خطبة عن (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا)
فبراير 27, 2026خطبة عن (إِخْلَاصُ الصَّائِمِ)
فبراير 28, 2026الخطبة الأولى ( مَا أَصَابَ أَحَداً قَطُّ هَمٌّ وَلاَ حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ)
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
روى الامام أحمد في مسنده وصححه العلامة احمد شاكر : (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« مَا أَصَابَ أَحَداً قَطُّ هَمٌّ وَلاَ حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجَلاَءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي. إِلاَّ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجاً ». قَالَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ نَتَعَلَّمُهَا فَقَالَ « بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا »
إخوة الإسلام
في هذا الأدب النبوي الكريم ،يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ويرشدها إلى أن تلوذ وتحتمي بالله تعالى في الملمات ،وأن تلجأ إليه في المصائب والكربات ،وأن تستسلم بين يديه ليدفع عنها الأحزان والهموم ، ويرشدها أيضا إلى التمسك بكتاب الله الكريم ،والعمل به ،ففيه النجاة والفوز العظيم ،ففي قوله صلى الله عليه وسلم : (مَا أَصَابَ أَحَداً قَطُّ هَمٌّ وَلاَ حَزَنٌ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ) ،ففي ذلك اعتراف العبد بأنه مخلوق للَّه تعالى، مملوك له، هو وآباؤه وأمهاته، ابتداءً من أبويه المقربين، وانتهاءً إلى آدم وحواء، فالكل مماليك للَّه عز وجل خالقهم، ومدبّر أمورهم، وشؤونهم، لا غنى لهم عنه طرفة عين، وليس لهم من يلوذون ويعوذون به سواه، وهذا فيه كمال التذلّل والخضوع والاعتراف بالعبودية للَّه تعالى؛ لأنه لم يكتف بقوله:(إِنِّي عَبْدُكَ) بل زاد فيه (وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ) وفيه دلالة على التأكيد والمبالغة في التذلّل، والعبودية للَّه تعالى؛ وقوله:(نَاصِيَتِي بِيَدِكَ ) :أي مقدمة الرأس بيد اللَّه تعالى، يتصرّف فيه كيف يشاء، ويحكم فيه بما يريد، لا معقب لحكمه، ولا رادّ لقضائه، ،وقوله: (مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ): فهذا يتناول الحكمين: الحكم الديني الشرعي، والحكم القدري الكوني، فكلاهما ماضيان في العبد ،شاء أم أبى، لكن الحكم الكوني لا يمكن مخالفته، وأما الحكم الشرعي (الأوامر والمنهيات) فقد يخالفه العبد، ويكون متعرضاً للعقوبة. وقوله: (عدلٌ فيَّ قضاؤك): فيه إقرارٌ من العبد بأن جميع أقضيته سبحانه وتعالى عليه، من كل الوجوه : من صحة وسقم، وغنى وفقر، ولذة وألم، وحياة وموت، وعقوبة وتجاوز، وغير ذلك ،عدلٌ لا جور فيه، ولا ظلم ،بأي وجهٍ من الوجوه ،وبعد هذا التذلل والاستسلام بين يدي الله وإظهار الخضوع والخشوع ، يشرع العبد في الدعاء ،وهذا من أدب السائلين، وهذه الحالة أقرب إلى إجابة السؤال ،ولا سيما إذا كان المسؤول منه كريماً، ومن أكرم من اللَّه تبارك وتعالى ،الذي لا يوازيه أيُّ كريم ،ولا يعادله أيّ نظير، فإذا تضرع إليه عبده، وتذلل له، وأظهر الخضوع والخشوع ثم سأل حاجته أجيب . وأما قوله: (أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ): أي أتوسّل إليك بكل اسم من أسمائك الحسنى، وهذا هو أعظم أنواع التوسّل إلى اللَّه تعالى بالدعاء، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الاعراف 180،، وقوله: (سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ): أي اخترته لنفسك الذي يليق بكمالك وجلالك. وقوله:(أو أنزلته في كتابك): في كتبك المنزلة على رسلك، يتعبّد به عبادك ويسألونك ويدعونك به، وأنا أحدهم. وقوله: (أو علمته أحداً من خلقك): من الأنبياء والملائكة، ومنهم محمّد صلى الله عليه وسلم كما في حديث الشفاعة الطويل الذي يقول فيه:(..فَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بِهَا أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي، وَلَيْسَ يَحْمَدُهُ بِهَا أَحَدٌ بَعْدِي.) وقوله :(أو استأثرت به في علم الغيب عندك): أي خصصت به نفسك في علم الغيب، فلم يطّلع عليه أحد، وهذا كلّه تقسيم لقوله:(بكل اسم هو لك)، وهذا يدلّ على أن أسماءه تعالى الحسنى غير محصورة في عدد معين، فجعل أسماءه تعالى ثلاثة أقسام: قسم سمَّى به نفسه، فأظهره لمن شاء من أنبيائه ورسوله، وملائكته أو غيرهم، ولم يُنزله في كتابه. وقسم أنزله في كتابه، فتعرَّف به إلى عباده. وقسم استأثر به في علم الغيب عنده لا يطّلع عليه أحد، فتضمّن هذا الدعاء المبارك التوسّل إليه تعالى بأسمائه الحسنى كلّها، ما علم العبد منها، وما لم يعلم،
والعلم بأسماء اللَّه وصفاته أصل لكل العلوم؛ لأنه كُلَّما كان عظيم العلم والمعرفة باللَّه تعالى وأسمائه وصفاته زادت خشية العبد لربه، وعظمت مراقبته وعبوديته له جلّ وعلا، وازداد بُعداً عن الوقوع في سخطه ومعصيته؛ ولهذا كان أعظم ما يطرد الهمّ والحزن والغمّ أن يعرف العبد ربه بأسمائه وصفاته، وأن يعمر قلبه بذكرها، والثناء بها عليه، واستحضار معانيها،
فبعد أن قدَّم جملاً من الإقرار بالتذلل والخضوع له تعالى، والإيمان بكمال حكمه وقضائه وعدله ،وهو توسل إليه بعمله الصالح، وتوسل إليه كذلك بأفعاله، ثم توسل إليه بجميع أسمائه الحسنى وصفاته العُلا، فجمع ثلاثة أنواع من التوسّلات الجليلة مقدمة بين يدي دعائه دلالة على أهمية هذه الوسائل في إعطاء ما يسأله العبد ربه عز وجل فقال: (أن تجعل القرآن ربيع قلبي): أي: فرح قلبي، وسروره، وخُصَّ (الربيع) دون فصول السنة؛ لأن الإنسان يرتاح قلبه في الربيع من الزمان، ويميل إليه ويخرج من الهمّ والغمّ، ويحصل له النشاط والسرور والابتهاج) ، وقيل أن معنى :(أن تجعل القرآن ربيع قلبي) : أن “الربيع” بمعنى الجدول التي تسقي الأرض بالماء ،وقيل في الربيع ايضا (الاستقرار):اي اجعله مستقرا سيدا علي قلبي ، والخلاصة اي اجعله يروي قلبي بهدي الله ونوره ،ومستقرا متربعا عليه، والحياة والنور جماع الكمال كما قال تعالى :{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} الانعام 122، فهو بالحياة يخرج عن الموت وبالنور يخرج عن ظلمة الجهل فيصير حيا عالما ناطقا وهو كمال الصفات في المخلوق ، فتضمّنت هذه الدعوة سؤال اللَّه تعالى أن يجعل قلبه مرتاحاً إلى القرآن، مائلاً إليه، راغباً في تدبره، وهذا يدلّ على أن القرآن هو الشفاء الناجح لمن تأمله وتدبّره، وتمسّك به، وقوله: (ونور صدري): أي تشرق في قلبي بأنوار المعرفة، فأميّز الحق والباطل. وقوله: (وجلاء حزني، وذهاب همّي): الجلاء هو: الانكشاف، أي انكشاف حزني وهمّي؛ لأن القرآن شفاء، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الاسراء 82،وقال الله تعالى :﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (فصلت: 44)؛ فالقرآن كلام اللَّه تعالى الذي ليس كمثله شيء، وأي شيءٍ يقف أمام هذا الكلام العظيم، فالقرآن الذي هو أفضل الذكر، كاشف للحزن، ومُذهب للهمّ لمن يتلوه بالليل والنهار بتدبّر وتفكّر، فليس شيء مثله مُذهب للأوهام والأحزان، والأمراض النفسية العصرية، وفيه من نعيم القلب، وأنسه، ولذّاته، وراحته ما لا يوصف، وعلى قدر تحصيل العبد لكتاب اللَّه تعالى: تلاوةً، وحفظاً، وفهماً، ومدارسةً، وعملاً ينال من السعادة والراحة والطمأنينة والعافية في البدن والنفس ما لا يحصيه إلا اللَّه تعالى.
أيها المسلمون
وهذا الدعاء دعاء فريد ،يستدعى الانتباه، ويستدعي التفكير ،وهو جامع للخير ،حيث يتضمن قوله: (أن تجعل القرآن ربيع قلبي) الاستعاذة من الجفوة والغلظة والانطوائية، ويوحي بأن القرآن غيث غائث، وأن القلوب حياله تتطهر، ويطلب ثبات القلوب وعمارتها بالإيمان، وفيه تشويق لبركةٍ ربانيةٍ تمس القلوب فتكسبها قدرة على التفاعل مع هدايات القرآن. وقد اختلطت بشاشة هذا الدعاء الخاشع بأفئدة المتقين فانشرحت، وطابت وزكت وتلاقت، وشكلت تجمعاً فريداً قوامه العقيدة، ورباطه الأخوة، وطابعه الحركة المتزنة الرشيدة، فأصبحت هذه القلوب مزدهرة ناضرة يتحقق فيها المثل الكريم ﴿ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: 29].
أيها المسلمون
وفي الصحيحين :(عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِى يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِى لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ لاَ رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِى يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِى لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ » .وفي صحيح مسلم : (أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِىُّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ »،وعند الترمذي : (أن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لاَ أَقُولُ الم َرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلاَمٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ ». وفيه : (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا »
أيها المسلمون
والقلب وعاء تملأه بما تريد ، وهذا الوعاء يتلقى الأشياء من الحواس المختلفة ، ولك أن تملأ قلبك مما تريد ،ولا أفضل ولا أزكي ولا أجمل من كلام رب العالمين القران الكريم الذي يغذي القلب ،ويجعله آمنا مطمئنا ، فهو يشفي الفؤاد ويهذب النفس ، ويعين في حال التعرض للفتن والابتلاءات التي لا يصبر عليها إلا أهل القرآن ،الذي أحكمت آياته من لدن حكيم عليم . وصلاح أي عمل مرتبط بصلاح القلب ،كما أن فساد أي عمل مرتبط بفساد القلب ،وهنا يكون القرآن ربيع القلب ،حيث يجعل جوارح الانسان كلها تسلم لله رب العالمين ،فلا تتحرك الا لله عز وجل ،وكما قال النبي (التقوى هاهنا ) وأشار إلى قلبه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ».
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية ( مَا أَصَابَ أَحَداً قَطُّ هَمٌّ وَلاَ حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ)
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
وفي المقابل، فإن فساد القلب لبعده عن القران يتبعه خراب لكل الجسد ،وهذا يأتي من اتباع الشهوات والملذات والبعد عن الله ، يقول الله تعالى : {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج 46، والقلب بيد الله وحده لا شريك له ،يفتحه متى شاء ،ويغلقه متى شاء بحكمته وعلمه ،ولكن العلاج موجود ،وهو القرآن والتضرع إلى الله تعالى، واللجوء إليه، وكثرة الدعاء؛ يقول الله تعالى – مخبرًا عن دعاء عباده الراسخين في العلم-: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} آل عمران (8). وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» رواه مسلم ،والقران الكريم كالماء الذي يحي الارض ،ويجعل النباتات والزهور والاشجار تنمو وتترعرع في فصل الربيع ،القرآن نور الصدور وحياة القلب ،وزوال الجهل ،والقران يجب أن يمر إلي داخل القلب حتى يكون ربيعا له ،ولا يكون ذلك بالتلاوة فقط .. بل بالتدبر والتأمل ،وكان مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول: يا أهل القرآن، ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع القلوب كما أن الغيث ربيع الأرض) .وتدبر القرآن و تدارسه أمر مهم جدا؛ فليس الحكمة من قراءة القرآن أن تتلى فقط حروفه ،بل تتدبر وتطبيق آياته وأحكامه ؛كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوزون العشر آيات حتى يفهمونها ويطبقونها ثم يحفظونها ومن بعد ذلك ينتقلون لغيرها .. ؛ فمن يقرأ القرآن بقلب لاهي ساهي لا يفيده قرأته ؛ قال تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (2) الأنفال ،فالقرآن فيه تقويم للسلوك، وتنظيم للحياة، ومن استمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، ومن أعرض عنه وطلب الهدى في غيره فقد ضل ضلالاً بعيداً ،ويجب علينا ، اذا كنا نريد أن يكون القرآن ربيع قلوبنا بحق ؛ أن نتخلق بأخلاق القرآن ، وعندما سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم: أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. قَالَتْ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) رواه أحمد ،فمن كان صاحبه القرآن تأثر بآدابه وأحكامه (تخلقا وتعاملا وأدابا) ، وصاحب القرآن يبتعد عن كل ما يشوب من (نفاق وكذب وظلم وغيره)، ففي صحيح مسلم : (قَالَ عُمَرُ أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ قَالَ « إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ » ،كما يجب علينا إذا كنا أيضا نريد الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا .. أن نقوم بتلاوته أناء الليل وأطراف النهار ،قال الله تعالى : (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) العنكبوت (45) ،وأيضا يجب علينا إذا كنا نريد القرآن ربيعا لقلوبنا أن نحبه ،فإن القلب إذا أحب شيئا تعلق به ، واشتاق إليه ،وشغف به ،وانقطع عما سواه ،والقلب إذا أحب القرآن تلذذ بقراءته ،واجتمع على فهمه ووعيه فيحصل بذلك التدبر المكين ،والفهم العميق ومن علامات حب القلب للقرآن : الفرح بلقائه ،والجلوس معه أوقاتا طويلة دون ملل .والشوق إلى لقائه متى بعد العهد عنه وحال دون ذلك بعض لموانع ، وتمني ذلك والتطلع إليه ومحاولة إزالة العقبات التي تحول دونه ،والثقة بتوجيهاته والرجوع إليه فيما يشكل من أمور الحياة صغيرها وكبيرها ،وطاعته ، أمرا ونهيا ،كما يجب علينا إذا كنا أيضا نريد الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا أن نستشفى به قال تعالي (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) الاسراء 82، فالقران شفاء لجميع الامراض الحسية والمعنوية مع اليقين والاستعانة بالله تعالى .
الدعاء
