰ رَبَّهُ الشَّكُورَ؟، والجواب:
أَوَّلًا: لُزُومُ الدُّعَاءِ بِإِلْحَاحٍ؛ فَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَىٰ دِينِكَ» [سنن الترمذي].
ثَانِيًا: طَلَبُ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ التَّأْصِيلِيِّ؛ الَّذِي يُمَثِّلُ الحِصْنَ المـَنِيعَ لِعُقُولِ الشَّبَابِ، ضِدَّ شُبُهَاتِ المـُلْحِدِينَ وَالمـُمَيِّعِينَ لِلْمَفَاهِيمِ فِي الـمَنَصَّاتِ.
ثَالِثًا: عِمَارَةُ الأَوْقَاتِ بِالفَرَائِضِ، وَالنَّوَافِلِ؛ فَالعِبَادَةُ فِي زَمَنِ الهَرْجِ وَاللَّعِبِ، كَهِجْرَةٍ إِلَىٰ النَّبِيِّ ﷺ، ففِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ: (قَالَ- صلى الله عليه وسلم- «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ».
فَاتَّقُوا اللَّهَ -يَا بَنِي الإِسْلَامِ- وَفَتِّشُوا فِي قُلُوبِكُمْ؛ واجْعَلُوا حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يَقُودُ جَوَارِحَكُمْ، وَامْلَؤُوا مَجَالِسَكُمْ بِالحُبِّ فِي اللَّهِ، البَرِيءِ مِنَ المـَصَالِحِ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ دِينِكُمْ، لِتَكُونُوا مِمَّنْ وَجَدُوا حَلَاوَةَ الإِيمَانِ وَطَعْمَهُ، فَتَعِيشُوا فِي الدُّنْيَا بِصُدُورٍ مُنْشَرِحَةٍ، وَتُثَبَّتُوا فِي القُبُورِ عِنْدَ السُّؤَالِ، وَتَفُوزُوا بِجِوَارِ سَيِّدِ المـُرْسَلِينَ، فِي أَعْلَىٰ عِلِّيِّينَ.
الدُّعَاءُ
