خطبة عن حديث (لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا)
يوليو 27, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (التَّقْوَى)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (102) آل عمران، وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (119) التوبة
أيها المسلمون
حديثنا اليوم- إن شاء الله تعالى- حول موضوع (التقوى)، وما أدراك ما التقوى؟، فالتقوى كما يُعرِّفها الإمام عليٌّ (رضي الله عنه): “هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل”، وكما يقول بعض العلماء: “هي أن يراك الله حيث أمرك، ويفتقدك حيث نهاك”، والتقوى: أن يُطاع الله فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكَر فلا يُكفَر.
والتقوى: أن تحفظ الله في كل أقوالك، وأفعالك، وحركاتك، وسكناتك، وحدَك أو بين الناس، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» رواه الترمذي
والتَّقْوَى: هِيَ مِيزَانُ التَّفَاضُلِ عِنْدَ اللهِ، وَهِيَ الزَّادُ الَّذِي لَا يَنْفَدُ، وَالسِّتْرُ الَّذِي لَا يَبْلَى، ولَيْسَتِ التَّقْوَى مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ تُقَالُ، بَلْ هِيَ حَالٌ يَقُومُ بِالقَلْبِ، فَيُثْمِرُ خَشْيَةً فِي السِّرِّ، وَطَاعَةً فِي العَلَنِ، والتقوى هِيَ الغَايَةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا شُرِعَتِ العِبَادَاتُ، فَقَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:21].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ التَّقْوَى هِيَ تِلْكَ الوِقَايَةُ، الَّتِي يَجْعَلُهَا العَبْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَذَابِ اللهِ، بِفِعْلِ المَأْمُورِ، وَتَرْكِ المَحْظُورِ، وَقَدْ مَثَّلَهَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)، لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)، بِمَنْ يَمْشِي فِي طَرِيقٍ ذِي شَوْكٍ، فَيُشَمِّرُ ثِيَابَهُ، وَيَحْذَرُ كُلَّ خُطْوَةٍ؛ فَكَذَلِكَ المُتَّقِي، يَحْذَرُ شَوْكَ الذُّنُوبِ، فِي طَرِيقِهِ إِلَى اللهِ.
وتَأَمَّلُوا فِي ثَمَرَاتِ التَّقْوَى العَاجِلَةِ: فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلْمُتَّقِينَ مَخَارِجَ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ، فَقَالَ تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق:2-3]. فَإِذَا أُغْلِقَتِ الأَبْوَابُ فِي وَجْهِكَ، وَضَاقَتْ بِكَ السُّبُلُ، فَابْحَثْ عَنْ مَقَامِ التَّقْوَى فِي قَلْبِكَ؛ فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ هِيَ مِفْتَاحُ الفَرَجِ، وَسَبَبُ تَيْسِيرِ العَسِيرِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) [الطلاق :4]. واعلموا أنَّ الرِّزْقَ لَا يُسَاقُ بِالقُوَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ بِطَاعَةِ الرَّزَّاقِ، وَإِذَا رَضِيَ اللهُ عَنِ العَبْدِ لِتَقْوَاهُ، سَاقَ إِلَيْهِ خَيْرَاتِ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِ التَّقْوَى: أَنَّهَا تُورِثُ “الفُرْقَانَ”؛ وَهُوَ النُّورُ الَّذِي يُمَيِّزُ بِهِ المَرْءُ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، فِي زَمَنِ الفِتَنِ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) [الأنفال :29]. فَالْمُتَّقِي لَا تَلْتَبِسُ عَلَيْهِ الأُمُورُ، لِأَنَّ اللهَ قَذَفَ فِي قَلْبِهِ نُوراً يَهْدِيهِ.
كَمَا أَنَّ التَّقْوَى هِيَ السَّبِيلُ لِنَيْلِ مَعِيَّةِ اللهِ، الخَاصَّةِ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النحل:128]. فَإِذَا كَانَ اللهُ مَعَكَ، فَمَنْ عَلَيْكَ؟، وَإِذَا حَفِظَكَ بَيْنَ جَنَبَاتِ تَقْوَاكَ، فَلَا يَضُرُّكَ كَيْدُ مَنْ كَادَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ التَّقْوَى لَيْسَتْ حَبِيْسَةَ المَحَارِيبِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ خُلُقٌ، يَظْهَرُ فِي البَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَفِي بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ، وَفِي تَرْبِيَةِ الأَبْنَاءِ.
وهذا هو معنى قوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ» [رواه الترمذي]. فَالمُتَّقِي هُوَ مَنْ يَتَّقِي اللهَ فِي عَمَلِهِ فَلَا يَغُشُّ، وَيَتَّقِي اللهَ فِي رَعِيَّتِهِ فَلَا يَظْلِمُ، وَيَتَّقِي اللهَ فِي سِرِّهِ فَلَا يَنْتَهِكُ الحُرُمَاتِ إِذَا خَلَا.
واعلموا أنَّ مَنْ تَعَامَلَ مَعَ النَّاسِ بِخُلُقِ التَّقْوَى، أَحَبَّهُ اللهُ، وَأَلْقَى لَهُ القَبُولَ فِي الأَرْضِ، وَكَانَ قُدْوَةً صَالِحَةً، تَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وإِنَّ المَصِيرَ النِّهَائِيَّ لِلْمُتَّقِينَ: هُوَ الجَنَّةُ الَّتِي أُعِدَّتْ لَهُمْ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) [مريم:63].
وَفِي الآخِرَةِ تَنْقَطِعُ كُلُّ الأَنْسَابِ وَالصَّدَاقَاتِ، إِلَّا صَدَاقَةَ أَهْلِ التَّقْوَى، قَالَ تَعَالَى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف: 67].
فَاحْرِصُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى صُحْبَةِ مَنْ يُذَكِّرُكُمْ بِاللهِ، وَيُعِينُكُمْ عَلَى تَقْوَاهُ، فَإِنَّ المَرْءَ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَالمُتَّقُونَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ.
والسؤال: كَيْفَ نُحَقِّقُ التَّقْوَى فِي حَيَاتِنَا؟، والجواب: أَوَّلُ ذَلِكَ: بِتَعْظِيمِ نَظَرِ اللهِ إِلَيْكَ، وَاسْتِحْضَارِ مَعْنَى الإِحْسَانِ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ.
ثَانِيًا: بِكَثْرَةِ الِاسْتِغْفَارِ، وَتَجْدِيدِ التَّوْبَةِ، فَالمُتَّقِي لَيْسَ مَعْصُوماً، ولَكِنَّهُ “أَوَّابٌ”، إِذَا أَذْنَبَ تاب واسْتَغْفَرَ.
ثَالِثًا: بِالمُحَافَظَةِ عَلَى الفَرَائِضِ، وَالِازْدِيَادِ مِنَ النَّوَافِلِ، فالحَيَاة سَرِيعَةُ الزَّوَالِ، وَمَا يَبْقَى لِلْمَرْءِ إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ تَقْوَى، قَالَ تَعَالَى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة:197].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا) [النبأ:31-32]. فَقَدْ وَعَدَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُتَّقِينَ بِوُعُودٍ صَادِقَةٍ، وَجَزَاءٍ أَوْفَى، لَا يَقْدِرُ قَدْرَهُ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ.
واعلموا أنَّ جَزَاءَ التَّقْوَى لَيْسَ مُؤَجَّلاً لِلآخِرَةِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ نَعِيمٌ يَبْدَأُ مِنَ الدُّنْيَا، وَيَمْتَدُّ إِلَى سَاعَةِ الِاحْتِضَارِ، ثُمَّ فِي القَبْرِ، وَيَبْلُغُ تَمَامَهُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. فَالْمُتَّقِي فِي كَنَفِ اللهِ وَرِعَايَتِهِ حَيْثُمَا كَانَ، وَأَيْنَمَا حَلَّ.
فأَوَّلُ جَزَاءِ المُتَّقِينَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا هُوَ “المَحَبَّةُ الإِلَهِيَّةُ”؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [آل عمران:76]. وَإِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدَهُ لِتَقْوَاهُ، وَضَعَ لَهُ القَبُولَ فِي الأَرْضِ، وَسَخَّرَ لَهُ القُلُوبَ.
وَمِنْ جَزَائِهِمْ أَيْضاً: “الحِفْظُ مِنْ كَيْدِ الأَعْدَاءِ”؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) [آل عمران:120]. فَالْتَّقْوَى هِيَ الحِصْنُ الحَصِينُ الَّذِي تَتَحَطَّمُ عَلَيْهِ سِهَامُ المَاكِرِينَ، وَهِيَ السَّبَبُ فِي تَنْزِيلِ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) الأعراف:96.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (التقوى)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وَمِنْ جَزَاءِ المُتَّقِينَ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِمْ: “البُشْرَى وَالأَمْنُ مِنَ الفَزَعِ”. فَعِنْدَمَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَيَخَافُ النَّاسُ، يُنَادِي المُنَادِي: (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ) [الزخرف:68-69]. وَقَدْ فَسَّرَ العُلَمَاءُ هَذِهِ الآيَةَ بِأَنَّهَا لِأَهْلِ التَّقْوَى.
وإِنَّ المَلَائِكَةَ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ المَوْتِ لِتُبَشِّرَهُمْ: (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت:30]. فَمَا ظَنُّكُمْ بِعَبْدٍ يَسْتَقْبِلُ المَوْتَ بِالبِشَارَةِ، وَيُدْخَلُ قَبْرَهُ بِالسَّكِينَةِ؟
أَمَّا جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ الحِسَابِ، فَهُوَ “التَّكْفِيرُ الشَّامِلُ لِلذُّنُوبِ”؛ قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) [الطلاق:5]. فَالْتَّقْوَى تَمْحُو مَا قَبْلَهَا، وَتَرْفَعُ صَاحِبَهَا إِلَى مَقَامِ الكَرَامَةِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات:13]. وَيَوْمَ يُسَاقُ النَّاسُ إِلَى المَحْشَرِ، يُسَاقُ المُتَّقُونَ وُفُوداً مُكَرَّمِينَ: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا) [مريم:85]. وَالوَفْدُ هُمُ القَادِمُونَ لِلتَّكْرِيمِ وَالجَائِزَةِ، يَمْشُونَ فِي ظِلِّ عَرْشِ الرَّحْمَنِ، لَا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكْبَرُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي صِفَةِ مَقْعَدِهِمْ فِي الجَنَّةِ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر:54-55]. لَقَدْ جَمَعَ اللهُ لَهُمْ بَيْنَ نَعِيمِ المَكَانِ (جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ)، وَصِدْقِ المَكَانَةِ (مَقْعَدِ صِدْقٍ)، وَقُرْبِ المَنْزِلَةِ (عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ).
إِنَّهُ جَزَاءُ مَنْ رَاقَبَ اللهَ فِي سِرِّهِ، وَخَشِيَهُ فِي عَلَانِيَتِهِ. فَالْمُتَّقِي الَّذِي تَرَكَ شَهْوَتَهُ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، يُعَوِّضُهُ اللهُ بِمَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.
وإِنَّ جَزَاءَ المُتَّقِينَ يَتَجَلَّى أَيْضاً فِي “النَّجَاةِ مِنَ النَّارِ”؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) [مريم:72]. فَالْتَّقْوَى هِيَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَجَوَازُ المُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ. وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نَعِيمِهِمْ أَنَّهُمْ (لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ) [الأنبياء:102]. هَذَا الأَمْنُ التَّامُّ هُوَ ثَمَرَةُ الخَوْفِ مِنَ اللهِ فِي الدُّنْيَا؛ فَمَنْ خَافَ اللهَ فِي دَارِ المَمَرِّ، أَمَّنَهُ اللهُ يَوْمَ المَقَرِّ.
وَمِنْ لَطِيفِ جَزَائِهِمْ: “اجْتِمَاعُ الشَّمْلِ بِالذُّرِّيَّةِ”؛ قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور:21]. فَبَرَكَةُ تَقْوَى الآبَاءِ تَمْتَدُّ لِلأَبْنَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. إِنَّ جَزَاءَ المـُتَّقِينَ جَزَاءٌ سَرْمَدِيٌّ، لَا يَنْقَطِعُ وَلَا يَحُولُ.
فَلْيَسْأَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا نَفْسَهُ: أَيْنَ أَنَا مِنْ طَرِيقِ المـُتَّقِينَ؟، وَهَلْ أَعْدَدْتُ لِهَذَا الجَزَاءِ عَمَلاً؟، فإِنَّ الجَنَّةَ غَالِيَةٌ، وَمَهْرُهَا التَّقْوَى، وَسِلْعَةُ اللهِ لَا تُنَالُ بِالأَمَانِيِّ، بَلْ بِالصِّدْقِ مَعَ اللهِ، فَلْنُجَدِّدِ العَزْمَ عَلَى سُلُوكِ هَذَا الدَّرْبِ العَظِيمِ.
الدعاء
