خطبة عن (الإِحْسَانُ إِلَى الوَالِدَيْنِ مَنْ أَعْظَم الحُقُوقِ)
أغسطس 29, 2026الخطبة الأولى (نَقَاءُ الْقَلْبِ وَصَفَاءُ السَّرِيرَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (10) الحشر، وفي سنن ابن ماجه: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ قَالَ «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ». قَالُوا صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ قَالَ «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ لاَ إِثْمَ فِيهِ وَلاَ بَغْيَ وَلاَ غِلَّ وَلاَ حَسَدَ».
إخوة الإسلام
إِنَّ مَدَارَ قَبُولِ الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى لَا يَقِفُ عِنْدَ ظَوَاهِرِ الْعِبَادَاتِ، وَرُسُومِهَا الَّتِي يَرَاهَا النَّاسُ، بَلْ هُوَ يَنْفُذُ إِلَى أَعْمَاقِ السَّرِيرَةِ، وَيَقُومُ عَلَى طَهَارَةِ الْبَاطِنِ؛ فَالْقَلْبُ لِـجَوَارِحِ الْإِنْسَانِ كَالْمَلِكِ لِـجُنُودِهِ، إِنْ صَلَحَ صَلَحَتْ رَعِيَّتُهُ، وَإِنْ فَسَدَ سَرَى الْفَسَادُ فِي أَوْصَالِهَا،
وصَفَاء الْقَلْبِ: هُوَ تَطْهِيرُ الْبَاطِنِ مِنْ كُلِّ دَخَنٍ، وَسَلَامَةُ الصَّدْرِ، مِنَ الْغِلِّ، وَالْبَغْضَاءِ، لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، بِحَيْثُ يَعِيشُ الْمَرْءُ نَقِيَّ الْبَاطِنِ، يَتَمَنَّى الْـخَيْرَ لِلنَّاسِ كَافَّةً، لَا يَحْمِلُ شَرًّا لِأَحَدٍ، وَلَا يَضْمِرُ سُوءًا لِمُسْلِمٍ، مُقْبِلًا عَلَى خَالِقِهِ بِالْقَلْبِ السَّلِيمِ، الَّذِي لَا يَنْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِهِ سليما معافا.
وَفِي زَمَنٍ تَشَابَكَتْ فِيهِ الْمَصَالِحُ الدُّنْيَوِيَّةُ الضَّيِّقَةُ، وَتَنَافَسَ فِيهِ الْخَلْقُ عَلَى الْحُطَامِ الْفَانِي، أُصِيبَتْ كَثِيرٌ مِنَ الْقُلُوبِ بِأَدْوَاءِ الضَّغِينَةِ، وَالْحَسَدِ، وَالْمُشَاحَنَةِ، حَتَّى غَدَا نَقَاءُ الْقَلْبِ، وَصَفَاءُ السَّرِيرَةِ، عُمْلَةً نَادِرَةً، وَمَطْلَبًا عَزِيزًا.
وأصحاب القلوب النقية: هم أصحاب النفوس الزكية التقية، وهم الذين يَأْلفُون ويُؤْلفون، ويعذرون ولا يسيئون، ويتثبتون ولا يستعجلون،
وأصحاب القلوب النقية: أتقياء أوفياء، مصلحون صلحاء، على خوف ووجل من الله جل وعلا، فقد علموا بأن الدنيا زائلة، راحلة فانية، وأيقنوا بأنهم بين يدي الله واقفون، ومحاسبون، وعلى كل زلّة ومعصية وتقصير نادمون، وعلموا أنّهم لا ينفعهم مالٌ ولا بنون إلا من أتى ربه بقلب سليم.
وَلَقَدْ رَفَعَ الْإِسْلَامُ مَنْزِلَةَ (صَاحِبِ الْقَلْبِ النَّقِيِّ)، وَجَعَلَهُ فِي صَدَارَةِ الْـخَلْقِ، فَضْلًا وَمَكَانَةً؛ فَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ». قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هو التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ».
فَمَخْمُومُ الْقَلْبِ: هُوَ الَّذِي كُنِسَ قَلْبُهُ، وَنُظِّفَ مِنْ أَوْسَاخِ الْأَحْقَادِ وَالضَّغَائِنِ، كَمَا يُخَمُّ الْبَيْتُ وَيُنَقَّى، حَتَّى صَارَ مِرْآةً لِلْإِيمَانِ الْـخَالِصِ، لَا مَجَالَ فِيهِ لِظُلْمَةٍ أَوْ عَدَاوَةٍ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
ولِنَقَاءِ الْقَلْبِ، وَصَفَاءِ السَّرِيرَةِ، سِمَاتٌ بَارِزَةٌ، وَعَلَامَاتٌ ظَاهِرَةٌ، يَعْرِفُ بِهَا الْمَرْءُ نَفْسَهُ؛ فَمِنْ أَبْرَزِ صِفَاتِ صَاحِبِهِ: سَلَامَةُ الصَّدْرِ عِنْدَ رُؤْيَةِ نِعَمِ اللهِ تَعَالَى تَتَنَزَّلُ عَلَى الْـخَلْقِ، فَلَا يَحْسَدُهُمْ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَا يَتَمَنَّى زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنْ أَحَدٍ، بَلْ يَفْرَحُ لِفَرَحِ إِخْوَانِهِ، وَيَحْزَنُ لِـحُزْنِهِمْ.
وَمِنْ عَلَامَاتِهِ أَيْضًا: سُرْعَةُ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ، وَالتَّجَاوُزُ عَنِ الزَّلَّاتِ، وَالْتِمَاسُ الْمَعَاذِيرِ لِلْآخَرِينَ، وَحَمْلُ كَلَامِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ عَلَى أَحْسَنِ الْمَحَامِلِ وَأَجْمَلِ التَّأْوِيلَاتِ.
ومن علامة نقاء القلب وصفاء السريرة: أن تجد المسلم وقافاً على قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:12] فلا يظن بإخوانه إلا خيراً، ويحملهم على المحمل الحسن ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
ومن علامات نقاء القلب وصفاء السريرة: أن تجد المسلم مستشعراً قول الله عز وجل: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: 12]،
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَضَرَّعُ إِلَى رَبِّهِ لَيْلَ نَهَارَ طَالِبًا هَذِهِ النِّعْمَةَ الْعُظْمَى فَيَقُولُ فِي دُعَائِهِ (صلى الله عليه وسلم) كما في سنن النسائي: «وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا»،
وَإِذَا نَظَرْنَا فِي تَارِيخِ الْأُمَّةِ الَّذِي صَنَعَهُ الْأَبْرَارُ، نَجِدُ الصُّوَرَ الْمُشْرِقَةَ لِنَقَاءِ السَّرِيرَةِ تَتَجَلَّى فِي سِيرَةِ الْـمُصْطَفَى (صلى الله عليه وسلم)، الَّذِي بَلَغَ الْقِمَّةَ فِي صَفَاءِ النَّفْسِ، وَتَطْهِيرِ الصَّدْرِ، فَكَانَ يَحْرِصُ عَلَى صَفَاءِ صَدْرِهِ مَعَ أَصْحَابِهِ إِلَى أَبْعَدِ غَايَةٍ، فَيَقُولُ كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ: «لَا يُبَلِّغْنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ». فَلَمْ يَكُنْ يَسْمَحُ لِقِيلَ وَقَالَ أَنْ يُعَكِّرَ صَفَاءَ مَوَدَّتِهِ لِأُمَّتِهِ.
وسلامة الصدر من صفات أهل الجنة، قال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِين) [الحجر:47]. وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى إِثْرِهِمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَبَاغُضَ).
وسلامة الصدر بين المؤمنين من أسباب النصر والقوة، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ
أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم) [الأنفال:63].
وهي سبب في مغفرة الذنوب: ففي صحيح مسلم: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ فَيَغْفِرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلاَّ امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَلَقَدْ تَرَبَّى الرَّعِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى هَذَا الْـمَعِينِ الرَّبَّانِيِّ النَّقِيِّ؛ فَفي مسند أحمد: (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا جُلُوساً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ». فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وَضُوئِهِ قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مِثْلَ ذَلِكَ فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الأُولَى فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضاً فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الأُولَى فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ إِنِّي لاَحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لاَ أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلاَثاً فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُئْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ. قَالَ نَعَمْ . قَالَ أَنَسٌ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِيَ الثَلاَثَ فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئاً غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلاَةِ الْفَجْرِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ غَيْرَ أَنِّى لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلاَّ خَيْراً فَلَمَّا مَضَتِ الثَلاَثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ قُلْتُ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلاَ هَجْرٌ ثَمَّ وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ لَكَ ثَلاَثَ مِرَارٍ «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ». فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَلاَثَ مِرَارٍ فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ مَا هُوَ إِلاَّ مَا رَأَيْتَ. قَالَ فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي. فَقَالَ مَا هُوَ إِلاَّ مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِّي لاَ أَجِدُ فِي نَفْسِي لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا وَلاَ أَحْسُدُ أَحَداً عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ وَهِيَ الَّتِي لاَ نُطِيقُ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (نَقَاءُ الْقَلْبِ وَصَفَاءُ السَّرِيرَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ لِنَقَاءِ الْقَلْبِ، وَصَفَاءِ السَّرِيرَةِ أَهَمِّيَّةً قُصْوَى، وَحَاجَةً مَاسَّةً، تَعُودُ نَتَائِجُهَا وَآثَارُهَا عَلَى الْفَرْدِ، وَالْمُجْتَمَعِ، بِالْـخَيْرِ الْعَمِيمِ وَالْبَرَكَةِ الصَّافِيَةِ، فَعَلَى مُسْتَوَى الْفَرْدِ النَّفْسِيِّ وَالْبَدَنِيِّ: يُورِثُ صَفَاءُ السَّرِيرَةِ طُمَأْنِينَةً عَمِيقَةً، وَرَاحَةً فِي الْبَدَنِ، وَسَكِينَةً تَلُفُّ الْقَلْبَ؛ فَيَعِيشُ صَاحِبُهُ نَاعِمَ الْبَالِ، بَعِيدًا عَنْ أَمْرَاضِ الْقَلَقِ وَالْغِلِّ وَالْـحِقْدِ الَّتِي تَهْدِمُ الصِّحَّةَ النَّفْسِيَّةَ، وَتُحْرِقُ الْأَعْصَابَ، وَتُشَتِّتُ الذِّهْنَ فِي صِرَاعَاتٍ وَهْمِيَّةٍ.
وَأَمَّا عَلَى مُسْتَوَى الْمُجْتَمَعِ الْبَشَرِيِّ: فَإِنَّ شُيُوعَ نَقَاءِ السَّرَائِرِ بَيْنَ النَّاسِ، يُثْمِرُ مُجْتَمَعًا مُتَمَاسِكًا، مَهْيُوبَ الْـجَانِبِ، صَلْبَ الْبِنْيَانِ، تَغْمُرُهُ الْمَحَبَّةُ الْـحَقِيقِيَّةُ وَالتَّلَاحُمُ الْوَثِيقُ، وَتَزُولُ مِنْ بَيْنِ أَفْرَادِهِ أَسْبَابُ الْقَطِيعَةِ وَالنِّزَاعِ وَالْـخُصُومَاتِ، الَّتِي تُمَزِّقُ شَمْلَ الْأُمَّةِ.
وَلِأَجْلِ الْوُصُولِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الشَّرِيفَةِ، جَاءَ التَّوْجِيهُ النَّبَوِيُّ الصَّارِمُ، بِسَدِّ كُلِّ بَابٍ أَوْ فُرْجَةٍ يَمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ مِنْهَا الشَّيْطَانُ، لِإِفْسَادِ الْقُلُوبِ، وَتَعْكِيرِ الصَّفَاءِ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي وَصِيَّةٍ جَامِعَةٍ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا». وَهَذَا النِّدَاءُ الرَّبَّانِيُّ يُبَيِّنُ: أَنَّ الْأُخُوَّةَ لَا تَقُومُ لَهَا قَائِمَةٌ مَعَ وُجُودِ التَّدَابُرِ وَالْـحَسَدِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ الْأَسْبَابَ الْمُعِينَةَ عَلَى تَحْقِيقِ صَفَاءِ الْقَلْبِ، وَنَقَاءِ السَّرِيرَةِ، لَيْسَتْ أَمَانِيَّ تُطْلَبُ بِاللِّسَانِ، بَلْ هِيَ جِهَادٌ وَمُصَابَرَةٌ؛
وَتَبْدَأُ أَوَّلًا: بِإِخْلَاصِ الْعَمَلِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الْإِخْلَاصَ يَنْفِي عَنِ الْقَلْبِ كُلَّ شَائِبَةٍ لِأَجْلِ الْخَلْقِ.
ثُمَّ تَكُونُ بِـالْإِقْبَالِ الْجَادِّ عَلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى تِلَاوَةً وَتَدَبُّرًا وَعَمَلًا، لِأَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الشِّفَاءُ الْحَقِيقِيُّ لِـمَا فِي الصُّدُورِ مِنَ الْأَمْرَاضِ.
وَكَذَلِكَ بِالْإِكْثَارِ مِنَ الدُّعَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ؛ فَمَا دَعَا عَبْدٌ لِأَخِيهِ بِالْخَيْرِ إِلَّا وَسَلَّ اللهُ سَخِيمَةَ قَلْبِهِ وَأَبْدَلَهُ مَحَبَّةً، مَعَ ضَرُورَةِ إِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَالرِّضَا بِمَا قَسَمَ اللهُ، وَتَرْكِ التَّطَفُّلِ وَتَتَبُّعِ عَوْرَاتِ النَّاسِ وَأَخْبَارِهِمْ.
والنَّتِيجَة الْعُظْمَى وَالثَّمَرَة الْكُبْرَى لِمَنْ عَاشَ طَاهِرَ الْبَاطِنِ، نَقِيَّ السَّرِيرَةِ، هِيَ: الْفَوْزُ بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَالتَّلَذُّذُ بِـمُجَالَسَةِ الْأَبْرَارِ، هُنَاكَ حَيْثُ نَزَعَ اللهُ مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ؛ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْـحِجْرِ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:47]. فَمَنْ أَرَادَ جَنَّةَ الْآخِرَةِ، فَلْيَسْكُنْ جَنَّةَ الدُّنْيَا أَوَّلًا، وَجَنَّةُ الدُّنْيَا هِيَ سَلَامَةُ الصَّدْرِ.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَجَدِّدُوا نِيَّاتِكُمْ، وَرَاقِبُوا خَوَاطِرَكُمْ، وَطَهِّرُوا سَرَائِرَكُمْ مِنَ النَّوَازِعِ السَّيِّئَةِ، وَأَقْبِلُوا عَلَى اللهِ بِقُلُوبٍ بَيْضَاءَ، خَالِيَةٍ مِنَ الْـحِقْدِ وَالْـحَسَدِ؛ لِتَفُوزُوا بِرِضْوَانِ الرَّحْمَنِ، وَتَسْعَدُوا فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا، وَتَأْمَنُوا يَوْمَ الْعَرْضِ الْأَكْبَرِ.
الدُّعَاءُ
