خطبة عن «التَّحَصُّنُ مِنَ الفِتَنِ فِي ضَوْءِ الهَدْيِ النَّبَوِيِّ»
سبتمبر 1, 2026الخطبة الأولى «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
روى الإمام البخاري في صحيحه: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لاَ يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ».
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة:255).
فَاعْلَمُوا أَنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يَوْمٌ عَظِيمٌ هَوْلُهُ، شَدِيدٌ كَرْبُهُ، تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ، وَتَذْهَلُ فِيهِ المَرْضِعَةُ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَيَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ؛ وصاحبته وبنيه،
وفِي ذَلِكَ اليَوْمِ العَصِيبِ، يَبْحَثُ النَّاسُ عَنْ شَفِيعٍ يُنْقِذُهُمْ مِنْ هَوْلِ المَوْقِفِ، فَيَلْجَؤُونَ إِلَى الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ)، حَتَّى تَنْتَهِي الشَّفَاعَةُ العُظْمَى إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ؛ فَإِنَّهُ المظْهرُ الأَعْظَمُ لِرَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ، وَالمُقَدَّمُ فِي المَقَامِ المَحْمُودِ، الَّذِي يَغْبِطُهُ عَلَيْهِ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ.
وفي هذا الحديث المتقدم: (قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لاَ يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ؛ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، خَالِصاً مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ»،
فتَأَمَّلُوا هَذَا الحَدِيثَ النَّبَوِيَّ العَظِيمَ، فَإِنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الثَّنَاءِ عَلَى طَالِبِ العِلْمِ، وَبَيْنَ بَيَانِ الشَّرْطِ الأَعْظَمِ لِنَيْلِ أَعْظَمِ مَرَاتِبِ السَّعَادَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ: فَفِي هَذَا الحَدِيثِ شَهَادَةٌ نَبَوِيَّةٌ كَرِيمَةٌ لِلصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ (أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)- بِالحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلَى طَلَبِ العِلْمِ، وَسُؤَالِ النَّبِيِّ ﷺ عَمَّا يَنْفَعُ فِي الدِّينِ والدنيا وَالآخِرَةِ، وَهُوَ مَنهَجُ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ، الَّذِينَ لَمْ تَكُنْ أَسْئِلَتُهُمْ فِي التَّرَفِ أَوْ المَفَاخَرَةِ، بَلْ كَانَتْ مُنْصَبَّةً عَلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ وَأَسْبَابِ الفَوْزِ بِالرِّضْوَانِ،
ثُمَّ يُبَيِّنُ الرسول ﷺ أَنَّ نَيْلَ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ لَيْسَ بِالأَمَانِيِّ، وَلاَ بِالأَنْسَابِ، بَلْ بِتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ الخَالِصِ، المُنَقَّى مِنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ وَالرِّيَاءِ، (مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ): فَمَنْ قَالَهَا صَادِقاً، مِقَرّاً بِمَعْنَاهَا، خَالِصاً مِنْ سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ وَنَفْسِهِ، فَهُوَ أَسْعَدُ الخَلْقِ بِهَذِهِ الشَّفَاعَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلاَنِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي فَتْحِ البَارِي: «قَوْلُهُ: (أَسْعَدُ النَّاسِ) أَيْ: أَعْظَمُهُمْ نَصِيباً فِيهَا، وَالسَّعَادَةُ هُنَا بِمَعْنَى الفَوْزِ وَالظَّفَرِ، وَقَوْلُهُ: (خَالِصاً مِنْ قَلْبِهِ) الاحْتِرَازُ بِهِ عَنِ المُنَافِقِ، فَإِنَّهُ يَقُولُهَا بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ، وَقَيَّدَ الخُلُوصَ بِالقَلْبِ، لِيَخْرُجَ مَنْ قَالَهَا مُرَائِياً أَوْ مُتَصَنِّعاً، وَفِي الحَدِيثِ الفَضْلُ العَظِيمُ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ وَأَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ السَّبَبُ الأَعْظَمُ فِي نَيْلِ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي جَامِعِ العُلُومِ وَالحِكَمِ: «فَأَعْظَمُ النَّاسِ حَظّاً مِنْ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ هُمْ أَهْلُ الإِخْلاَصِ، الَّذِينَ قَالُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ خَالِصاً مِنْ قُلُوبِهِمْ؛ فَالشَّفَاعَةُ لاَ تُنَالُ بِالشِّرْكِ وَلاَ بِالتَّفْرِيطِ، وَإِنَّمَا تُنَالُ بِتَكْمِيلِ التَّوْحِيدِ وَتَطْهِيرِ القُلُوبِ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ الشَّرِيفَ يَرْشُدُ الأُمَّةَ إِلَى مَجْمُوعَةٍ مِنَ الأُصُولِ العَقَدِيَّةِ وَالسُّلُوكِيَّةِ:
أَوَّلاً: أَنَّ عِلْمَ التَّوْحِيدِ هُوَ المَقْصَدُ الأَسْمَى، وَأَنَّ سُؤَالَ العُلَمَاءِ عَمَّا يُنْقِذُ فِي الآخِرَةِ هُوَ دَأْبُ الصَّالِحِينَ.
ثَانِياً: أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً ﷺ قَدْ خَبَّأَ دَعْوَتَهُ المَسْتَجَابَةَ شَفَاعَةً لِأُمَّتِهِ، وَأَنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ هُمْ أَسْعَدُ المَخْلُوقَاتِ بِهَا.
ثَالِثاً: أَنَّ شَرْطَ قَبُولِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ هُوَ الإِخْلاَصُ وَالصِّدْقُ، وَعَدَمُ الاِكْتِفَاءِ بِالنَّطْقِ المَجَرَّدِ مَعَ مُخَالَفَةِ الِاعْتِقَادِ أَوْ تَلَوُّثِ العَمَلِ بِالشِّرْكِيَّاتِ.
وجاء في الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ» (رواه البخاري ومسلم).
وفي الصحيحين: (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ». وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ»
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (طه: 109). فَاعْلَمُوا أَنَّ الشَّفَاعَةَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَلْكٌ لِلَّهِ وَحْدَهُ، فلاَ تُطْلَبُ إِلاَّ مِنْهُ، وَلاَ تَكُونُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ لِلشَّافِعِ، وَرِضَاهُ عَنِ المَشْفُوعِ لَهُ؛ كَمَا قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ (النجم:26).
وَلِلشَّفَاعَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنْوَاع كَثِيرَة؛ مِنْهَا مَا هُوَ عَامٌّ وَخَاصٌّ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمِنْهَا مَا يَشْتَرِكُ فِيهِ المَلاَئِكَةُ وَالأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ:
أَوَّلاً: الشَّفَاعَةُ العُظْمَى (العَامَّةُ): وَهِيَ المَقَامُ المَحْمُودُ الخَاصُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ حِينَ يَشْفَعُ لِلْخَلاَئِقِ أَنَّ يُقْضَى بَيْنَهُمْ بَعْدَ أَنْ يِطُولَ المَوْقِفُ وَيَشْتَدَّ الكَرْبُ، وَيَعْتَذِرَ عَنْهَا أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.
ثَانِياً: الشَّفَاعَةُ الخَاصَّةُ فِي فَتْحِ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: حَيْثُ لاَ تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ لِلأُمَمِ إِلاَّ بَعْدَ شَفَاعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
ثَالِثاً: الشَّفَاعَةُ فِي إِدْخَالِ قَوْمٍ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ: وَهِيَ شَفَاعَةٌ خَاصَّةٌ لِبَعْضِ المُنْتَسِبِينَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ المَرْحُومَةِ.
رَابِعاً: الشَّفَاعَةُ فِي رَفْعِ دَرَجَاتِ المِلْحَقِينَ فِي الجَنَّةِ: وَهِيَ عَامَّةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّالِحِينَ.
خَامِساً: الشَّفَاعَةُ فِي أَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ: اخراجا لَهُمْ مَنَ النَّارِ، أَوْ مَنْعاً لِدُخُولِهَا بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهَا، وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ كَانَتْ وَسَتَكُونُ حَقّاً لِلأَنْبِيَاءِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالمُؤْمِنِينَ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الشَّفَاعَةَ ثَابِتَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِغَيْرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فِي أَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، وَأَنَّ المُنْكِرَ لِشَفَاعَةِ أَهْلِ الكَبَائِرِ مُبْتَدِعٌ خَارِجٌ عَنْ مَذْهَبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ هَذَا الحَدِيثَ العَظِيمَ يَحْمِلُ لِلْمُؤْمِنِ الصَّادِقِ أَعْظَمَ بَشَارَةٍ؛ فِيهِ البشْرَى: بِأَنَّ مَنْ حَافَظَ عَلَى أَمَانَةِ التَّوْحِيدِ، وَمَاتَ وَهُوَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً، صَادِقاً خَالِصاً مِنْ قَلْبِهِ، فَإِنَّ لَهُ أَمَاناً مِنَ الخُلُودِ فِي النَّارِ، وَسَبِيلاً إِلَى الظَّفَرِ بِشَفَاعَةِ المُنَاضِلِ الأَعْظَمِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَلاَ يَيأسُ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَقْنَطُ عَبْدٌ، بَلْ يَجْتَهِدُ فِي تَصْفِيَةِ قَلْبِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ والشركيات، وَتَحْقِيقِ كَلِمَةِ الإِخْلاَصِ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) بِمُقْتَضَاهَا مِنَ العَمَلِ وَالانْقِيَادِ.
ففي الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» (رواه أبو داود والترمذي).
وفي صحيح مسلم: (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ».
وفيه أيضا: (عَنْ طَارِقِ بْنِ أَشْيَمَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ».
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَحَقِّقُوا التَّوْحِيدَ فِي قُلُوبِكُمْ، وَاخْلِصُوا لِرَبِّكُمْ فِي سِرِّكُمْ وَعَلَنِكُمْ، وَأَكْثِرُوا مِنَ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَى نَبِيِّكُمْ لِتَكُونُوا مِنْ أَسْعَدِ النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ.
فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَسْعَدِ النَّاسِ بِشَفَاعَةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ القِيَامَةِ. وأحيِّنَا عَلَى التَّوْحِيدِ، وَتَوَفَّنَا عَلَى الإِسْلاَمِ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ. واسْقِنَا مِنْ حَوْضِهِ الشَّرِيفِ شَرْبَةً هَنِيئَةً لاَ نَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَداً.
الدعاء
